الدور ومآلاتها

السبت 2017/12/23

يثير قرارُ المحكمة التجارية بمدينة باريس الذي ينص على تصفية دار النشر الفرنسية الشهيرة لاديفورونس من جديد الحديثَ عن قدرة دور النشر، على مقاومة التحولات التي يعرفها قطاع النشر. ذلك خصوصا لأن الدار المعنية بهذا القرار تُعتبر من أهم الدور، ليس فقط على مستوى فرنسا، ولكن أيضا على مستوى العالم.

كما أن وضعية الدار لم تكن تنبئ بهذا المآل، وهي التي راكمت أكثر من ألفي عنوان خلال الأربعين سنة من عمرها، كما ارتبطت الدار بعدد من الأسماء الكبرى، من بينهم عبداللطيف اللعبي وأدونيس وميشيل بوتور ومحمد ديب، وفرناندو بيسوا، الذي كان من المفروض أن تصدر ترجمة عمله الشعري “اللاطمأنينة” قبل صدور القرار.

لذلك، كان تعليق صاحب الدار كْلود مينرو مثيرا، حينما صرح بكون المحكمة أرادت أن تحميه من نفسه. والأكيد أن لائحة دور النشر التي عرفت نفس المآل لا تتوقف عن التوسع، حيث تجتاح اللائحة الدُورَ الكبيرة والصغيرة على السواء.

وإذا كان إغلاق المقاولات التجارية يبدو عاديا ويتم كل يوم، خارج الجانب التراجيدي المرتبط بمآل مستخدميها، فإن موت دار نشر يحمل، في كثير من الأحيان، كثيرا من الدلالات. إنه انطفاء لحياة يُحيل على وضع مفارق، حيث تظل الدار حاضرة باستمرار من خلال عناوينها ومن خلال أسماء الكتّاب الذين يرتبطون بها، وأيضا من خلال القراء الذين يظلون أوفياء لذاكرة مفتقدة.

وإذا كان موت لاديفورونس معلنا، فإن ثمة عددا كبيرا من دور النشر بفرنسا أو بالعالم العربي أو بغيره، بدأت كبيرة ولم تستطع أن تحافظ على توهجها. إما لأنها عجزت عن الاحتفاظ على كُتابها، وإما لأنها لجأت إلى منطقة الربح السريع، الذي يضمنه الكتاب التجاري، والمدرسي بشكل خاص، قاطعة مع الكتاب الثقافي وصداعه، أو لأنها ببساطة، لم تستطع أن تضبط ساعتها على إيقاع زمن يتغير في كل لحظة.

ولذلك، يبدو مشهد النشر بالعالم العربي أو بغيره حافلا بكل الحالات المفارقة. فهناك دور نشر توجد داخل محافظ أصحابها، لا تستطيع أن تتنفس بعيدا عن أوكسجين الدعم، وهناك دور تولد لكي تموت، وهناك دور تقتات من خطاب أزمة القراءة لكي تأتي على حقوق كتابها، وهناك دور تستمر في عملها كما لو أنها ما زالت في عهد غوتنبرغ، غير منتبهة إلى كائن جديد اسمه الإنترنت الذي يجرف كل شيء، وهناك دور يقرأ أصحابُها منشوراتهم لأول مرة، بعد إصدارها، كبقية القراء.

لا يعني فناءُ دار نشر نهاية الكتاب ولا أفوله. فثمة أيضا دور كبرى تكبر، ودور صغيرة تملك القدرة على صنع المفاجأة. وتلك سُنة حياة الكِتاب.

كاتب مغربي

16