الدنمارك تحرج إنسانية العالم الغربي بـ"قانون الحلي" العنصري

الانخراط في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان والمشاركة البناءة في إشاعة التضامن الإنساني، يعدان قيمتين دأبت على استنباطهما وتكريسهما جل دول العالم الغربي تقريبا، وقد كانت هذه “المهمة الإنسانية” السلاح الدعائي الرئيسي للعالم الليبرالي في الحرب الباردة ضد السوفييت. ولكن، وفي الاختبار الأول لقدرة هذه الأنظمة على تطبيق نظرتها الإنسانية، فإن بوادر الفشل كانت السمة الأبرز لنتائجه. ولعل سلوك الدنمارك مع اللاجئين العرب إليها يبين ذلك.
الخميس 2016/01/28
قوات السطو على ما تبقى

كوبنهاغن - تسود صورة عن الدنمارك بأنها أفضل دول العالم من حيث معدلات السلامة لمحبي قيادة الدراجات وأنها وطن حورية البحر الصغيرة ووطن أكثر سعداء العالم.

وتشوهت هذه الصورة قليلا في أوروبا في الأشهر الأخيرة وأصبحت موضوع سخرية في دول الاتحاد الأوروبي كبلد يريد أن ينزع من اللاجئين الوافدين إليه حُليهم ويجبر أطفالهم على تناول لحوم الخنازير المفرومة كطعام إلزامي في دور الحضانة بزعم الحفاظ على الثقافة الدنماركية من الضياع. ورغم أن هناك دولا أخرى تتعامل مع اللاجئين بنفس قسوة الدنماركيين الذين أقروا قانون لاجئين مثيرا للجدل، إلا أن هذه الدول لا تفعل ذلك بنفس الصخب والمجاهرة.

وسخرت صحيفة "بوليتيكن" الدنماركية من القانون قائلة إن "الدنمارك تدفع ثمن سياستها الرمزية". ورأت الصحيفة أن "قانون الحلي" يظهر إلى أي مدى يمكن للديمقراطيات شديدة الاحترام أن تصبح هي نفسها تافهة وغير كريمة عندما تنزلق في دائرة الذعر بسبب تدفق اللاجئين.

أما صحيفة "برلينجسكه" فترى الدنمارك عرضة "لحملة تشويه"، وتحدثت صحف عالمية مثل صحيفة "نيويورك تايمز" في الأيام الماضية عن تحول الدنمارك من دولة منفتحة إلى رعب للاجئين. وقد اضطرت الوزيرة الدنماركية لشؤون اللاجئين والهجرة إنجر ستويبرج إلى الوقوف أمام أعضاء البرلمان الأوروبي لتشرح لهم السبب وراء إقدام بلادها على انتزاع مقتنيات اللاجئين وأموالهم النقدية التي تزيد عن عشرة آلاف كرونة أي ما يعادل 1340 يورو.

كما قوبلت الحكومة الدنماركية بالانتقادات جراء عزمها حرمان اللاجئين الحاصلين على تصريح إقامة مؤقت من لم الشمل مع ذويهم قبل مرور ثلاث سنوات من قدومهم إلى الدنمارك. كما تسببت النبرات الشديدة للوزيرة الليبرالية ستويبرج في موجات من الترحيب من قبل الناخبين اليمينيين الشعبويين داخل الدنمارك.

قانون الحلي يظهر إلى أي مدى يمكن للديمقراطيات المحترمة أن تصبح هي نفسها تافهة وغير كريمة
وبدا صوت الوزيرة ستويبرج عنيدا في بروكسل عندما تحدثت عن سوء فهم في ما يتعلق بالاتهامات الموجهة لبلادها بشأن قانون اللاجئين. وكانت ستويبرج تسعى في البداية لنزع خواتم الزواج أيضا من اللاجئين ولكنها تخلت عن هذه الفكرة بعد أن رأت شدة المعارضة لها.

وسارع وزير الخارجية الدنماركي كريستيان ينزن الذي كان يرافق ستويبرج في بروكسل للتخلص من شؤم قانون اللاجئين والابتعاد عن تأييده وأنحى باللائمة على النواب الدنماركيين في البرلمان الأوروبي في إجبار بلاده على تبرير سياستها تجاه اللاجئين في بروكسل.

وفي هذه الأثناء حذر خبراء في الدنمارك من تعرض بلادهم لموجة امتعاض على الساحة الدولية تشبه تلك التي تعرضت لها جراء أزمة الرسوم الساخرة من النبي محمد عام 2005 عندما تسبب نشر هذه الرسوم بصحيفة “يلاندس بوستن” في إثارة موجة من الاستياء وأعمال عنف في العالم الإسلامي. ورأى باحثون دانماركيون أن تدني سمعة الدنمارك جراء قانون اللاجئين يمكن أن يضر بمصالحها الاقتصادية.

وعن ذلك قال مادس موردهورست من كلية الاقتصاد في كوبنهاجن في تصريح له “إن طريقة تعامل الدنمارك مع اللاجئين ستجلب لها سمعة البلد الصغير في شمال أوروبا الذي لا يستطيع أن يصبح جزءا من العالم الكبير ولا يريد تحمل مسؤولية في هذا العالم”.

باحثون دانماركيون يرون أن تدني سمعة الدنمارك جراء قانون اللاجئين يمكن أن يضر بمصالحها الاقتصادية

يأتي ذلك على الرغم من أن الدنمارك تتحمل مسؤولية فعلا حسبما أوضح وزير الخارجية الدنماركي كريستيان ينزن في بروكسل عندما قال إن الدنمارك تعتبر ثاني أكبر دولة أوروبية إنفاقا على اللاجئين مقارنة بحجمها. كما أن الدنمارك ضمن أكثر عشر دول داخل الاتحاد الأوروبي استقبالا للاجئين، ولكن الأعداد التي تستقبلها الدنمارك كانت قد تراجعت منذ التفتيش الذي اعتمدته مؤقتا على حدودها مع ألمانيا مطلع يناير الجاري.

غير أن نظرة على الحدود الأوروبية للدنمارك توضح أن هذه الدولة ليست وحدها التي تفرض إجراءات مشددة ضد طالبي اللجوء، كما أنها ليست البلد الأوروبي الوحيد الذي به قانون الحلي المعيب حيث تلزم سويسرا على سبيل المثال اللاجئين بتسليم حليهم الذي تزيد قيمته على ألف فرنك سويسري (914 يورو) وذلك لإشراك اللاجئين في تدبير نفقات إقامتهم. كما تتحفظ ولاية بافاريا الألمانية على نقود اللاجئين إذا زادت عن 750 يورو وذلك حسب وزير داخلية الولاية يواخيم هيرمان.

وقد علت أصوات بين سياسيين محليين من اليمينيين الشعبويين المشاركين في الائتلاف الحكومي في النرويج مطالبة بتطبيق قواعد مشابهة على اللاجئين.

وحذر ناقدون لقانون اللاجئين الجديد في الدنمارك من أن القانون الجديد بشأن لمّ شمل الأسرة، والذي يمس حسب بعض التقديرات واحدا من كل خمسة لاجئين، سيصل إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ. وأعلنت عدة منظمات حقوقية بالفعل عزمها دعم دعوى اللاجئين بهذا الشأن أمام المحكمة الأوروبية.

ويرى الكثيرون أن القانون الجديد يبعث رسالة خاطئة تماما رغم أن هؤلاء يعرفون في الوقت ذاته الوجه الآخر الودود للدنمارك.

13