الدوران في الظل يدفع مولاي هشام للبحث عن دور

الجمعة 2014/10/10
مولاي هشام متهم على نطاق واسع بأنه لم يدخر جهدا للإساءة للمغرب

باريس - كشفت وسائل إعلام فرنسية عن خطة كان يعد لها الأمير مولاي هشام للإيقاع بمنير الماجدي، الكاتب الخاص للعاهل المغربي الملك محمد السادس، عن طريق الملاكم المغربي الفرنسي زكرياء المومني. وتأتي هذه الخطة، التي وثّقت تفاصيلها مجلة "نوفيل أوبسرفاتور" Le nouvel observateur الفرنسية، ضمن معركة عبثية قرّر أن يخوضها الأمير هشام عبد الله العلوي، المعروف إعلاميا بمولاي هشام، ضدّ مسار شعب اختار طريقة حكمه منذ قرون وسار على دربها بتوافق وقبول.

تقول مصادر مجلة "لو نوفال أوبسرفاتور" الفرنسية إن الأمير المغربي، الذي اختار العيش في الولايات المتحدة الأميركية، التقى في مناسبات عدّة بزكرياء المومني (ملاكم مغربي حامل للجنسية الفرنسية سبق أن أدانه القضاء المغربي بتهمة النصب على مجموعة من الشباب المغاربة تقدّموا بشكاية ضده أمام النيابة العامة بالرباط بعد أن أخلف وعده بتهجيرهم إلى أوروبا مقابل مبالغ مالية).

وذكرت المجلة تحت عنوان "مولاي هشام يبحث عن نصب فخ لمنير الماجدي" إن مولاي هشام حرض مواطنه المغربي زكرياء المومني على رفع دعوى قضائية في فرنسا يزعم فيها أن الماجدي هدده بالقتل، وحثه على تركها سرية وعدم كشف الأمر لوسائل الإعلام على أمل نصب فخ للسكرتير الخاص للعاهل المغربي الملك محمد السادس.

وذكرت المجلة أن هذه الخطة تمت حياكتها خلال لقاء جمع يوم 26 يونيو 2014، زكرياء المومني بمولاي هشام، في مطعم مارتا لو بار المتاخم لبهو نزل فوكتس باريار بضاحية باريس الثامنة. وقد شدّد الأمير المغربي على ضرورة سرية أمر القضية التي سيرفعها الملاكم المغربي السباق ضد منير الماجدي ، حتى يتسنى الإيقاع بسكرتير العاهل المغربي، على أمل إعادة تكرار سيناريو 22 فبراير 2014 ضد مدير المخابرات المدنية المغربية والذي لم يبلغ الهدف المرجو منه.

وقالت المجلة الفرنسية إن سلوك مولاي هشام يمكن تفسيره بجحوده لفضل الماجدي عليه وهو الذي وقف إلى جانبه وقفة حازمة وساعده في وقت سابق على التخلص من أعباء القروض الضخمة المتعددة التي كان قد حصل عليها من العديد من المؤسسات المالية المغربية.

ووعد مولاي هشام زكرياء المومني، الذي يدين له بتوظيفه في فندق جورج الخامس في منصب نائب مدير الأمن، بضمان دعم إعلامي يتكفل الأمير بتمويله.

لكن، هذه الخطة لم تكن أفضل حظّا من خطط سابقة، وذلك باعتراف المجلة الفرنسية التي قالت إن القضية خاسرة لأن قضية التهديدات بالقتل من قبل السكرتير الخاص ضد ملاكم سابق تتعدى المنطق السليم، وهي مزاعم لا توجد أسانيد منطقية لها؛ كما أن الخطة فقدت سريّتها بعد نشر تفاصيلها وبالتالي فلا جدوى منها؛ والأهم من ذلك تاريخ زكرياء المومني نفسه، حيث كانت له سابقة مع المدير العام للمخابرات المدنية المغربية حين تقدّم بشكوى ضدّه أمام القضاء الفرنسي، مدعيا أنه تم اختطافه وتعذيبه في المغرب، وأنه تمت فبركة ملفه وقضية الاحتيال المتّهم بها، علما أن قضايا النصب والاحتيال ليست من اختصاص المخابرات المغربية؛ وقد تم سجن المومني بناء على شكوى قدّمها مواطنون مغاربة أثبتوا إدانته، ثم تم تسريحه إثر عفو ملكي صدر بحقّه.


أطروحات فاشلة


منذ سنوات، ارتدى الأمير مولاي هشام، الابن البكر للأمير عبد الله، شقيق العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني، عباءة المعارض، واختار الولايات المتحدة لتكون منفى له، فيما اختار فرنسا وأسبانيا، منبرا ليبثّ من خلاله أفكاره وآراءه "المعارضة"، أما إمارة ليشتنشتاين، التي تعتبر جنة ضريبية لإخفاء التحويلات المالية المشبوهة، فاختارها مقرا لمؤسسة بحثية تحمل اسمه ومهمة باحثيها الإساءة للمغرب ولمؤسساته والتشكيك في نزاهة المؤسسة العسكرية وتشويه صورة الأجهزة الأمنية المغربية.

مجلة فرنسية تكشف عن سيناريو مؤامرة فاشلة، أعدت بسرية تامة، للايقاع بسكرتير العاهل المغربي

لا شكّ في أن مولاي هشام نجح نسبيا في بداية حملاته، في استقطاب بعض الانتباه، خاصة المنظمات الحقوقية الدولية، وهو الذي قدّم نفسه في صورة الباحث والمفكّر المعارض، الذي حورب بسبب وطنيته وأطروحاته التي تدعو إلى التغيير.

لكن، مع مرور الوقت تبيّن لكل متتبع لكتابات مولاي هشام ومحاضراته أنها تفتقد للمصداقية وفيها كثير من التحامل الفاقد للموضوعية النقدية؛ فكيف لشخص يتحدّث عن العدالة الاجتماعية أن يعيش في الوقت ذاته في أعلى المستويات الاجتماعية؟ وكيف لشخص يتجاهل حقوق العمّال أن يدّعي أن غايته هي الإصلاح والتنمية؟

ولعل القضية التي رفعها ضدّه أكثر من 100 عامل غير مصرح بهم يشتغلون بإحدى ضيعاته في منطقة تارودانت، بالمغرب، أكبر دليل على ذلك.

كما ينتقد بعض المغاربة السياسة الاستثمارية للأمير "المعارض" الذي لم يعمل على الاستثمار داخل بلاده بشكل يساعد على تحقيق جزء من الرفاه والعدالة التي يدّعي أنه ينادي بها.

يتهم مولاي هشام على نطاق واسع في المغرب بأنه لم يدخر منذ سنوات جهدا للتشويش على حكم الملك محمد السادس، وكثرة هذه المحاولات جلبت اهتمام الخبراء المختصّين بمتابعة الشأن المغربي، الذين أكّدوا أن أطروحات مولاي هشام لن تجد لها أنصارا يؤمنون بها إذا لم يدفع لهم للترويج لها، لأنها وفق الخبراء لا تحمل مضمونا بنّاء بقدر ما تسعى إلى التشكيك في المسار الإصلاحي وزعزعة أفكار الرأي العام وقناعاته داخل المغرب وخارجه.

وفشلت هذه المحاولات أيضا لأن المنظومة الأكاديمية والإعلامية الدولية لم تعد ترى في أطروحات مولاي هشام وتقاريره ومحاضراته أي روح إيجابية تؤمن بالإصلاح والتغيير بقدر ما هي روح سلبية تحمل معولا للهدم وخلق حالة من الصدام بين الشعب والمؤسسة الحاكمة، وتسعى أساسا إلى التشويش على مسيرة الإصلاح والبناء.

في ذات السياق، يبني الخبراء حججهم بشأن فشل مساعي مولاي هشام، على التعارض البيّن بين تقارير مركز أبحاث "مؤسسة مولاي هشام"، التي تتحدّث عن "أرقام مخجلة" في النمو ومستوى الرفاهية المغرب، وبين ما تكشفه دراسات المنظّمات الدولية وتقاريرها المعروفة بمهنيتها على غرار البنك الدولي الذي أعلن في أحدث تقرير له أن الإصلاحات الهيكلية في المغرب بدأت تؤتي ثمارها وينتظر أن تتسارع وتيرة النمو خلال العام المقبل.

زكرياء المومني: رفع دعوى قضائية في فرنسا ضد منير الماجدي بتحريض من مولاي هشام


حرب بالوكالة


مثل هذه الإشادات الرسمية، تؤكّد فشل محاولات ابن العم "الأمير المنبوذ"، كما وصف مولاي هشام نفسه، في كتاب صدر مؤخّرا وتوقّع أن يكون المعول الذي سيزعزع به استقرار المغرب، في قمّة الانتفاضات الشعبية المحيطة به.

لكن فشل الكتاب، مثلما فشلت محاولات أخرى سابقة، وباعتراف النقاد الفرنسيين كانت أولى الخيبات التي مني بها مؤلف الكتاب ومساعدوه وناشروه أن سمحت السلطات المغربية بدخوله للبلاد، على خلاف ما روّج ضمن حملة إعلامية لم تكن تخلو من المكائد التي "تستهدف في الجوهر العائلة المالكة واستقرار البلد"، حسب هؤلاء النقّاد.

يصف الإعلام الفرنسي الحرب "الخفية" التي يشنّها ضدّ بلاده، بـ"الحرب بالوكالة"، فالأمير نادرا ما يظهر في الصورة، لكنّه لا يتوانى عن توظيف الملايين من أجل تمويل حملات ممنهجة تهدف إلى التشويش على الاختيارات والتوجهات السياسية الداخلية والخارجية للمغرب. فمثلما طوّع الملاكم زكرياء المومني ودفعه إلى رفع القضايا ضدّ مسؤولين مغاربة أمام محاكم أجنبية، حاول زرع البلبلة في صفوف القوات المسلحة الملكية عبر استغلاله قضية الضابط السابق مصطفى أديب وتوجيهه أواخر 1999 إلى ربط الاتصال بالصحفي الفرنسي جان بيير توكوا المشتغل آنذاك بصحيفة "لوموند" من أجل التنديد بالرشوة والزبونية داخل المؤسسة العسكرية المغربية، حسب زعمه.

ومن أجل دفع مصطفى أديب لإتباع مخطط مولاي هشام في هذا الإطار، منح هذا الأخير مبلغ 20 ألف أورو واعدا إياه بمدّه بـ80 ألف أورو أخرى، لكن الأمير لم يف بوعده مما دفع أديب إلى فضح مناوراته على أعمدة مجلة "Jeune Afrique" عدد شهر سبتمبر 2008.

في إطار نفس المخطط، حاول الأمير مولاي هشام الإيحاء بوجود مجموعة من العسكريين المتمردين على المؤسسة العسكرية منضوين تحت ما يسمى "حركة الضباط الأحرار"، مستعدين للتحالف مع ما يسمى "بالديمقراطيين" المغاربة من أجل "إصلاح النظام الملكي"، وذلك باللجوء إلى مجموعة من المنابر الإعلامية الدولية والوطنية المعروفة بتحاملها على المغرب (الباييس الإسبانية ولوموند الفرنسية وأسبوعية لوجورنال).


وسائل الإعلام السلاح الأبرز


كلما صدر تقرير دولي يصب في صالح السياسة الإصلاحية التي يقودها العاهل المغربي الملك محمد السادس، يصدر بالتزامن معه تقرير أو مقال صحفي يشنّ حملة ضدّ المؤسسة الملكية في المغرب، وغالبا ما يكون المقال منشورا في صحيفة فرنسية أو أسبانية، وكاتبه أحد الصحفيين المغاربة "المعارضين" أو قلم من الأقلام الأجنبية المعروفة بمناوأتها للمغرب.

تفتقد تصريحات ومحاضرات ومقالات مولاي هشام لأية روح إيجابية للإصلاح والتغيير

ولئن نفى بعض المشكّكين علاقة مولاي هشام بهذه الحملات الصحفية، بحجّة أن ما يكتبه هؤلاء الصحفيون يندرج ضمن حرية التعبير، فإن هناك مؤسسات مدعومة علنا من الأمير وتوجّهاتها معروفة، على غرار جمعية "الحرية الآن" (غير مرخص لها)، التي تضم أسماء معروفة بمواقفها الراديكالية وتوجهاتها المعارضة للنظام الملكي وللوحدة الترابية للمغرب؛ وأيضا "مؤسسة مولاي هشام" التي تضمّ لجنة "علمية" مكونة من باحثين من جنسيات مختلفة تتقاسم معه نفس التصورات المتحاملة على الأنظمة الملكية بالعالم العربي.

وتعدّت هذه المؤسسة حدود الشأن المغربي لتتدخّل في شؤون دول أخرى عبر التنظير لأحداث الربيع العربي وسياقاته التاريخية والسوسيولوجية، مع محاولة تكريس فكرة أن موجة أخرى من هذه الاضطرابات مرشحة للحدوث في المستقبل القريب في البلدان التي لم تشملها الموجة الأولى.

وبموازاة حرصه على الترويج لنفسه باعتباره ضحية للمسؤولين على المؤسسات الأمنية بالبلاد، يعمد مولاي هشام إلى تبخيس المجهودات التي تقوم بها هذه المصالح في سبيل الحفاظ على أمن المملكة واستقرارها.


دوافع شخصية لا وطنية


يرجع مختصون محاولات الأمير مولاي هشام للمس من سمعة بلاده إلى أن الأمير يرغب في تقمّص دور البديل الأنسب لتسيير أمور البلاد.

وكان الصحفي المغربي عبدالرحيم أريري، مدير نشر جريدة "الوطن الآن"، كشف في حوار سابق مع صحيفة "العرب" أن الأمير المغربي لا يتردّد في "التحوّل من الأقصى إلى الأقصى دون بوصلة"، من أجل تحقيق غايته.

ويضيف أريري الذي عرف الأمير هشام عن قرب: "لقد انبهرت في مطلع الألفية الثالثة بالأمير، وكنت أرسم له صورة المثقف التقدّمي المشبع بالقيم الحداثية والديمقراطية، لكن مع مرور الوقت ظهر لي زيف الانطباع الذي رسمته عن الأمير الذي كان ممزّق التفكير، مفتقـدا لخيـط ناظم لمواقــفه وأنســاقه الفـكرية.

الأمير كان ضدّ الملكية ومعها في الوقت نفسه، وهذا ما يشار إليه بالتمزق الفكري. لقد كان يحاول أن يظهر حداثيا في سلوكه وتوجّهاته، غير أنّ "مفهوم الحداثة" عنده يكمن في اعتماده المفرط على ثلب الخصوم والسياسيين واحتقار كفاءاتهم والتقليل من قيمة جهودهم من أجل الرقي بالمملكة المغربية ضمن مسار اختاره المغاربة وساروا على دربه منذ قرون طويلة.

7