"الدوة" تدفئ شتاء الكويتيين على نار الذكريات

رغم تطور وسائل التدفئة وتعددها اليوم لا تزال بعض العائلات الكويتية تجتمع على مدفأة تقليدية تسمى “الدوة” يتسامرون حولها في ليالي الشتاء الباردة، لاسترجاع ذكريات الماضي الجميلة على ضوء الجمر الأحمر الذي يتلألأ لتدفئة البيت وإعداد الشاي والقهوة.
الثلاثاء 2017/02/07
"الدوة" وسيلة تقليدية للتدفئة والضيافة أيضا

الكويت - يجلس المواطن الكويتي هاني المسلم (48 سنة) حول مدفأته متذكرا الأيام الماضية قبل ظهور النفط والنهضة الاقتصادية والعمرانية الشاملة في الكويت.

ولا تزال “دوة” الفحم تقف صامدة أمام التقدم الحضاري والتكنولوجي وتفرض وجودها متربعة في وسط بيوت العديد من الكويتيين لا سيما في فصل الشتاء.

ورغم ما تشهده البلاد هذه الأيام من وسائل تدفئة حديثة، لم تكن موجودة في السابق، ومنازل فخمة، يظل الطقس البارد في هذا الوقت من العام هو الثابت في ذاكرة الكويتيين، فغالبا ما يتذكر معظم الكويتيين خاصة من كبار السن كيف كانوا يواجهون هذه الفترة الصعبة رغم قلة الوسائل المتاحة والمنازل المتواضعة والخيام المتنقلة، ناقلين عبر حكاياتهم وذكرياتهم تلك الصور الرائعة والجميلة رغم قسوتها إلى الأجيال الجديدة.

وتعتبر الدوة أو “المنقلة” أو “المدفأة” من أبرز الوسائل القديمة للتدفئة في الماضي بالكويت، حيث يلتف جميع أفراد العائلة حولها خصوصا في مثل هذه الأوقات من كل عام والتي تتسم ببرودة قاسية خاصة في المناطق الصحراوية، وهي بمثابة المدفأة في الوقت الحاضر.

كما تستخدم الدوة لتحضير الشاي وتوجد منها أنواع متعددة وتختلف أسعارها بحسب النوع والخامات المصنوعة منها.

وكانت تصنع “الدوة” قديما من الحديد وتبطن بالطين ويوضع بها رمل أو أسمنت وتملأ بالفحم، أما في العصر الحديث فشهدت صناعة “الدوة” تقدما ملحوظا وأصبحت هناك أشكال فخمة مصنوعة من النحاس ولكن أثمانها مرتفعة.

ويقول هاني المسلم إن “الدوة عبارة عن مربع مصنوع من الصفيح أو الحديد توضع فيه رمال أو جمر أو فحم، وتستخدم في التدفئة. كما أنها تستخدم في إعداد الشاي والقهوة والمشروبات الساخنة التي تقدم للضيوف في الطقس البارد”.

ومع توفر الكهرباء تطورت “الدوة” وأصبحت تأخذ أشكالا متنوعة لعل أبرزها “الكشخة” والتي تصنع من النحاس مع الاستغناء عن الفحم أو الرمل، حيث يتم توصيلها بالكهرباء مباشرة مثل السخان.

لم يعد يستخدم "الدوة" سوى 10 في المئة من الكويتيين خاصة مع انتشار وسائل التدفئة العصرية

ويضيف المسلم “الدوة الحديثة أو ‘الكشخة’ من الممكن صناعة الطعام عليها مثل البطاطا والكستنة والذرة، بالإضافة إلى الشاي والقهوة والحليب".

أما عن أسعار الدوة فتتراوح ما بين 25 و30 دينارا كويتيا للدوة العادية أما الدوة “الكشخة” فيتراوح سعرها ما بين 100 دينار و150 دينارا كويتيا، مع كامل مستلزماتها، مثل المنقاش الذي يتم به التقاط الفحم، بالإضافة إلى الحديد الذي يوضع فوق الفحم وبعد ذلك يتم وضع غوري الشاي أو دالة القهوة العربية. ويضيف المسلم أن الكويتيين يستخدمون “كاسات” أو أكوابا معينة لشرب الشاي وأخرى مختلفة للقهوة العربية مع “الدوة”، كما أن بعض الأكواب معدة للاستعمال اليومي، فيما تخصص أنواع

فاخرة من الـ”كاسات” للضيوف، وتختلف أسعار هذه الكاسات أو الأكواب حسب نوعها، فقد يصل سعر الكأس الواحد إلى 100 دينار.

وقال صالح المسباح الباحث في شؤون التراث الكويتي وأمين عام رابطة الأدباء السابق، “نظرا إلى عدم وجود الكهرباء في الخمسينات من القرن العشرين كان الكويتيون يستخدمون ‘الدوة’ القائمة على الفحم ولكن بالطبع كانت لها أضرار بسبب الانبعاثات التي تخرج من الفحم؛ فالبيوت قديما كانت أبوابها ونوافذها مفتوحة فكانت أضرار الفحم أقل من الآن داخل البيوت المغلقة".

وأضاف المسباح أن “الناس كانوا يحتاجون إلى شيء يقيهم البرد، خاصة مع هطول الأمطار، فالدوة كانت تشعرهم بالدفء”، موضحا أن “الكويتيين كانوا يفضلون الدوة الدائرية حتى يمكن لأفراد العائلة الالتفاف حولها، وتبادل الأحاديث العائلية، حيث لم يكن هناك وقتها ما يشغل أفراد الأسرة الواحدة عن بعضهم البعض داخل المنزل الصغير أو الخيمة".

وأشار المسباح إلى أن سوق “التناكة الواقع في المباركية ويسمى حاليا بسوق الغربللي، كان يصنع فيه الصفيح والحديد المستخدم في عمل ‘الدوة’، كما كانت تصنع جميع لوازم الدوة مثل الإبريق وغوري الشاي ودالة القهوة العربية".

وتفنن صانعو الدوة في أشكالها وألوانها، فكان منها المستطيل والمربع والدائري حسب رغبة الزبائن، كما كانت كلمة الدوة تطرح في بعض المسابقات، مثلا ما هو جمع كلمة الدوة؟ ففي اللهجة الكويتية جمعها “الدوات” أو “الدويو".

طقوس واكسسوارات لازمة لاتمام الجلسة العائلية حول "الدوة"

وكانت الدوة الفاخرة المصنوعة من النحاس تستورد من عدة بلدان أبرزها إيران والهند، أما أفضل أنواع الفحم فكان يأتي من كراتشي في باكستان. وبلهجة كويتية قال المسباح “البر ما يحلى إلا بوجود الدوة… فهي تعطي شعورا بـ’الوناسة’، ولكن استعمال الدوة بدأ ينخفض لدى الكويتيين، حيث لم يتعد مستخدموها الآن 10 في المائة خاصة مع وجود المدفأة التي حلت محلها، ولكن مع عادة الكويتيين بالخروج إلى الصحراء مع اصطحاب خيامهم ومستلزماتهم لا تزال ‘الدوة’ تحافظ على وجودها إلى اليوم".

ويتجه الكويتيون آخر أيام الأسبوع وفي أيام العطل المدرسية إلى المناطق الصحراوية للابتعاد عن ضجيج المدينة، حيث تنتشر المئات من الخيام في الهواء الطلق وتصبح أشبه بأحياء سكنية.

ويستخدم الكويتيون العديد من وسائل التدفئة التقليدية والحديثة، كما تنتشر في أماكن التخييم متاجر لبيع الفحم والغذاء.

ويقول المسباح إن “وسائل الإعلام أثارت الانتباه حول استخدام الدوة خاصة في البيوت المغلقة والتي توجد بها عوازل حرارية نظرا إلى خطورة ثاني أكسيد الكربون المنبعث من الفحم، لذلك أصبح استخدامها قاصرا على الأماكن المفتوحة داخل المنازل مثل حوش المنزل أو عند الخروج إلى الصحراء”.

وتوضع الآن “الدوة” كنوع من أنواع التراث الكويتي القديم في البيوت القديمة أو المتاحف، حتى يطلع عليها الجيل الجديد الذي لم يعاصر هذه الأيام تراث آبائه وأجداده.

وخلال موسم التخييم الذي يمتد بين شهري نوفمبر ومارس، تكون الحرارة نهارا في حدود العشرين درجة، وتنخفض ليلا إلى ما دون الصفر.

وتضم المخيمات وسط المناطق الصحراوية الكويتية كل وسائل الراحة الممكنة كما تحظى هذه المخيمات أيضا بالمياه الجارية، تضخ من خزانات كبيرة، وحمامات مع دش، ومطابخ ببرادات وأفران تعمل بالغاز أو الفحم بالإضافة إلى أسرة حديثة.

تفنن في صناعة الدوة

وتقام مخيمات كبيرة في منطقة الجليعة، البعيدة عن مدينة الكويت سبعين كليومترا إلى الجنوب، على مقربة من الحدود مع السعودية.

وتنتشر على جانبي الطريق الصغير الموصل إلى هذه المنطقة، مئات الخيام يمينا وشمالا، وبينها مركز للشرطة وعيادة صغيرة وفرقة انقاذ.

في موسم التخييم، يقصد الجليعة والمخيمات المماثلة التي تقارب العشرين، عشرات الآلاف من الكويتيين، وأيضا من الأجانب المقيمين في هذا البلد.

ولكل مخيم وتيرة خاصة للحياة فيه، حيث يعتاد الرجال في أحد المخيمات في الجليعة على الذهاب إلى العمل صباحا في المدينة، ويعودون في المساء، وتلتحق بهم عائلاتهم إلى الصحراء في عطلة نهاية الأسبوع، أو في أيام الإجازات الطويلة.

ورغم تراجع الطلب على المدفأة التقليدية الدوة لا يزال الكويتيون يتوجهون إلى سوق “الصفافير” الواقع في منطقة شرق بمحافظة العاصمة بحثا عن دوة مناسبة لمنازلهم مع بداية فصل الشتاء من كل عام. وكان سوق “الصفافير” يشكل قديما قبلة ومقصدا لاقتناء الأواني المصنوعة من النحاس أو الفخار أو الألمنيوم وكذلك الحديد والزجاج، فضلا عن الأواني المستوردة من الخارج.

وتميز السوق الذي جاءت تسميته نسبة إلى “تصفير النحاس” أي تلميعه ببيع وصناعة العديد من الأواني النحاسية والأباريق والصواني والصناديق متعددة الألوان والأغراض والدوة المصنوعة من المعادن.

وحتى مع اكتشاف النفط في الستينات من القرن العشرين، كان الكثير من الكويتيين يعيشون حياة البداوة، قبل أن تجعل الثروة النفطية من مواطني هذا البلد أصحاب واحد من أعلى المداخيل في العالم، لكن البداوة والعيش على طريقة الأجداد ظلا تقليدا يحب البعض أن يحافظ عليه.

20