الدورة الثانية لملتقى تونس للرواية وقضايا البشرة السوداء

الرواية السودانية اشتغلت بكثافة ملحوظة على موضوع الرق والعبودية، خاصة أن أكثر هذا المنتج الروائي يتمحور حول المجالين الاجتماعي والسياسي، من حيث إثارة الموضوعات.
الاثنين 2019/03/11
ضيف الملتقى إلياس خوري: نعيش انهيارا ثلاثي الأبعاد

اختتم أخيرا ملتقى تونس الثاني للرواية العربية الذي نظمه بيت الرواية بمدينة الثقافة بالعاصمة التونسية؛ وناقش الملتقى في هذه الدورة قضايا أصحاب البشرة السوداء، كما كرم عددا من الروائيين التونسيين والعرب، محتفيا بإحدى أهم الشخصيات الروائية التي أبدعها الكاتب التونسي الراحل البشير خريف، ألا وهي شخصية برق الليل.

قبيل اكتمال العام الثاني لتأسيسه، وليكون أحد المراكز الأساسية في مدينة الثقافة بالعاصمة التونسية، نظم “بيت الرواية” الملتقى الثاني للرواية العربية. وقد خصصه لدراسة قضايا البشرة السوداء. وعلى مدى الأيام الثلاثة التي استغرقها الملتقى، 7 و8 و9 مارس 2019، قدم روائيون من السودان ومن مصر ومن الأردن ومن سوريا ومن المغرب ومن تونس شهادات ومداخلات تناولت جوانب مختلفة من القضايا المتصلة بحضور البشرة السوداء في البعض من الأعمال الروائية العربية.

قضايا البشرة السمراء

في أولى جلسات الملتقى التي جاءت بعنوان “ملاحظات تمهيدية”، قال الكاتب والروائي التونسي شكري المبخوت إن “الإنتاج الذي يعالج قضايا الإنسان الأسود قد تكاثر نسبيا في السنوات الأخيرة، ما شكل مدونة جديرة بالعناية والدرس”.

وأضاف “لا يعود ذلك إلى دخول كتّاب من أصحاب البشرة السوداء وخاصة السودانيين بعد الطيب صالح إلى مجال الرواية المتطورة فنيا في كتابتها، بل هو مرتبط في تقديري بالوعي الجديد الذي نشأ مع فكر مناهضة العنصرية من ناحية، ودور الرواية في منح صوت لمن لا صوت لهم وإبراز التعددية في المجتمع والتاريخ العربيين من ناحية أخرى”.

وأشار المبخوت إلى أن المدونة الروائية التي اهتمت بقضايا أصحاب البشرة السوداء قامت على توجهين أساسيين، اهتم الأول باستعادة قهر السود والهيمنة عليهم في سياق المجتمعات العربية القديمة التي يقوم اقتصادها على ركائز من بينها تجارة الرق، مثل روايات الليبية نجوى بن شتوان “زرايب العبيد” والبحريني خالد البسام “ثمن الملح” والأردنية سميحة خريس “بابنوس”، بينما ركز التوجه الثاني على التناول السردي لصراع الإنسان الأسود المثقل بتاريخ من الإذلال والخوف والأفكار المسبقة ومركبات النقص والخضوع.

وتحدثت الأردنية سميحة خريس عن تاريخ الرق ومعاناة الإنسان الأفريقي على يد الإنسان الأبيض، الذي يتحكم في العالم وفي مصير البشرية منذ قرون عدة. وحتى بعد زوال الاستعمار، ظلت جل البلدان الأفريقية التي دفعت الثمن غاليا من أجل الحصول على استقلالها تتعرض لأفظع أشكال الاستغلال والهيمنة الاقتصادية من أجل الحفاظ على مصالحها وامتيازاتها الخاصة.

وكان أول من حذر من هؤلاء الحكام ذوي “الجلود السوداء بأقنعة بيضاء” هو المفكر المارتينيكي (نسبة إلى جزر المارتينيك) فرانز فانون (1925-1961) الذي ساند الثورة الجزائرية، والعديد من الثورات الأفريقية الأخرى. لكنه سرعان ما تفطّن إلى أن الحكام الذين ستأتي بهم الثورات الوطنية إلى السلطة لن يكونوا أفضل من المستعمرين، بل قد يكونون أكثر منهم شراسة وعدوانية.

الإنتاج الذي يعالج قضايا الإنسان الأسود قد تكاثر نسبيا في السنوات الأخيرة
الإنتاج الذي يعالج قضايا الإنسان الأسود قد تكاثر نسبيا في السنوات الأخيرة

وهذا ما أثبتته أوضاع العديد من البلدان الأفريقية خلال السبعين سنة الماضية. ونحن نعثر في أعمال روائية لكتاب أفارقة أمثال النيجيريين شينوا أشيبي، ووول سيونكا الحائز على جائزة نوبل للآداب، والإيفوري أمادو كوروما، والمالي أماددو أمباتي با، والسنغالي الشيخ حميدو خان، والكونغولي تشيكايا أوتامسي، على ملامح الأوضاع المأساوية التي كابدتها الشعوب الأفريقية سواء في زمن العنصرية الاستعمارية البيضاء، أو في زمن حكام “الخيانات الوطنية”.

وتطرق السوداني حمور زيادة إلى “عبيد قيود السرد” من خلال روايته “شوق الدرويش” ليبرز أن الرق ليس عملية مادية فقط، تربط الضحية إلى وتد خشبي بالسلاسل، وإنما هو بمثابة قيود نفسية شديدة التعقيد والخبث، تشد ضحيتها إلى الأرض لتجبرها على الخنوع ولاستسلام للعذاب اليومي.

وأبرزت المصرية سلوى بكر في مداخلتها كيفية تناولها لقضية البشرة السوداء من خلال روايتها “كوكو سودان كاباشي” حيث روت قصة كتيبة عسكرية مصرية جلّ جنودها من السودان ومن النيل التحتاني ومن العبيد الذين تم جلبهم من أسواق الخرطوم، كانت قد شاركت في الحرب الأهلية في المكسيك (1863-1867) بطلب من الحكومة الفرنسية.

لكن علينا أن نشير إلى أننا لا نجد حضورا كليا للبطل الأسود في الرواية العربية إلّا في أعمال الطيب صالح وفي مقدمتها “موسم الهجرة إلى الشمال”، وكذلك التونسي البشير خريف الذي اختار أن يكون بطل روايته “برق الليل” عبدا جيء به من السنغال ليروي لنا قصة احتلال الإسبان لتونس في القرن السادس عشر.

أما في جل الأعمال الروائية الأخرى فغالبا ما يكون حضور الأسود ثانويا، كما تؤكد بكر، فهو إما خادم أو معتوه، وإما راوية لحكايات عجيبة وطريفة في الساحات العامة وفي الأسواق الشعبية. لذا كان من الأفضل أن يتدارس المشاركون في ملتقى الرواية العربية في دورته الثانية مواضيع طرحها كبار الروائيين الأفارقة والأميركيين السود في أعمالهم للتعريف بهم وبها، وفتح آفاق على ما كان ولا يزال مجهولا في ثقافتنا العربية.

روايات سودانية

في مداخلته أكد منصور الصُويّم أنه لم يجد مدخلا مناسبا لمقاربة الرق والعبودية في الرواية السودانية، أفضل من تناول إشكالية لون البشرة في الثقافة السودانية عامة، والكيفية التي يتعامل بها السودانيون في المركز النيلي مع ألوان بشرتهم، وما يقود إليه ذلك من تصنيفات اجتماعية وثقافية وتحيّزات عرقية/ قبلية، تصل إلى مربع العنصرية الصريح.

وقال الصويّم إن المفارقة المدهشة في هذه النقطة أن “السوداني” يأخذ مسماه التجنيسي هذا “سود – اني” من صبغة اللون الأسود، التي يفترض أنها إشارة إلى لون بشرته، إلا أنه لا يعترف بتاتا بهذا اللون ويتعامل معه بعماء، وكأنه لون شخص مختلف/ آخر، وليس لونه هو بالتحديد.

وبعد استعراض موجز لتاريخ الرق في السودان رأى الصويّم أن طبيعة الحكم وموقعه الجغرافي المركزي، سواء أكان الأجنبي أم الوطني؛ أتاح لمجموعات سودانية محددة، أن تكون في موقع السيد/ البائع، ووضع مجموعات أخرى في موقع المشترى/ المسترق، الأمر الذي أوجد لاحقا حالة من التنافر العنصري الحاد، بقيت مستمرة حتى الآن.

المدونة الروائية اهتمت بقضايا أصحاب البشرة السوداء واستعادة ما تعرضوا له في تناول سردي لصراع الإنسان مع القهر

وأكد الصويّم أن الرواية السودانية اشتغلت بكثافة ملحوظة على موضوع الرق والعبودية، خاصة أن أكثر هذا المنتج الروائي يتمحور حول المجالين الاجتماعي والسياسي، من حيث إثارة الموضوعات، مما يضعه في مواجهة لازمة مع قضية الاسترقاق وآثارها الكارثية على سلامة المجتمع السوداني، بل وتماسك الدولة السودانية برمتها. وربما أسطع مثال على هذا الاشتغال، ما أثارته رواية الطيب صالح “عرس الزين”، من حساسية مفرطة لدى بعض السودانيين ممن لا ينتمون إلى ثقافة النيل- شمالية.

واختار الصويّم لمشاركته دراسة ثلاثة أعمال روائية وضعها موضع التحليل، قال إنها قدمت قضية الرق/ العبودية، في قالب سردي متماسك، وجعلت منها الثيمة الأساسية للعمل، دونها لا يكتمل المسرود، فهي الركيزة الفاعلة والدافعة للعملية السردية من بداية الرواية إلى نهايتها. هذه الأعمال هي: رواية “زهرة الصبار” للروائي الزين بانقا، ورواية “فركة” للروائي طه جعفر الخليفة، أما الرواية الثالثة فهي رواية “شوق الدرويش” للروائي حمور زيادة.

وخلال اللقاء الذي جمعه بالقراء وبأحباء الرواية، تحدث ضيف الشرف الكاتب اللبناني إلياس خوري بألم عن زمن عربي رديء انتفت فيه القيم، وتدهورت فيه الأوضاع، وانعدم فيه الأمل ليهيمن الظلام ممهدا لمرحلة وصفها بـ”مرحلة ما بعد اليأس”. فمنذ هزيمة حرب 67، والعرب يعيشون الكارثة من بعد الكارثة، والهزيمة من بعد الهزيمة، مكابدين أوجاعا وآلاما أشد مضاضة من تلك التي سبقتها. ويرى خوري أننا نعيش اليوم “الرعب العبثي مع انهيار ثلاثي الأبعاد: انهيار خطاب السلطة الاستبدادية الذي تحول إلى خطاب قمعي، وانهيار خطاب المعارضة اليسارية الذي تشظّى، وتراجع الخطاب الإسلامي ليفقد صبغته التنويرية، معمّقا خطابا تكفيريا وجهاديا يحرض على العنف والفوضى والفتن.

14