الدواعش محور مواجهة بين تركيا وأوروبا

يدرك أردوغان أن الخصومة مع أوروبا ستزيد من أزماته الداخلية التي تهدّد مستقبله ومستقبل حزبه السياسي.
الثلاثاء 2019/11/12
مصير مجهول

بدأت تركيا إعادة دواعش الغرب إلى دولهم. اختارت بعناية أميركيّاً وألمانيّا ودنماركيّاً. وأعلنت عن دفعة من سبعة دواعش ألمان وأحد عشر فرنسياً سيتم ترحيلهم بعد أيام. للأرقام والجنسيات دلالتها هنا، فالداعشي الأميركي ليقول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن ما يقوم به لا يستهدف دولاً بحدّ ذاتها، وغلبة الفرنسيين والألمان تردّ على تشدّد برلين وباريس في رفض العدوان التركي على شمال سوريا، في مقابل موقف أقل تشدّداً لدول أوروبية أخرى على رأسها بريطانيا.

لا تشكل إعادة الدواعش الأوروبيين إلى دولهم هاجساً مرعبا للقارة العجوز كما يظن البعض. صحيح أن دول القارة لا تفضل عودتهم وستحاول منعها عبر التسوية مع تركيا. ولكن إذا وصل الأمر إلى طريق مسدود مع أردوغان فسيتدبر الأوروبيون أمرهم. لا توجد وصفة واحدة مناسبة لجميع الدول الأوروبية في هذا، ولكن التعامل مع هذه المشكلة سيكون أسهل بكثير من التعامل مع مئات آلاف اللّاجئين الجدد، الذين يمكن أن تحملهم أمواج البحر من تركيا.

من بين الوصفات المتاحة للتعامل مع التهديد التركي بدواعش أوروبا، دعم مشروع المنطقة الآمنة، الذي تخطط له أنقرة في الشمال السوري. هكذا فعلت المجر وهكذا يمكن أن تفعل دول أخرى في الاتحاد الأوروبي. هناك أيضا صرف المزيد من المال والمساعدات للّاجئين السوريين في تركيا، من أجل شراء صمت الرئيس أردوغان وتأجيله ترحيل الدواعش الأوروبيين. من يدري، ربّما إذا كان العطاء كبيرا يمكن لأردوغان إعدام هؤلاء الدواعش.

الدواعش الأوربيون ليسوا سوى مادة للابتزاز من قبل أردوغان، سبقه إليها وشجّعه عليها ترامب. الأوروبيون هم من أتاحوا الفرصة لابتزازهم من قبل الاثنين، لأنهم تجاهلوا التزاماتهم إزاء دواعشهم سواء بالعقاب أو بالسجن أو حتى إبرام الاتفاقيات اللازمة لضمان محاكمتهم في سوريا أو العراق أو تركيا. ما فعلته الدول الأوروبية هو أنها تسابقت إلى إسقاط الجنسية عن دواعشها، سعياً وراء فرض أمر واقع على دول المنطقة بسجن أو قتل هؤلاء الدواعش.

لم يفلح الأوربيون في استصدار قرار أممي يدين العدوان التركي على الشمال السوري، ولم يفلحوا أيضاً في إقرار عقوبات قاسية على أنقرة للغرض ذاته

دعوة الفرنسيين والبريطانيين والألمان لأردوغان إلى قمّة تناقش عدوانه على سوريا، تعني قبولاً مبدئياً بإبرام التسوية معه. القمة ستعقد على هامش اجتماعات حلف شمال الأطلسي في لندن مطلع الشهر المقبل، وقد بات لدى الأوروبيين خبرة كافية في التعامل مع الرئيس التركي ونزقه وابتزازه، الذي ألفوه منذ عام 2016 عندما أبرموا معه اتفاقية لضبط تدفق اللاجئين إليهم مقابل حفنة من مليارات الدولارات، ظن أردوغان أنها ستنعش اقتصاده المتعب.

حتى موعد تلك القمة المرتقبة، لن يفعل أردوغان إلا ما يزيد من فرص نجاحها. بمعنى أنه لن يتوقف عن التهديد، ولكنه لن ينفذ من تهديداته إلا جزءاً يسيراً يقنع الرأي العام الغربي بأنه جاد في ما ينوي القيام به. ليس هذا فقط وإنما سيأتي أردوغان إلى القمة بسقف توقعات منخفض إزاء ملف الدواعش تحديدا، لأن البريطانيين والألمان وغيرهم قرّروا مسبقا إعادة نساء وأطفال الدواعش من مواطنيهم، وحصروا المفاوضات مع تركيا في الإرهابيين الرجال.

القمة التركية الأوروبية ستبحث ملف الدواعش تحت عنوان عريض اسمه المنطقة الآمنة شمال سوريا. هذا العنوان يتضمن التعامل مع اللاجئين ومشاريع إعادة الإعمار والعلاقة مع الروس ونظام دمشق وإيران، ليكون آخر الملفات هو التعامل مع الدواعش الأوروبيين. وما تتفق عليه لندن وبرلين وباريس مع أنقرة في هذا الملف تحديدا، سينطبق على دواعش دول الاتحاد الأوروبي القابعين في سجون قوات سوريا الديمقراطية في الجزيرة السورية.

ثمة مصلحة أوروبية في إقامة منطقة آمنة يعود إليها اللاجئون في الشمال السوري. ولكن الأوروبيين يريدون أن يعرفوا كيف يمكن إنجاز هذا الأمر بما يضمن توقف ابتزاز أردوغان لهم، وتوقفه عن استغلال اللاجئين. ثمة حالة من اللاثقة تراكمت بين أنقرة وبروكسل خلال السنوات الخمس الماضية، وقد تصاعد التوتر بين الطرفين حتى وضعت العلاقة بينهما على المحك مرات عدة. ولكن التسوية السلمية للخلافات ستبقى هي الخيار الأفضل لكليهما في ظل التحالفات الاستراتيجية الراهنة في العالم.

المقرّر الجديد لتركيا في البرلمان الأوروبي ناتشو سانشيز آمور، يقول إن تركيا دولة مهمة جداً للاتحاد الأوروبي والمرحلة المقبلة ستكون لإعادة الثقة بين بروكسل وأنقرة. لم يقل المقرّر كيف سيتم ذلك، ولكنه حتما لا يعني الاستمرار في تلبية رغبات أردوغان دون شروط أو مقابل. كما لا يعني الاستمرار في خصومة جوفاء تنتظر فيها دول الاتحاد الأوروبي من أردوغان أن يستيقظ يوماً كقديس يرفض استغلال اللاجئين السوريين وابتزاز العالم بأزماتهم الإنسانية والسياسية.

من بين الوصفات المتاحة للتعامل مع التهديد التركي بدواعش أوروبا، دعم مشروع المنطقة الآمنة، الذي تخطط له أنقرة في الشمال السوري

لم يفلح الأوربيون في استصدار قرار أممي يدين العدوان التركي على الشمال السوري، ولم يفلحوا أيضاً في إقرار عقوبات قاسية على أنقرة للغرض ذاته. على الضفة المقابلة، تدرك أنقرة أنها من دون الأوروبيين لن تستطيع إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا. لن تدفع واشنطن أموالًا من أجل إعادة الإعمار في تلك المنطقة، ولا تمتلك تركيا القدرات المالية اللازمة لذلك. بالتالي بات من الأفضل للأوروبيين والأتراك البحث عن تسوية للخلافات التي نشأت بينهما مؤخرا. تسوية تكون على غرار تلك التي أبرمها الطرفان بشأن اللاجئين السوريين قبل عدة سنوات.

هناك من يتمنى العداء بين أنقرة وبروكسل، وبخاصة كرد الشمال السوري الذين يطالبون الأوروبيين بالحزم مع تركيا إن كانوا يريدون تجنب عودة دواعشهم إليهم، كما جاء على لسان إلهام أحمد الرئيسة المشتركة للجنة التنفيذية لما يسمى بمجلس سوريا الديمقراطية. بعيدا عن هذه الأمنيات يصعب توقع مواجهة بين بروكسل وأنقرة رغم أن الخصومة بينهما ازدادت كثيرا مؤخرا.

لا يمكن للأوروبيين تجاهل حقيقة أن تركيا تمثل الحدود الجنوبية لحلف الناتو، وأن ما تفعله في شمال سوريا يتم بموافقة الرئيس دونالد ترامب. كذلك يدرك أردوغان أن الخصومة مع أوروبا ستزيد من أزماته الداخلية التي تهدد مستقبله ومستقبل حزبه السياسي.

9