الدهشة الشعرية وجمالية التلقي في ديوان "رماد اليقين"

في دراسته النقدية لديوان “رماد اليقين” للشاعر المغربي، محمد بلمو، يؤكد الباحث مصطفى الشاوي، أن كل قراءة نقدية تتوخى الموضوعية، ملزمة بالإنصات إلى النص والانطلاق منه، ثم العودة إليه باعتباره قطبا مركزيا، لا يتحقق التفاعل المطلوب مع القارئ إلا به، مع العلم أن القارئ له ذخيرته المكتسبة، وتجربته الخاصة، حول نوعية الجنس الأدبي الذي ينضوي تحته النص المقــروء، فيعمد بعد القراءة إلى تعضيـد أفق انتظاره أو تعديله.
الاثنين 2015/08/17
الشاعر يراهن على القارئ في الكشف عن أسرار رماد اليقين

لا شك أن ديوان “رماد اليقين” للشاعر محمد بلمو يغني الرصيد المعرفي والشعري للقارئ، يتساءل الناقد مصطفى الشاوي، لأنه ديوان يأتي بعد الأول “صوت التراب” سنة 2000، وديوانه الثاني “حماقات السلمون”، المجموعة الشعرية التي أنجزت مشتركة مع الشاعر عبدالعاطي جميل سنة 2007.

أما “رماد اليقين” فهو من الأعمال الشعرية التي تستفز القارئ وتدهشه، فالجديد يخلق الدهشة دائما، والدهشة من منظور نظرية جمالية التلقي، صفة جمالية إذا ما امتلك النص نظاما داخليا يؤطره أي إذا كانت هذه الدهشة مبررة داخليا، لأنها تحفز القارئ على إثراء أفق توقعه القبلي، وفي الديوان المقروء مستويات متعددة للدهشة الجمالية سوف تحاول هذه المقاربة تحيين أهمها على مستويات فكرية وفنية وجمالية مختلفة.

بداية الدهشة

تنشأ دهشة القارئ بمجرد قراءته لعنوان المجموعة “رماد اليقين”، الذي يشكل مركبا إضافيا أضيف فيه المركب الاسمي الأول (رماد)، وهو خبر لمبتدأ محذوف للمركب الاسمي الثاني (اليقين). فإذا كان الرماد ما يتبقى من الشيء بعد احتراقه، مما يرمز إلى الموت والنهاية والعدم وكل ما هو سلبي، يتساءل الناقد الشاوي، فإن اليقين يدل على الثبوت والحقيقة والوجود وكل ما هو إيجابي، ويندهش القارئ للدلالة المباشرة المفارقة التي تنشأ عن الربط بين المركبين ورغبة في تحقيق الفهم يلجأ إلى البحث عن دلالة أخرى تحقق للعنوان انسجاما عن طريق التأويل، وأن الشاعر محمد بلمو، يراهن على القارئ في الكشف عن أسرار رماد اليقين، متسائلا في قصيدة تحمل نفس عنوان المجموعة وقد جعلها مسك الختام: “أمتيقن/ أن الذي يقرأ هذا الرماد/ سيمضي إلى أول الحريق؟”.

ومن جهتها لوحة الغلاف، للفنان محمد المنصوري الإدريسي، هي الأخرى تُدهش القارئ نظرا لطابعها التشكيلي التجريدي الذي يضمر الموضوع، ويراهن على تقنيات جديدة، فدلالات اللوحة غير محددة بشكل مباشر كما هو مع لوحات الفن الواقعي التي تكشف عن موضوعات تحيل عليها في الواقع الخارجي، يوضح الناقد، ويعلق: “على الرغم من أن لوحة غلاف الديوان على خلاف ذلك، فإنها تثير إعجاب القارئ لتقاطع أبعادها، وتناسق ألوانها، وانسجام عناصرها، وجمالية محتوياتها”.

الدهشة من منظور نظرية جمالية التلقي صفة جمالية إذا ما امتلك النص نظاما داخليا يؤطره

ويعلن الباحث مصطفى الشاوي، أنه يمكن للقارئ في سياق البحث عن تحقيق فهم أوّلي للوحة الغلاف، أن يتبين العلاقة بينها وبين عنوان المجموعة فيلاحظ حضور اللون الرمادي الذي يحيل إلى الرماد واللون الأحمر المفتوح، الذي يؤشر على النار.

كما تتفاعل داخل اللوحة ألوان متعددة كالأبيض والأزرق والأصفر والأسود والأخضر والبني والبرتقالي، لتحدث تشكيلا متداخلة ألوانه تتخللها خطوط نصف دائرية، ومنعرجات ملتوية، تعكس في أبعادها شبه رسومات لكائنات ووسائل وفضاءات غير مكتملة الهوية، كما تتخلل اللوحة شبه عيون لأشكال حيوانية ترمز إلى الرؤيا والحقيقة واليقين في صراع مع الرماد الذي يؤشر عليه اللهيب الأحمر في الجزء العلوي من اللوحة.. وفي كل ذلك، يراهن الشاعر محمد بلمو على القارئ في الكشف عن أسرار رماد اليقين، التي تسكن جميع عتباته.

سواد الكتابة

في الدراسة النقدية التي تقدم بها الباحث مصطفى الشاوي إلى فعاليات اليوم العالمي للكتاب بالخزانة الوسائطية بمدينة مكناس الواقعة في الوسط الشرقي المغربي، يحصي ناقدنا قصائد ديوان (رماد اليقين) في عشرة نصوص شعرية، هي على التوالي: “غياب”، “سيشْمَتُ الزرنيج في الوردْ”، “لو بمقدوري”، “حلمْ”، “هل أنا الريح أيها المداد”، “لا موطئ قلم.. لي”، “ورشات مرتبكة ضد.. الموت”، “تعريفات بدائية جدا”، “هل يحدث أنْ”، “رماد اليقين”.

فالشاعر يعمد إلى التصرف بحرية في توزيع سواد الكتابة على بياض الصفحة فتجنح جل النصوص الشعرية نحو اليمين فتطول وتقصر غالبا، وقلما تشرد الكلمات عن اليمين وتنزاح إلى الوسط كلمة كلمة، لتؤشر على مدلولها كما في آخر نص “غياب”؛ حيث يوزع الجملة الشعرية على خمسة أسطر: لكنه/ غاب/ بلا هوادة/ في كتاب/ الحزن.

ديوان يستفز القارئ ويدهشه

كما يندهش القارئ لبنية النصوص من حيث تعدد أشكالها وخاصة النصوص الشذرية القصيرة جدا وغالبا ما يقحمها الشاعر تحت عنوان مركزي يكون بمثابة الأصل الذي تتفرع عنه الشذرات، ومثال ذلك في الديوان نص “ورشات مرتبكة… ضد الموت” الذي ينبني على ثمانية مقاطع شعرية، هي “خياطة، لم تدر، عدد، عشق، شهيد، غربة، شجرة، أسئلة غابة، لكَ، أنتِ”.

أما نص “تعريفات بدائية جدا”، يحلل الناقد، فتندرج تحته ثلاث وأربعون شذرة بدورها مختلفة الطول والقصر وتأتي عناوينها على الشكل التالي: “الحمام، القطيعة، الشعر، السياسة، الظلم، اليأس، السعادة، المرأة، التاريخ، الرجل، التطبيع، الجلباب، القناع، الإنترنت، الزهرة، الفوضى، النجوم، الحب، العدل، الأرض، الكتاب، اليسار، الحزب، الجريدة، الجاران، الشجرة، الحلم، القلم، الجنس، الحصار، القهوة، الإنسان، المثقف، العامل، الكرسي، المقاومة، الحكمة، الشمس، القمر، السجن، الصبا، الحقيقة، الصحراء.

في نصوص شعرية أخرى من ديوان “رماد اليقين”، يسترسل الناقد الشاوي، يعمد الشاعر محمد بلمو إلى التأشير على المقاطع بفراغات البياض الصامت البليغ، الذي يقرأ في ظل ما هو مذكور من ذلك النص الشعري الجميل “هل أنا الريح أيها المداد”، حيث تتقلص بنية المقاطع لتشكل شذرات شعرية قد لا تتجاوز بضع كلمات موزعة على أسطر قليلة، يقول مثلا في شذرة تحت عنوان “عدد”، من قصيدة “ورشات مرتبكة… ضد الموت” السابقة الذكر : مرتان بكيتْ / حين ولدتْ / ويوم أحببتْ.

فبالإضافة إلى المؤشرات السالفة الذكر: العنونة، والبياض، والتشذير، هناك مؤشر مركزي يلاحظه القارئ في أغلب النصوص الشعرية في الديوان وهو التكرار كمؤشر خطابي الذي غالبا ما يأتي بنبرة استفهامية حيث تتكرر جمل تؤشر على بداية المقاطع والشذرات في كثير من النصوص الشعرية في الديوان من هذه المتواليات ما تُوج عنوانا للقصائد التي وردت فيها، من أمثلة ذلك النص الشعري “رماد اليقين”، الذي يتكرر فيه المؤشر الخطابي الاستفهامي “أمتيقن” ليشعر القارئ ببداية المقاطع الإحدى عشر، وكذلك النص الشعري المعنون بعبارة “هل يحدث أن”، التي تتكرر سبع مرات أي مع بداية كل مقطع بنبرتها الخطابية الاستفهامية وبأبعادها الفلسفية.

نفس الشيء يسري على نص “لو بمقدوري”، حيث تتكرر عبارة العنوان في بداية كل مقطع من المقاطع السبعة، أما نص “ورشات مرتبكة.. ضد الموت” فينبني على تسعة مقاطع تتصدر بعناوين فرعية لمقاطع شعرية شذرية تخضع بدورها إلى تشذير أدق، وقد تحضر جل هذه المؤشرات مجتمعة في نص شعري واحد كما يلحظ القارئ ذلك في “هل أنا الريح أيها المداد” الذي يتوزع إلى عشرين مقطعا شعريا.

15