الدوران في فلك التربية السليمة

أغلب الجرائم التي تحصل في أيامنا هذه والتي تستهدف ضحايا من الضعفاء سواء أطفالا أو نساء أو كبارا في السن تتمحور حول القسوة والجسد والجنس.
الأربعاء 2018/09/19
التربية السليمة في الأسرة مفتاح الوقاية

ما نعيشه اليوم من تواتر ونسق سريع ومتصل في تتابع أخبار الجرائم بأنواعها، القتل والاعتداء بالعنف وجرائم الاغتصاب والتحرش، التي طغت على الأخبار في مجتمعاتنا العربية مؤخرا هل تشي بأن مجتمعاتنا تدخل مرحلة جديدة؟ وإن كان فما هو عنوانها وما الذي يميزها؟ هل هو الانتقال من”فوضى الحواس″ إلى فوضى الجنس وموت الإحساس؟ ما الذي أصاب وعي المعتدين في شتى هذه الجرائم؟ ما الذي أوصل كل معتد ومجرم إلى هذه الدرجة من العدوانية واللاإنسانية؟

نعيش واقعا جديدا فلا تكاد تمر ساعات دون أن يصل خبر جريمة ما ولعل الكثيرين يرددون أن القتل والعنف والاغتصاب والسرقة والتحرش وغيرها جرائم مستشرية في جل أنحاء العالم وفي جل المجتمعات ومنذ زمن، وأن ما نعيشه اليوم ليس بجديد. ويفسر غيرهم ذلك بأن التقنيات الحديثة هي التي تقف وراء سرعة انتشار الخبر وكثرة تداوله هي التي جعلتنا نواكب هذه الأحداث عكس ما كنا عليه من كساد في وصول الأخبار.

الجديد اليوم ليس في تواتر الجرائم بل في كثرتها وتزايدها عدديا وهو ما أثبتته العديد من الإحصائيات والأكثر حداثة هو فظاعتها ووحشيتها لقد أصبحنا نلاحظ إمعانا في الإجرام وزيادة في منسوب التوحش والعنف. الكل بات يستغرب من مستوى الوحشية واللاإنسانية في ما يحصل من جرائم وفي كل الأماكن سواء في البيوت أو في الأماكن العامة حيث تذاع وتشاهد أخبار آخر الجرائم، فإنك تلاحظ الدهشة والصدمة من هول المشهد حتى وإن لم تمرر صور أو مشاهد فيديو، فمجرد الوصف أحيانا لكيفية وقوع الجريمة يثير القشعريرة.

هل نشهد خلق فن جديد وابتكارا اسمه فن الجريمة فجل الجرائم أصبحت تتم بطريقة تجعلك تشعر أن هناك شغفا بما يقوم به المجرم وكأنه يدون أو يرسم أو يشكل تجسيدا فنيا يقوم على إتقان الفظاعة والبشاعة، فما معنى أن تغتصب مجموعة من الشباب فتاة ويشمون أسماءهم بلغات متنوعة على جسدها، ويبقونها رهينة لتتواصل عمليات الاعتداء عليها لأيام. ما معنى أن يختطف أطفال ويذبحون ويشوهون وتلقى جثثهم في أكياس على قارعة الطرقات؟

جرائم يتفنن مرتكبوها في شحنها بأقسى درجات البشاعة ولا يمكن وصف مرتكبيها بالمجرمين فحسب فكأنما العبارة لطيفة أمام قدراتهم العالية في الوحشية، ولا أيضا بالحيوانات لأن الحيوان يعتبر معلما للإنسانية مقارنة بهم. ما هذا الوباء الذي يتفشى في مجتمعاتنا هل انتقلنا من فوضى الحواس التي تحدثت عنها الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي وتفننت في اللعب بالألفاظ والجمل والعبارات إلى أن جعلت دخول الحواس في مرحلة الفوضى يخلق سطورا أدبية تفوح رومانسية وصورا وردية وعوالم من الخيال والتشويق تغري القارئ في حد ذاته بخوض مغامرة الفوضى في إحساسه وحياته، وانتقلنا إلى الفوضى في الإحساس وفوضى الجسد والجنس.

فأغلب الجرائم التي تحصل في أيامنا هذه والتي تستهدف ضحايا من الضعفاء سواء أطفالا أو نساء أو كبارا في السن تتمحور حول القسوة والجسد والجنس.

فيض من الأسئلة تثيرها هذه الجرائم وإن انتقلنا من مرحلة توصيفها إلى محاولة الفهم فإن الأمور تصبح أكثر تعقيدا وربما أكثر إثارة ألم يكن كل البشر عند ولادتهم يوصفون بالملائكة؟ ألم يكونوا بدرجة عالية من النقاء والبراءة والنعومة والرقة كيف يمكن لأحدهم أن يتحول إلى معتد متوحش؟ ما الذي يصيبه بين المرحلتين والحالتين؟

علماء النفس وعلماء الاجتماع والفلاسفة والباحثون وصفوا وحللوا وناقشوا، وتوصل عدد منهم إلى تحديد الأسباب منها النفسية ومنها الاجتماعية والعلمية وحتى الجينية لحدوث التحول من مرحلة الطفولة الملائكية إلى مرحلة الإجرام، ومن بينهم أيضا من درس حالات خاصة ليصل إلى نتائج تقول إن الإنسان تتأثر إنسانيته وبراءته بما يعيشه من تجارب وتتكون شخصيته انطلاقا من علاقته بنفسه وبمحيطه الخارجي وأساسا انطلاقا مما يتعلمه منذ الصغر لكن النقطة المشتركة بين هؤلاء المجتهدين وبين أبحاثهم هي غياب الحل لإرجاع الإنسان إلى طبيعته.

ليس هناك أدوية لعلاج النفس من العنف والوحشية كما لا يوجد نمط معيشي وتربوي بعينه يفضي إلى درء الجريمة. نظل ندور في فلك التربية السليمة في الأسرة واتباع سبل الوقاية والتوعية على النطاق الأوسع سواء المدرسة أو الفضاء المجتمعي، لكن واقعنا يبدي لنا نتائج غير مشجعة، تؤكد أن أسرنا لا تتبع ولا تدرك ماهية وكيفية التربية السليمة، وأن مجتمعاتنا لا تتقن مسائل الاحتواء والتوجيه السليم لأطفالها ومراهقيها.

21