الدنيا حظوظ

الثلاثاء 2017/12/12

اكتشفت بعد لأي، كما يقال، وعن طريق الصدفة البحتة أن الحظ صناعة بشرية بسيطة ومتاحة للجميع. وبهذا نستغني عن الأقدار وكل ما هو “ما وراء الطبيعة”. الحظ ممكن أن تصنعه أي امرأة سبعينية ترتدي معطفا أزرق وتركب حافلة. وممكن أيضا أن تصنعه امرأة خمسينية بمعطف بنّي في القطار أو طالب يمشي إلى المدرسة سعيا على قدميه. باختصار، يمكن أن يصنعه أي أحد وليس من الضروري أن يكون مرتديا معطفا.

اكتشفت أن الحظ مصنوع بيد البشر في ذات رحلة على متن حافلة مواصلات عامة في إنكلترا. في المقعد الذي أمامي مباشرة جلست امرأتان عجوزان تتحدثان. كنت كعادتي أنصت إلى حديثهما. فمن طبعي أني كلما كنت في مكان عام أن أهتم بتركيز شديد

بما لا يخصني البتة وأسترق السمع. أراعي شؤون الآخرين بشغف واهتمام كبيرين.

المهم، كانت إحدى العجوزين تروي كيف أن لصوصا سطوا على بيتها بينما كانت في زيارة لبيت ابنها استمرت يومين. تذمرت ما شاء لها أن تتذمر مما حصل وبالذات من وقاحة الحرامية وكيف أنهم أعدوا لنفسهم شايا بالحليب أثناء مكوثهم في بيتها. عرفت ذلك من اتساخ الأكواب التي لم يغسلوها ومما تبقى في الثلاجة من قنينة الحليب.

فهم صناعة الحظ لم يأتني من حكاية المرأة المسروقة بل من صاحبتها المصغية بصبر حتى الآن. كانت المرأة المصغية تستمع وتهز رأسها تعاطفا أو ربما لتنبئ صاحبتها أنها مازالت حية وتسمع. وبعد انتهاء فاصل التوجع والتألم والحسرة على المسروقات من حلي وأدوات كهربائية، بعد كل هذا تحدثت المصغية بأن سألت المسروقة سؤالا بسيطا. قالت: هل هذه المرة الأولى التي يسرق فيها بيتكم؟ يبدو من الكلام أنكم لم تتعرضوا للسرقة من قبل.

المسروقة اعترفت بأنها المرة الأولى التي يتعرض فيها بيتها للسطو. المصغية قالت: يا لكم من محظوظين. أعرف ناسا سرقوا خمس مرات وأنا شخصيا سرقت مرتين. وبهذا عرفت وتعلمت معنى صناعة الحظ.

هذا هو الحظ البريطاني الشهير. حظ حسن يقوم على أساس المقارنة بما هو أسوأ بكثير. الإنكليز مقتنعون بأنهم محظوظون بل ويتمنون للناس حظا كحظهم. وأنا شخصيا أتطير وأتشاءم عندما يتمنى لي أحدهم حظا بريطانيا. فأنا أعرف أنه حظ من نوع التعرض لحادثة وفقدان عين واحدة فقط وليس كلا العينين. أو أن تضيع نصف نقودك وليس كلها. والمحظوظ السعيد هو من يسطو اللصوص على بيته للمرة الأولى.

24