الدوغماتية وصناعة الطائفيات القاتلة

الجمعة 2015/04/17

ما حصل ويحصل في العراق، أن العقل السياسي العراقي مصاب بالدوغماتية، بمعنى أن أصل الداء فيما أصاب العراقيين من كوارث وفواجع وبلاء هو الدوغماتية قبل السياسة. وهذا الحكم ليس من عندنا، بل حقيقة أثبتتها الدراسات في ميدان علم النفس السياسي والاجتماعي، وصبرا علينا لحين فهم هذه “العلّة” الخفية.

معروف أن الدوغماتية تعني الجمود العقائدي والجزمية الفكرية والقطعية العقيدية، غير أن أكثرها تداولا هو اصطلاح الجمود الفكري. وقد انشغل الفلاسفة بتحديد مضمون الدوغماتية فمنهم من وصفها بأنها طريقة منغلقة للتفكير تصاحب أي أيديولوجية بصرف النظر عن محتواها ما إذا كانت دينية أو علمانية، ومنهم من حددها بتنظيم معرفي مغلق نسبيّا خاص بمعتقدات ولا معتقدات الشخص بخصوص الحقائق والوقائع والسلطة المطلقة، ومنهم من عدّها مفهوما افتراضيا يجمع بين عناصر من السلوك والآراء والأحكام الاعتقادية التي تقوم على التعلّق بموروثات لا يتوافر على صحتها أي دليل منطقي، وصنّفها آخرون على أنها صفة الأفراد الذين يسعون إلى فرض آرائهم بالسلطة أو بالنفوذ، وانتهى آخرون إلى أنها الاعتقاد الجازم واليقين المطلق المستند إلى مبادئ تقليدية راسخة دون البحث عن وجه الحق في التسليم بها.

والجديد الذي نضيفه هو أن الدوغماتية كانت السبب الرئيس للخلافات السياسية التي غالبا ما تنتهي بحروب، وأنها مرض يصيب خالقي الأزمات من القادة السياسيين. وأنها تكون على درجات، أخفها التمسك بأقوال مطلقة من غير دليل، صعودا إلى مقاومة الأفكار الجديدة، وعدم قدرة الفرد على تغيير سلوك أو تصرف يتطلّبه الموقف، وصولا إلى الاعتقاد الجازم اليقيني المطلق من دون دليل، وانتهاء بفرض السلطة على آخر أو آخرين. وأنها لا تتحدد ببعدها الفكري فقط، بل لها أبعاد تتعلق بامتدادها الزمني والفيزيولوجي أيضا، إذ وجدت الدراسات أن الدوغماتي متعلق بالماضي، وأن جهازه العصبي يكون مختلفا عن الفرد المنفتح عقليا.

وبفعل ما حصل من كوارث بشرية، فإن الجمود الفكري أغرى علماء السيكولوجيا والاجتماع. فالسوسيولوجيون يعزون الدوغماتية إلى الجماعة التي ينشأ فيها الفرد بوصفها من تساهم في صياغة القيم والثقافة والتصورات الاجتماعية والمقارنة بين الجماعات. ويرون أنه من خلال عملية التمثّل هذه تتكون لدى الفرد صورة إيجابية عن جماعته (طائفته أو عشيرته) تؤدي إلى تحيّزات معرفية وسلوكية نحو الجماعات الأخرى، وتوصل الدوغماتي إلى أن تجعله لا يسمع إلا نفسه، ولا يرى غيره، ولا يتقبل الرأي الآخر، لا بسبب عدم كفايته الشخصية وإنما لشعور الدوغماتي بأنه منبوذ من الآخرين.

والحقيقة النفسية الخافية عن الناس هي أنهم يحابون جماعتهم الطائفية وينظرون إلى أعضائها بمنظار غاية في المحاباة، إذ يرون أنفسهم أنهم يمتلكون صفات لطيفة وسلوكا مهذّبا وأنهم محبوبون للغاية. والعامل المزاجي في هذه الحقيقة النفسية هي أن الناس ينزعون إلى تصنيف عالمهم الاجتماعي إلى صنفين “نحن” و”هم”، وأنه من هذا التقسيم الدوغماتي نشأ التعصب الذي قاد إلى طائفية عزفَ السياسيون الإسلاميون العراقيون على أوتارها، وأوصلهم إلى السلطة، وأشعلوا الاحتراب الطائفي بين سنوات 2006 و2008، التي كانت في حقيقتها حرب معتقدات دوغماتية سخيفة بالية راح ضحيتها مئات الآلاف.

الدوغماتية كانت السبب الرئيس للخلافات السياسية التي غالبا ما تنتهي بحروب، وأنها مرض يصيب خالقي الأزمات من القادة السياسيين

والملاحظ، أن الغالبية المطلقة من العراقيين مصابون بالدوغماتية. فمن مظاهر هذه العلّة أنها تشكّل في العقل مكونا معرفيا ندعوه بالصور النمطية التي تعني تعميمات أو أحكاما غير موضوعية بخصوص جماعة أو طائفة معيّنة لا تستثني أحدا من أفرادها حتى لو كان أفضل من معظمهم. وأنك لو التقطت عراقيا بالصدفة لوجدت عقله محشوا بصور نمطية لا تحصى وبشكل عجيب غريب، ففضلا عن دوغماتية القومية والطائفة والجندر، فإن فيه دوغماتيات تقوم على أساس المدينة. فـ”المصلاوي” لدينا عنه صورة نمطية، وكذا البصرواي والنجفي والكوفي والعاني وناصرية والدليمي، ولك أن تلحظ ذلك حين يستلطف عراقي عراقيا آخر، وما إن يعرف أنه من أهل المدينة الفلانية حتى يتحول الاستلطاف إلى نقيضه، بل إن الأمر وصل إلى تلوين خارطة بغداد، في زمنها الديمقراطي، بما يظهر أحياءها وكأنها مدنا منعزلة.

وما نخشاه أن يكون القادم أخطر، فالدوغماتية الآن “مخدّرة” بفضل داعش التي اضطرتهم إلى أن يتوحدوا، ولكنها ستصحو ما إن ينتهوا من داعش ويضعهم الواقع أمام مهمة عطّلتها الدوغماتية أربع عشرة سنة وهي مهمة المصالحة الوطنية، والتي من أهم شروط تحقيقها أن تتمتع الأطراف السياسية بالانفتاح الفكري والقدرة على التسامح، فيما الغالبية المطلقة من قادتها ينتمون إلى إسلام سياسي دوغماتي طائفي أوصلهم إلى الشك المرضي بالآخر أي البارانويا. وسيبقون مع الديمقراطية طالما كانت الطائفية شغّالة في حضن الدوغماتية، فضلا عن عائق آخر يهدد المصالحة الوطنية في العراق، وهو طموح إيران في أن تكون بغداد عاصمة الإمبراطورية الفارسية.

وما يزيد في خشيتنا من مصير أسوأ، أن ما حصل من عمليات الأخذ بالثأر التي صاحبت استرجاع تكريت، وما سبقها من أعمال انتقام في سبايكر، قد يتكرر في الأنبار وفي الموصل، فتفتح بابا آخر لجهنم، ما لم يستثمر العراقيون غفوة الدوغماتية بتعزيز توحدّهم ونقله من حالة موقفية إلى حالة مبدئية، والبدء بفك شرنقة الدوغماتية عبر خطاباتهم في فضائياتهم التي زادت على الخمسين، بما يفتح نوافذ أوصدتها في عقولهم لسنين، وزادها سياسيو الزمن الديمقراطي بإغلاق ما بقي منها بالكونكريت.

وكان هذا سرّ نجاحهم بأن أوصلوا معظم العراقيين من ذوي الأصابع البنفسجية إلى أن يكونوا في دوغماتيتهم مثل حصان العربة، لا يرون إلا الذي أمامهم، حتى إذا كان في حساباتهم احتمال بأن يكون طريقهم إلى.. المقبرة.

رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

8