الدوحة تستثمر في عداء اليسار الأميركي للرئيس ترامب

من خلال تكرار القضايا التي تهمّ اليسار السياسي، تمكنت وسائل الإعلام القطرية ووكلاء التأثير من حشد تعاطف منابر إعلامية أميركية ذات الميول الحزبية المتطرّفة.
السبت 2019/08/24
نيويورك تايمز تتصدر وسائل الإعلام الأميركية التي استهدفت برويدي

سلطت الباحثة الأميركية ارييل دافيسون، في تحقيق نشرته مجلة “الفيديراليست”، الضوء على قضية رجل الأعمال الأميركي إليوت برويدي التي رفعها ضد محاولات الدوحة تشوه سمعته من خلال منابر إعلام أميركية، والتي كشفت مخاطر الصحافة ذات الميول الحزبية والتي تجعلها تحيّزاتها عرضة للتأثر بالأطراف والمانحين الأجانب.

واشنطن- يعتبر تحالف قطر واليسار الأميركي أمرا غريبا. لكن، وكما كتب المحلل السياسي الأميركي ديفيد ريبوي في “الفيديراليست”، حققت إستراتيجية قطر للتقرّب من اليسار الأميركي عددا من المزايا المهمة للإمارة، حيث أصبح أعداء قطر أعداء اليسار، وبالتالي أعداء الإعلام.

وكتب ريبوي قائلا “في التواصل بين الطرفين الذي خلف عواقب إستراتيجية، كانت الإمارة الخليجية الصغيرة تتحدث لغة اليسار ببراعة. وتمكّنت من جذب الصحافيين الحزبيين عبر تكييف الدعاية والرسائل الهادفة للتأثير على جمهور متقبل. ومن خلال تكرار القضايا التي تهمّ اليسار السياسي، مثل الإسلاموفوبيا ومعاداة أسس نظام الرأسمالي وتفوق البيض وغيرها من الأمور، تمكنت وسائل الإعلام القطرية وجماعات الضغط ووكلاء التأثير من حشد تعاطف هذا المجتمع القوي الذي يتمتع بمنصات عملاقة”.

ويتوضح ذلك بشكل جليّ في قضية إليوت برويدي، التي تصفها ارييل دافيسون، في تحقيق نشرته “الفيديراليست”، بأنها تحذير واضح من قدرة وسائل الإعلام ذات الميول الحزبية المتطرّفة على التأثر بالناشطين الأجانب لمهاجمة الرئيس وإسكات المواطن الأميركي الذي تراه مصدر إزعاج.

معارض لقطر

ظهرت قضية إليوت برويدي، المعروف بأنه ناقد صريح لدولة قطر ومتشدد في ما يتعلق بتهم صلاتها بالإرهاب، عندما أعلن هذا الأخير أنه حصل على سجلات هاتفية تظهر تسريب جماعات الضغط القطرية لرسائله الإلكترونية الشخصية إلى الصحافيين في حملة تهدف إلى تشويه سمعته ولإسكاته.

وتقدم جامع التبرعات الجمهوري البارز بدعوى قضائية ضد اختراق رسائله الإلكترونية الذي تم في أوائل يناير من سنة 2018، اتهم فيها جماعات الضغط القطرية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها بإدارة “مخطط للابتزاز والقرصنة والتوزيع غير القانوني لمجموعة مختارة بعناية من وثائقه الخاصة”.

ارييل دافيسون: صحافيون أميركيون يتولون أعمال قطر القذرة
ارييل دافيسون: صحافيون أميركيون يتولون أعمال قطر القذرة

وقال إن المتسللين استهدفوا رسائل البريد الإلكتروني التابعة له ولزوجته ولمساعده الإداري. ووفقا للدعوى القضائية تمكّن هؤلاء المهاجمون الإلكترونيون من الوصول إلى الآلاف من المستندات والاتصالات السرية التابعة لشركته.

ونظرا إلى العلاقة الوطيدة التي جمعت برويدي بالرئيس الأميركية دونالد ترامب، وهو الذي كان أحد أبرز جامعي التبرعات له خلال حملته الانتخابية في سنة 2016، كانت الدوحة تخشى من أي تأثير له على ترامب، في وقت تشتدّ فيه عزلتها مع مقاطعة الرياض وأبوظي والمنامة والقاهرة لها في سنة 2017.

وردا على ذلك، أطلقت الدوحة حملة لتشويه سمعة برويدي. وكان الجهد القطري لتشويه سمعة برويدي ناجحا. وقد دفعت إحدى المقالات ببرويدي إلى الاستقالة من اللجنة الوطنية الجمهورية. وتقول ارييل دافيسون “على الرغم من أنه لا يعدّ شخصية معروفة خارج الأوساط السياسية، مثلت قصة برويدي تحذيرا من مدى تأثر وسائل الإعلام ذات الميول الحزبية المتطرفة بالعملاء الأجانب الذين يريدون توجيه ضربات للرئيس ترامب أو تحقيق أهداف معيّنة أخرى”.

وتصف دافيسون هذه الهجمات الإلكترونية، التي تستغلّها الهيئات الصحافية التي لا تهتم بالزاوية الأخلاقية لاعتماد وثائق مسروقة، بأنها طريقة وحشية جديدة لخوض الحروب الإعلامية. وظهرت عديد القصص الهادفة لإحراج برويدي في عدد من المقالات الرئيسية. وجاء أحدث ما صدر عن هذه التسريبات في صحيفة نيويورك تايمز، في 14 أغسطس، حيث قدّم كينيث فوغل، الذي كان مراسلا لصحيفة بوليتيكو، القصة الرئيسية العاشرة التي نشرتها الصحيفة في غضون 19 شهرا عن برويدي.

جاء تقرير فوغل في أكثر من أربعة آلاف كلمة وبعنوان “كيف فحص حليف ترامب الحدود في لعبة التأثير بواشنطن”، وفيه يحاول تشويه الحملة التي يقودها برويدي ضد ما يعتبره تهديد قطر. وقد ألحقت نيويورك تايمز تقرير فوغل بالتقرير الحادي عشر والذي يذهب في ذات سياق سابقه.

وأشارت تقارير صحيفة نيويورك تايمز إلى الحملة التي أطلقها برويدي للتحذير من مخاطر الإمارة التي تدعم الإسلاميين، حيث عمل على رعاية المؤتمرات التي تحتضنها مؤسسات مثل معهد هدسون ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات. كما كرّم المتحدثين في هذه المؤتمرات ودعا إلى وضع التقارير وتنظيم الأبحاث، ووفّر منصة رأى أن بلاده أصبحت في أشدّ الحاجة إليها لنقد قطر وتمويلها للإرهاب.

وكان برويدي، خلال العقدين الأخيرين، من بين الشخصيات التي حذّرت من التهديدات التي يطرحها الإسلام السياسي، حيث قدّم دعما ماليا إلى العديد من الخبراء الذين بحثوا عن دلائل هذا الخطر للحث على الاستجابة السريعة له.

وتذكر ارييل دافيسون أنه عمل في المجلس الاستشاري للأمن الداخلي خلال ولاية الرئيس جورج دبليو بوش التي امتدت من 2006 إلى 2009، حيث عمل مع مجموعة من المسؤولين الأمنين، مثل وزير الأمن الداخلي مايكل تشيرتوف ومدير وكالة الاستخبارات الأميركية السابق وويليام ويبستر والخبير في شؤون الإرهاب وليد فارس.

وعندما تعقّد الوضع بين قطر وجيرانها، وصولا إلى المقاطعة، رأى برويدي قدرة حلفاء واشنطن المسلمين في الشرق الأوسط على توجيه ضربة كبيرة للحركة الإسلامية التي يعتبرها تهديدا لبلاده. نتيجة لذلك، ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، انخرط رجل الأعمال في عدد من الصفقات في المنطقة التي تشاركه نظرته حول التهديد الذي يمثّله الإخوان المسلمون.

سلوك مزعج

قضية إليوت برويدي تظهر إلى مدى يمكن أن تذهب وسائل الإعلام من أجل توجيه ضربة إلى دونالد ترامب وكيف يمكن أن تتواطأ مع قطر لتدمير ناقد بارز لها
قضية إليوت برويدي تظهر إلى مدى يمكن أن تذهب وسائل الإعلام من أجل توجيه ضربة إلى دونالد ترامب وكيف يمكن أن تتواطأ مع قطر لتدمير ناقد بارز لها

كتبت دافيسون، تحت عنوان “الصحافيون يتولون أعمال قطر القذرة”، أنه في حين تشدد دعوى برويدي على وجود حملة دعائية نظمها عملاء قطر وجماعات الضغط التابعة للإمارة لاختراق حساباته الشخصية وتوزيع رسائله المسروقة، لم تثبت صحّة هذه الاتهامات في المحكمة بعد. ومع ذلك، نعلم أن وكلاء قطر الأجانب المسجلين يجتمعون مع العشرات من الصحافيين، مما يضفي مصداقية كبيرة على هذه الاتهامات.

وتشير إلى أنه نظرا إلى عدد المقالات التي صاغها فوغل في نيويورك تايمز استنادا إلى رسائل البريد الإلكتروني المسروقة، من المؤكد أن هناك علاقة طويلة تجمع هذا المراسل مع أشخاص ارتكبوا جريمة خطيرة، حيث يساعد حملاتهم ضد المتبرع الجمهوري السابق.

علاوة على ذلك، تشمل التغطية التي قدمها فوغل وزملاؤه في وسائل الإعلام مفارقة كبيرة، حيث تشير تغطيتهم أن برويدي كان يحاول التأثير على اتجاه النقاش السياسي الأميركي لصالح المصالح الأجنبية. ومع ذلك، تستند مقالات فوغل، مثلها مثل العديد من المقالات الأخرى التي تناولت موضوع رجل الأعمال، إلى رسائل مسروقة قدّمها لهم المتسللون القطريون لتدمير ناقد بارز.

وتشير دافيسون في شرحها لمخاطر الصحافة ذات الميول الحزبية المفرطة إلى أن سلوك بعض وسائل الإعلام تجاه برويدي، سواء كان ناشئا عن الرغبة في حماية قطر أو ضرب ترامب، يعتبر أمرا مزعجا ومقلقا. وتظهر طريقة تعامل هذه الجهات مع القضية استعداد المراسلين لاستخدام المستندات التي تحصل مقدموها عليها بطرق غير قانونية (من عملاء يعملون لصالح قطر) ثم إخفاء مصادر قصصهم.

7