الدواء المهرب وصفة طبية لإنقاذ المرضى في سوريا

مصانع الأدوية السورية ضحية رغبة الصيادلة في تحقيق هامش ربح أكبر وعدم ثقة الأطباء في المنتوج المحلي، لا سيما في معالجة الأمراض المزمنة، مما وفر مناخا خصبا لوصول الأدوية المهربة إلى المواطنين ونشط سوق الاستيراد.
الاثنين 2017/11/27
المرضى ضحايا شجع الصيادلة

تُعدّ الصناعة الدوائية السورية من الصناعات الهامة والداعمة للاقتصاد الوطني، من ناحية التصدير وتوفير فرص العمل لعشرات الآلاف من المواطنين، وعادة ما تكون المواد الفعّالة للدواء مستوردة من الصين أو الهند، بالإضافة إلى وجود الكثير من الأدوية التي يتم تصنيعها في سوريا على أساس الامتياز، وهذا يعني أنّ المادة الأولية تأتي من المعمل الأم، بمعنى آخر، إنه لا وجود لما يُسمى دواء سوري بمعنى الكلمة، بل هي مجرد مواد خام يتم استيرادها من شركات أجنبية، وتتم تعبئتها وتغليفها في القطر على أنَّها أدوية وطنية، ومعظمها جيد وفعّال.

ويعقد بعض الأطباء صفقات مع الصيادلة بهدف كتابة الدواء المهرّب أو الأجنبي المعبأ في سوريا بامتياز من الشركة الأجنبية، وسعره غالي الثمن على الرغم من أن فاعليته لا تختلف عن المنتج المحلي، وحتى لو كتب الطبيب دواء “وطني” يقوم الصيدلاني بتبديله بآخر أجنبي لأن هامش الربح فيه أكثر، ومثال ذلك الأدوية السرطانية، التي مازالت الدولة تستوردها، على الرغم من سعي الحكومة للعمل على تصنيعها محليا، ‏إلى جانب اللقاحات ومشتقات الدم التي تتطلب تقنيات عالية، وتصدّر لأكثر من 56 دولة عربية وأجنبية.

ويقارب عدد معامل الأدوية 63 مصنعا تنتج أكثر من 6500 صنف دوائي، وتأتي سوريا بالمرتبة الثانية بعد مصر في تغطية حاجة السوق المحلية، إلا أن الذي أساء للدواء السوري، الحسومات لبعض الصيادلة، بالإضافة إلى مروّجي الدواء على شكل عروض تجارية، ويسمّونها “بونص” أي مكافأة على المبيع، للتشجيع على استجرار أكبر كمية من الدواء، وتصل العروض أحيانا إلى ضعف الكمية المعطاة من الدواء، وهذا ما يثير الريبة في المادة الفعّالة فيه.

أكثر الصيدليات العاملة في الوقت الحالي تحوّلت إلى مجرد محال تجارية لا أكثر تروج للدواء المهرّب

وهناك عروض أخرى تُسمّى عروضا على الصافي، أي أن الحَسم يكون على السعر مباشرة، على الرغم من أن التعاميم الكثيرة من قبل مديرية الرقابة الدوائية في وزارة الصحة تؤكد على منع البونص ومعاقبة أي معمل دوائي يخالف بتخفيض سعر الصنف المروّج بعيدا عن إعلامها بذلك.

وتعود زيادة إقبال السوريين على الأدوية المهرّبة إلى عدد من الأطباء الذين لا يثقون بفعالية الدواء الوطني أو بسبب غياب الرديف من الدواء الوطني، الأمر الذي يجعل الطبيب يوجّه أنظاره أولا نحو الدواء المهرّب، وأدوية مرضى القلب، والسرطانات، والأمراض العصبية، وغيرها من الأمراض التي تستلزم صناعة دوائية لا تحتمل الخطأ والتلاعب في إنتاجها.

وتشهد السوق ظاهرة انتشار الأدوية المزوّرة تحت مسمّى الأدوية الأجنبية، والترويج لها من قبل أطباء وصيادلة لجني ربح كبير، ليقع المواطن في نهاية الأمر ضحية بعض الشراكات بين الصيدلي والطبيب، وكثيرا ما يلاحظ أن الصيدليات التي تلجأ إلى بيع الأدوية المزوّرة تتخذ أماكن مخصّصة تعتمدُ على التصريف السريع خاصة، كقربها من المشافي، أو في المناطق الراقية، حيث يزداد الطلب على الأدوية الأجنبية.

وباتت الأدوية المزوّرة أو المهرّبة تُباع في الصيدليات بشكل علني، وقد تصل الأرباح من 100 إلى 200 بالمئة، وهو ما جعل الصيدلي يعمل على تسويق هذه المستحضرات.

وتقدّر نسبة الأدوية المقلّدة في العالم، حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية، ما بين 10 و50 بالمئة، كما تقّدر في الوطن العربي بين 10 و15 بالمئة.

بعض الأطباء يعقدون صفقات مع الصيادلة

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أجرت مؤخرا دراسة على الأدوية المهرّبة التي تُباع على الأراضي السورية، فتبين بموجب التحاليل المخبرية أن 59 بالمئة منها خالية من المادة الفعّالة، وأنَّ 17 بالمئة من تلك الأدوية تنقصها المادة الفعّالة، وأنَّ 7 بالمئة منها تحتوي على 50 بالمئة فقط من المادة الفعّالة، في حين أن 16 بالمئة من هذه الأدوية تشتمل على مواد فعّالة مغايرة.

وهناك بعض الأدوية تصل إلى القطر عبر سائقي الشاحنات التي تسافر من وإلى العراق في إطار التبادل التجاري، فعندما يعودون من العراق يحملون معهم هذه المادة الدوائية في شاحناتهم سواء في تابلوه السيارة، أو في مستودعها القريب من المحرّك، أو العادم، أو في الدواليب الاحتياطية، وهذه الأماكن تتجاوز فيها درجة الحرارة 30 درجة مئوية مما يعرضها للتلف وتصبح عديمة الفعالية.

وتحوّلت أكثر الصيدليات العاملة في الوقت الحالي إلى مجرد محال تجارية لا أكثر تروج للدواء المهرّب، حيث أخذت تثير الكثير من حالات القلق والاستغراب من قبل المواطن.

وأتيح للكثيرين من غير المؤهلين دراسيا فرص العمل في هذه الصيدليات، مع تزايد أعداد الصيدليات، بالإضافة إلى تزايد أعداد المهرّبين لهذه الأدوية، مستخدمين سياراتهم الحديثة القادمة من خارج المحافظة، التي تقوم بتوزيع جديد للأدوية النظامية دون موافقة وزارة الصحة، وأدوية غير نظامية مهرّبة، إلى جانب بيع مستحضرات تجميل مجهولة المصدر بالإضافة إلى الأدوية الممنوعة، ودون تقيّد بالوصفة الطبية.

وأثار الغياب المتكرّر لبعض الصيادلة عن صيدلياتهم وتركها مفتوحة على مصراعيها أمام عامل أو أكثر فيها، من المعنيين بصرف الوصفة الطبية، الكثير من التساؤلات، وهذا الإجراء مخالف لأحكام قانون مزاولة المهن الطبية المعمول به.

ويلجأ البعض من الصيادلة إلى تأجير شهادته إلى بعض التجّار أو العاطلين عن العمل فيتم فتح الصيدلية وبيع الدواء بالوكالة، وقسم من أولئك لا يعرفون من الدواء إلا الربح، وبيع أكبر كمية منه خلال أقصر فترة.

20