الدهاء والميليشيا ذراعا الرئيس اليمني للاستحواذ على البلاد

الاثنين 2014/07/14
سعي عبد ربه منصور هادي المحموم للسيطرة على مفاصل الدولة ينبئ بدكتاتورية آتية على مهل

القاهرة - القرارات الأخيرة التي عمد من خلالها الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي إلى إحداث تغييرات في قيادة الجيش، تبدو منوطة في ظاهرها بالأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظة عمران والمنطقة العسكرية السادسة في حضرموت، غير أنّها تكشف في خفاياها عن تمشّ يخوضه هادي منذ مدّة يقضي بإحكام سيطرته على مفاصل البلاد والتأسيس لدكتاتورية ناشئة على مقاسه.

استدعى الإخوان المسلمون جماعة أنصار الله من صعدة إلى وسط العاصمة في بداية 2011 لإشراكهم في “ثورة” سياسية على حليفهم الاستراتيجي، الرئيس علي عبدالله صالح، بقصد تنويع القوى الرافضة لنظامه، وإرسال دلالات معنوية إلى العالم أنه حاكم لم يعد مقبــولا من قبل شعبــه.

وقد أدى صمود صالح الخرافي بعد جريمة 18 مارس 2011، التي أقدم عليها الإخوان، إلى إسقاط النظام أخلاقيا وخلق تضامنا شعبيا مع المحتجين ومطالبهم وإلى انشقاق رفيقه القوي الجنرال علي محسن الأحمر مع بعض القوات العسكرية التي كانت تحت سيطرته، وتأسيس نواة جيش حر داخل اليمن كما حدث في بعض بلدان الربيع العربي الأخرى، أعقبتها محاولات مستمية لإسقاط المحافظات بأيدي الثوريين، فسقطت صعدة في يد الرفاق الحوثيين وصفق الإخوان فرحا لذلك السقوط، ورغم كل شيء لم يستطعوا إنهاء علاقة صنعاء ببقية المحافظات.

استنزف تنظيم الإخوان مليشياته لمواجهة القوات المسلحة النظامية المؤيدة لعلي عبدالله صالح والتي كانت تمثل نسبة تسعين بالمئة من قوام الجيش بطريقة حرب العصابات وإدخالها في حروب ومعارك متقطعة مع القبائل الإخوانية مثل الذي حدث في الصمع بأرحب وتعز.

واستبقى علي محسن قواته المنشقة للسيطرة على صنعاء متى ما حانت له الفرصة لذلك.

اعتقد الإخوان أنهم سيُسقطون صالح سريعا ولكنهم فشلوا في كل محاولاتهم، وقد أدرك الرئيس السابق ضرورة اللجوء إلى ملك السعودية ودول الخليج العربي للضغط على قوى المعارضة الثورية للقبول بمبادرة سياسية تنهي الأزمة اليمنية وتتوج برحيله عن السلطة عبر انتخابات مبكرة، وقد أسقطت المبادرة الخليجية فعليا وهم الشرعية الثورية التي تمناها الإخوان، بما في ذلك مناورات علي عبدالله صالح التي استدرجت مشايخ قبيلة حاشد إلى معركة قاسية مع بعض وحدات الجيش المؤيدة له مما أعطى تأكيدا على محاولة القبيلة التمرد على الدولة، وأنّ الاحتجاجات الشعبية لم تكن سوى حشودا سياسية وقبلية لا تعبر عن حاجات الشعب الكاملة.

استمر الإخوان في سيطرتهم على الرئيس اليمني الجديد لدرجة إلزامه بعدم إرسال برقيات التهاني لحكام الدول التي يعادونها

وبمجرد قبوله بمبدأ الرحيل عن السلطة عبر الصندوق تعرضت شرعية الإخوان الثورية للاهتزاز والضغط المحلي والإقليمي بتغليب الاتفاق على ما عداه من تصرفات غير محسومة النتائج.

وتحول الإخوان رفقة حلفائهم من الاعتصام الطويل أمام بوابة جامعة صنعاء الجنوبية إلى التفكير جديا في تصفية صالح جسديا، بل تعدى الأمر ذلك إلى القيام بمجزرة مؤلمة لرجال النظام اليمني كافة، خرج منها الرئيس جريحا ومحترقا.

وهنا برز النائب عبد ربه منصور هادي كخليفة مؤقت لحين عودة علي عبدالله صالح من العلاج في المملكة العربية السعودية، معززا قدرته لدى القوى الخارجية بإدارته حربا ناجحة على تنظيم القاعدة في أبين وفك حصار الإرهابيين على معسكرات الجيش بقيادة اللواء محمد عبدالله الصوملي.

كان هادي حليفا خفيا للجنرال المنشق علي محسن الذي استهوته صدارة المشهد السياسي والثوري بتلاوة البيانات المتشددة. وحين عرف المعارضون أن إسقاط صالح لن يتم حسمه ثوريا أو جسديا بعد نجاته من التفجير الإرهابي في جامع النهدين الرئاسي، وجدوا في هادي ضالتهم باعتباره جسرا لعبورهــم إلــى السيــطرة أو الحكم من خــلاله.

يومها حزم “نائب صالح” أمره بدهاء فاق كل ألعاب ومخططات وسموم أفاعي صالح. ففي الوقت الذي اعتبره الفرقاء السياسيون موفقا لخلافاتهم، عمد إلى الاصرار على اعتباره مرشحا وحيدا، كشرط واضح في المبادرة الخليجية، يتم انتخابه من قبل الشعب.

الحوثيُّون والإخوان

خلال عام من الصراع بين الإخوان والنظام كان الحوثيون يستثمرون كل شيء بهدوء وينتشرون في كل محافظات اليمن بسرعة وقوة، فقد أدركوا أنهم الهدف التالي بعد صالح في حال سيطر الإخوان، وخصوصا الجنرال علي محسن، على مفاصل القيادة العسكرية تحت أي مسمى أو باستغلال ضعف الرئيس الجديد.

ولهذا رفضوا بنود المبادرة الخليجية وامتنعوا عن انتخاب هادي لمنصب الرئاسة. إلا أنهم عادوا للمشاركة في اللجنة الفنية للحوار الوطني ومن ثم كفريق أصيل في مؤتمر الحوار الشامل وباعتبارهم الممثلين الحصريين لقضية صعدة، إحدى قضايا الحوار التسع، كما كان لهم وزير حليف ومناصر لهم في حكومة الوفاق الوطني ما لبثوا أن سحبوه عبر والده بعد إتمام مهمته بإقناع الحكومة بتبني اعتذار مخجل لكلّ الحروب التي قام بها الجيش ضدّهم على مدى ست معارك ضارية.

ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى وزير الدفاع الحالي اللواء محمد ناصر أحمد الذي لم يجد غضاضة في التصويت لصالح قرار الاعتذار الحكومي، رغم أنه الوزير الذي قاد الحروب الست على أنصار الحوثي في صعدة.

أتاح الوجود السياسي الجديد لأنصار الله، وهو الغلاف السياسي لتنظيم الحوثيين المسلح، إلى انتشار فكرهم وتثبيت أقدامهم كفاعل مؤثر في مؤسسة الحوار الوطني حتى النهاية وفاجؤوا الجميع برفض التوقيع على نتائجه مما أتاح لهم التنصل عن واجباتهم واستحقاقاتهم الوطنية التي شملتها وثيقة الضمانات والمخرجات الصادرة عن مؤتمر الحوار.

وتصدّر الإخوان قيادة الحكومة اليمنية الجديدة عبر رئيس وزرائها المعروف بولائه للشيخ حميد الأحمر، وتعرضوا لفشل ذريع وحقيقي على المستويين الإداري والخدمي واستأثروا لأنفسهم بالمواقع الحساسة في جهاز الدولة، وأمعنوا في إقصاء شركائهم السياسيين داخل اللقاء المشترك، بل وشنّوا عليهم حملات إعلامية (جارحة) لمجرد الاختلاف معهم في وجهات النظر.

من ثمّة، توقف الإخوان بعد سيطرتهم على الحكومة عن تأجيج الشارع بالمسيرات الثورية، وبقي الحوثيون بصورة رمزية في ساحات الاعتصام الرئيسة داخل بعض المدن، واستمروا في تسيير مسيراتهم الصارخة صباح كل جمعة، فأصبحوا الورثة الشرعيين لما يمكن تسميته بـ”الثورة الشعبية الشبابية السلمية”، خصوصا وأنهم لم يوقعوا مطلقا على أيّة اتفاقات سياسية أو مبادرات أو نتائج للحوار، ولم يشاركوا أيضا في انتخاب الرئيس هادي.

أدان الحوثيين دوليا بممارسة العنف وتهييج المجتمع الدولي والإقليمي والخليجي ضدهم بعد أن استغل دمويتهم في تصفية خصومه

استمر الإخوان في سيطرتهم على الرئيس اليمني الجديد لدرجة إلزامه بعدم إرسال برقيات التهاني لحكام الدول التي يعادونها كجماعة سياسية باتت تحكم في عدد من البلدان العربية مثل مصر وليبيا وتونس.

وفي تلك المرحلة نأى أنصار الله بأنفسهم عن خوض أيّة معارك مسلحة مع الإخوان، واستثمروا الخطاب المعادي للرئيس السابق الذي تبناه إعلام رفاقهم الإخوانيين في كل شاردة وواردة، إلى أن انفجرت أولى معاركهم في محافظتي الجوف ومأرب، بالتزامن مع التحول العربي والخليجي المناهض لحكم جماعة الإخوان في مصر.

خشية هادي من خيانة الإخوان له، اتضحت في عدد من أعمال العنف التي مارسوها قصد الابتزاز الواضح، وكان أعنفها؛ حادثة العرضي التي راح ضحيتها العشرات من الأبرياء، فراح يقصي أقرباء صالح من كافة المواقع المهمة والحساسة في الدولة ويستبدلهم بأشخاص مقربين منه لتعزيز سيطرته الهادئة على مفاصل الدولة، دون أن تجد هذه التوليفة العائلية الجديدة للرئيس الجديد أي اعتراض من الإخوان مادامت تعمل على إقصاء أقارب صالح من الأمن والجيش والمخابرات.

تحَالف الرئيس الانتقالي مع الحوثيين بتسامحه وحياديته الرخوة إزاء هجوماتهم المستمرة على معاقل الإخوان وحلفائهم من السلفيين في دماج وصولا إلى كل المناطق المحيطة بالعاصمة صنعاء مثل أرحب وهمدان وبني مطر وحرف سفيان وأخيرا في عمران، بإسقاط آخر معقل لقوات الجيش الحر الذي انشق عن صالح، وبالتالي فإن ذلك ينهي تمنّع الجنرال علي محسن من إدخال قواته العسكرية الثورية ضمن إطار الهيكلة المؤسّسية للجيش لضمان إبقاءها تحت قيادته.

تلاحقت الأحداث والصراعات واستطاع هادي إقناع الإخوان بأن علي عبدالله صالح هو الداعم اللوجستي لخصومهم الحوثيين كي يبعد عن نفسه شبهة تحالفه معهم.

واستمر الإخوان في اتهام فزاعة صالح بكل التعملق الحوثي الذي يحققونه على الأرض، وذهب هادي نحو العصى الدولية بإستخدام كل ما أمكن لإخضاع المتمنعين عن سياساته المريبة في التعامل مع الثوابت الوطنية كالوحدة والجمهورية، فأرغم كل القوى السياسية على إقرار مبدأ الأقاليم والنظام الاتحادي، واستطاع توحيد الجنوب اليمني تحت قيادته عبر مليشيا الحراك الجنوبي المسلح.

مع اشتداد الصراعات المذهبية في الشمال الذي انقسم إلى أربعة أقاليم دون أن يجد هذا النحو من التوجه أيّة إدانة رافضة له ولمآلاته التشطيرية مستقبلاُ.

إنهاء التهديدات العسكرية

وبالنظر إلى الجنوب اليمني وصل عدد عناصر المليشيا غير النظامية التابعة للرئيس هادي، المعروفة بإسم اللجان الشعبية إلى 18 ألف شخص متمرسين في حروب العصابات والإرهاب، كما استطاع هادي سحب 11 لواء عسكريا إلى الجنوب، وابتدع حربا (وهمية) على تنظيم القاعدة الذي كان يسيطر على عدد من المدن الجنوبية، وتمّ طرده بإستخدام معدات وآليات الحرس الجمهوري السابق إلى مناطق شمالية مثل مأرب والبيضاء ورداع، مع الحرص على إبقاء تلك المعدات والآليات المتطورة التي لم يكن يستطع سحبها من قوات الاحتياط ومعسكر النهدين صاحب الترسانات التسليحية الجبارة إلاّ بابتداع حرب لم يُعرف موعد نهايتها مع عناصر تنظيم القاعدة.

ومن ثمّة، انفجرت الأوضاع المؤسفة في صنعاء في 11 يونيو الفائت بإحراق الإطارات وبدت ملامح تكون ثورة شعبية غاضبة لاستمرار انقطاع الوقود عن العاصمة، فاستغل هادي الفرصة لتأجيج الرأي العام الخارجي على صالح، فقرر نهب معدات قناة “اليمن اليوم” المملوكة لرئيسه السابق، ومحاصرة مسجده ومنع الصلاة فيه. وكالعادة انطلقت مطابخ الإخوان الإعلامية لممارسة تضلليها المعتاد وبث شائعاتها المكشوفة عن خفايا صراع هادي وصالح، وقد كان ذلك تضليلا رئاسيا لعناصر الإخوان بصرف أنظارهم عن قوة الحوثي المتعاظمة وهي تطحنهم ببعضهم ببأس لا يلين في كل المواقع المتصادمة.

وعقب معركة عمران يبدو الرئيس هادي سعيدا، فقد تمكن من ضرب عصفورين بحجر واحد. الأول: إدانة الحوثي دوليا بممارسة العنف وتهييج المجتمع الدولي والإقليمي والخليجي ضده، ومحاصرته محليا بإستنزاف وتشتيت جهوزية مليشياته وإكسابه آلاف الثّارات مع العائلات والقبائل التي يموت أفرادها بسبب حروبه على الإخوان.

عزز قدرته أثناء نيابته لصالح لدى القوى الخارجية بإدارته حربا ناجحة على تنظيم القاعدة في أبين وفك حصار الإرهابيين على معسكرات الجيش

والثاني: القضاء على آخر قوة عسكرية لم تكن ضمن سيطرته وكانت تهدد وجوده ونظامه كرئيس انتهت شرعيته ولم يعد لها ما يدعمها سوى سطوة الأمم المتحدة التي أدخلت اليمن تحت إطار البند السابع، في اليوم الذي انتهت فيه ولايته رسميا قبل خمسة أشهر من الآن، وآخرها قرارات إبعاد عدد من القادة العسكريين المتعاطفين مع الجنرال علي محسن، بما يضمن إنهاء أيّ تهديد عسكري يمكن أن يوجّهه الإخوان لهادي ردّا على تخاذله في نـُصرة اللواء حميد القشيبي.

عبدالله صالح آخر الضحايا

السؤال العميق والكبير هذه الأيام يدور حول نوايا هادي تجاه اليمن. البعض يعتقد أنه سيترك الشمال لأهله ويذهب بغنائمه إلى الجنوب فيحكمهم ويتخلص من تعقيدات صراعاتهم وثارات أفاعي صالح المميتة. وآخرون يرون أنه يتخبط في قراراته ما سيؤدي باليمن إلى الفشل والهلاك.

في اعتقادي أنه ضحك على الجميع بكل خطوة قادها نحو تدمير قوى الماضي التي حلمت أنها ستعود للحكم من بوابته أو بواسطته. وقد استطاع إنهاء وجود الشيخ الأحمر ونفوذه نهائيا في منطقته أو على المستويين الرسمي والشّعبي بإستخدام بطش الحوثيين للانتقام من أولاد الأحمر الذين مارسوا أبشع المعارك بحقهم في السابق إلى الدرجة التي أباحوا فيها دم كل من كان ينتمي للحوثيين قبل عام 2011.

كما تمكن هادي من ضرب كلّ قوة بأخرى والاستمرار في جعل نفسه المرجع المفترض لكل المتوجعين من الهزائم أو الذين تسعدهم انتصاراتهم كالحوثيين، وقد حاصرهم بدعم خارجي، مؤكدا أنّه يترتب عليه إلغاء تحالفه معهم خلال الفترة القادمة والبدء في ضربهم بذات القسوة التي واجههم بها الرئيس السابق إن استمرّوا في مغامراتهم القاتلة وزحفهم الذي يخرج عن حدود المعلوم والمرسوم.

يبدو أيضا أن هادي سيجعل رئيسه السابق، الرجل الأخير في قائمة ضحاياه الّذين ينهي وجودهم بيد خصومهم وليس بيده.. وهذا ما يفسر تبني مواقع إلكترونية مشبوهة التّحريض على قتل الرئيس صالح، وفي حال لم يتمّ ذلك سيكون على هادي التخلص من كلّ ما يشغله من جهة اللاعبين الثانويّين، والتفرغ لخوض معركته السياسية لوراثة حزب صالح وتركته الشعبية.

7