الدورة الـ 52 لمهرجان قرطاج الدولي انفتاح أكثر انفتاحا

يعتبر مهرجان قرطاج الدولي الذي تأسس سنة 1964 من أعرق المهرجانات الفنية العربية، ويجذب إليه كل عام كبار نجوم الغناء والموسيقى والفنانين العرب والأجانب. كما يمثل محطة هامة لمن أراد اقتحام المجال الفني خاصة الموسيقي منه، وقد قدم على مدى نصف قرن من عمره للعالم تجارب فنية عربية وأجنبية رائدة وشهيرة.
الاثنين 2016/08/22
عرض صابر الرباعي الذي تبرع بعائداته لصالح صندوق مقاومة الإرهاب

افتتحت الدورة الـ52 لمهرجان قرطاج الدولي يوم 13 يوليو 2016 تحت شعار “كلنا توانسة” بعرض أركسترالي كبير للأركسترا السمفونية الروسية بمشاركة مجموعة من العازفين التونسيين، والمطرب التونسي لطفي بوشناق، الذي أبدع في حفل الافتتاح بطابعه الصوتي الخاص الذي خبر كل الألوان والأنماط الموسيقية على امتداد تجربته ما جعله واحدا من أبرز الفنانين العرب ومن أبرز الوجوه لا الموسيقية فحسب بل والثقافية عموما، حيث يولي بوشناق دائما اهتماما خاصا بالشعر إضافة إلى اهتمامه العميق بالبحث في جذور الموسيقى التونسية والعربية والعالمية.

ولعل افتتاح المهرجان بعرض عالمي بصبغة تونسية كان مبشرا لجمهور المهرجان العريق الذي حاول المشرفون عليه برئاسة محمد زين العابدين هذه السنة أن يعيدوا إليه بريقه الذي بدأ يخبو نظرا إلى حالة عدم الاستقرار التي تشهدها البلاد عامة، فكانت العروض التي تلت الافتتاح شعارها الأبرز هو النوع والتنوع لا الكم. تلت الافتتاح عروض لفنانين عرب مثل سميرة سعيد ونجوى كرم وسعد لمجرد وصابر الرباعي، الذي خصص العائد المادي للحفل لـ”صندوق مقاومة الإرهاب” في تونس، وملحم بركات إضافة إلى الشاب خالد وكاظم الساهر، هذا الثلاثي الذي استقطب جمهورا غفيرا إلى مدارج المسرح الأثري بقرطاج حتى أنه استوعب عددا أكبر من طاقة استيعابه العادية.

شباب ومشاهير

المهرجان نجح في أن يكون محكما تنظيميا، ومؤمنا بشكل جيد، وهذا ما ساهم في استقطاب الجمهور

ضمت الدورة الـ52 للمهرجان عروضا تونسية لفنانين مثل زياد غرسة ودرصاف الحمداني، وختاما الفنانة الشابة يسرى محنوش. ويمكن أن نلاحظ في هذه الدورة انفتاح المهرجان أكثر على الشباب والفرق الجديدة مثل عرض “أحب البلاد” وعرض “فلاقة” وعرض “انصهار” لياسمين عزيز وعرض “غدوة” لأمل الشريف وسهرة الرقص المعاصر وعرض للموسيقى الإلكترونية مع لو ديب، كما شارك في المهرجان أيضا نجم الراب الفرنسي ماتر جيمس ومغني الريغي تيكن جا فاكولي من ساحل العاج، إضافة إلى عروض ذات نكهة ثقافية خاصة مثل عرض “للسلم أغني” وعرض “لقاء” وسهرة المالوف والموشح وعرض “صوت أفريقيا الحرة”.

ولنا هنا أن نلاحظ المحاولات الحثيثة لخلق جو متنوع بين الطرب والفن الملتزم والفن المعاصر والشبابي، هذا التنوع طال أيضا الأجناس الفنية المقدمة، حيث كعادته لم يقتصر مهرجان قرطاج الدولي في دورته الأخيرة على العروض الموسيقية أو عروض الرقص والأوبيرات، بل قدم كذلك أعمالا مسرحية نذكر مثلا مسرحية لطفي العبدلي الهزلية التي شهدت إقبالا جيدا من جمهور الكوميديا أو ما يمكن تسميته بـ”الوان مان شو”، وهو لون فني اشتهر عالميا يقدم الضحكة في قالب هزلي يستبطن نقدا حادا اجتماعيا وسياسيا وثقافيا ولكل ما يمكن أن يشوب المجتمع، إذ يعتبر الفن الأقرب إلى كل شرائح المجتمع والبسيط في طرحه والعميق في فاعليّته وتاثيره.

لم يكن عرض لطفي العبدلي النجم التونسي الذي يقدم في كل مرة خطوات جديدة سواء في الدراما أو السينما أو المسرح، فقد قدم مهرجان قرطاج مسرحية يمكننا وسمها بالعمل ذي الثقل الفكري والتقني والأدائي عمل بعنوان “العنف” للمخرج التونسي الكبير الفاضل الجعايبي، وهو عمل مسرحي من إنتاج المسرح الوذني الذي يرأسه الجعايبي ونص لجليلة بكار التي حضرت على الركح وقدمت أداء مبهرا.

التوجه أكثر للعروض الملتزمة والشبابية ساهم في خلق نكهة جديدة للمهرجان الذي مزج بين الموسيقى والمسرح والرقص والسينما

عرض “العنف” على ركح قرطاج له تحديات كبرى حيث الخروج بالمسرح من قاعات العرض المعتادة إلى الفضاء المفتوح والمتنوع جمهوره من مختلف الشرائح، “العنف” ليس حكاية نسقية بل مقتطفات سردية لقصص ترويها شخصيات تتقمص أدوارا مختلفة، لا زمان لها ولا مكان، فالركح في شكله أشبه بمصحة أو سجن، أو صفحة سوداء من المطلق يتوسطها دهليز، وفي كل مرة تطالعنا شخصية أو مجموعة من الشخصيات لتحكي عن عنف ما أو تجسد عنفا ما، هو العنف الذي يراه الجعايبي بات مستشريا بشكل كبير في المجتمع التونسي وفي المجتمعات العربية خاصة والإنسانية الأخرى. وقد استمر العرض لساعتين وربع الساعة أنشد فيها جمهور بأعداد جيدة على اختلاف مشاربه الفكرية وشرائحه بعمل مسرحي استثنائي قدم في عرض ناجح.

شهد المهرجان أيضا تكريمات لقيت صدى واسعا، هي استذكار أول للفنانة التونسية الراحلة ذكرى محمد حيث خصص لها يوم 9 أغسطس سهرة بعنوان “تحية لروح ذكرى محمد في عيد ميلادها الخمسين”، استرجع فيها التونسيون ذكرى فنانة استثنائية مثل صوتها علامة فارقة في تاريخ الموسيقى التونسية والعربية، أما التكريم الثاني فكان يوم 10 أغسطس وجاء هذه المرة لزعيم سياسي وروحي مثل رمزا للحرية والتحرر في العالم هو مناهض العنصرية العالمي الرئيس الجنوب أفريقي والمناضل الراحل نيلسون مانديلا، من خلال كوميديا موسيقية تكريما لروحه التي مازالت حية في قلوب وأذهان كل سكان قارة أفريقيا وكل الطامحين إلى التحرر وانصار الإنسانية في شتى أنحاء العالم.

الانفتاح على أفريقيا

نلاحظ هذه السنة في الدورة الـ52 لمهرجان قرطاج الدولي الانفتاح الذي يسعى إليه القائمون على الدورة على قارة أفريقيا التي تعاني من ويلات الحروب والفقر، في دعوات واضحة إلى السلام والتحابب، ويبقى أكثر ما شدنا هو تصريحات الفنانين أنفسهم الداعية إلى إيقاف الفوضى والرافضة للدمار والإرهاب اللذين شابا دولا عربية عديدة، رزحت تحت وطأتهما المدمرة، وهذا يعيدنا إلى أن الفنان مهما كان اللون الفني الذي يقدمه سواء أكان موسيقى أو تشكيلا أو أدبا أو مسرحا أو غيرها، فإن وظيفته الأولى هي الإنسان والسلم والحياة.

وقد أسدل الستار السبت 20 أغسطس 2016 على العروض الفنية للدورة الـ52 لمهرجان قرطاج الدولي، بليلة طربية للمغنية التونسية الشابة يسرى محنوش، التي قدمت حفلة ختامية مميزة لبرنامج حافل وثري للمهرجان. فقد أبحرت الفنانة التونسية صاحبة الصوت القوي يسرى محنوش في عالم الطرب الشرقي ورددت باقة من أغاني عمالقة الغناء العربي في ختام المهرجان. كما قدمت محنوش أغاني جديدة تؤديها لأول مرة بصوتها مثل “عاش الشهيد”، كما غنت “سلطان زماني” من كلمات والدها الشاعر الحبيب محنوش وانتقلت بعد ذلك إلى إنتاجها الخاص فغنت “واسكت بس” و”شفتوش خديجة” و”فاكراك” وغيرها.

مشهد من مسرحية العنف

ونلفت إلى أن المهرجان في دورته الأخيرة نجح في أن يكون محكما تنظيميا، ومؤمنا بشكل جيد، وهذا ما خلق جوا من الأمان ساهم في استقطاب جمهور الفن والثقافة، والنجاح التنظيمي لم يقتصر على الجانب الأمني منه بل كذلك تيسير حركة الدخول والخروج بشكل سلس، على أمل أن يذهب المهرجان أكثر نحو التطوير في محتواه ليكون أكثر ثراء وتجديدا في كل مرة، حيث مثل برنامج هذه السنة انفتاحا أكثر بعمق أكثر على الفنون باختلافها وتنوعها.

عروض السينما

عادت العروض السينمائية بقوة إلى المسرح الأثري بقرطاج في الدورة الـ52 لمهرجان قرطاج الدولي، حيث وقعت برمجة أفلام متنوعة من تيارات سينمائية مختلفة تمثل لمحة عن الفن السابع في العالم اليوم، وذلك دون أن تحدث أي تداخل مع تظاهرة أيام قرطاج السينمائية التي سيتم تنظيمها بعد ثلاثة أشهر بعد أن أصبحت تنتظم سنويا، ويقدم المهرجان أفلامه بعد حفل الاختتام الذي قدمته الفنانة يسرى محنوش.

ومن المقرر أن يكون جمهور قرطاج يوم 22 أغسطس الجاري على موعد مع فيلم “يا طير الطاير” وهو آخر أفلام الفلسطيني هاني أبوأسعد عن قصة صعود نجم المطرب محمد عساف، ويعرض يوم 23 أغسطس 2016 الجزء الخامس من فيلم “Jason Bourne” بطولة النجم العالمي “مات دامون”، ويعرض هذا العمل بعد أيام قليلة من توزيعه في القاعات الفرنسية.

كما سيكون الجمهور على موعد يوم 24 أغسطس 2016 مع الفيلم “أنا دانيال بلايك” المتوج بالسعفة الذهبية لمهرجان كان 2016، للمخرج البريطاني كان لوتش أحد كبار السينما العالمية ومن مساندي قضايا التحرر وداعمي الحق الفلسطيني.
وختام أفلام المهرجان سيكون يوم 25 أغسطس مع فيلم “باكالوريا” للمخرج الروماني كريستيان مانغيو، الفائز بجائزة أفضل إخراج في مهرجان كان 2016، وسيكون عرض هذا الفيلم في مهرجان قرطاج الدولي فرصة لأحباء الفن السابع لاكتشاف سينما جديدة غير مألوفة في قاعات السينما التونسية هي السينما الرومانية.
15