الدوق هيو غروزفينور شاب مسجون خلف قضبان الثروة

الأحد 2016/08/21
المليارات تثير قلق الأثرياء المساكين

لندن - تخيل أنك استيقظت فجأة ليعلمك أحدهم أنك قد صرت مليارديرا. ما هو أول شعور تتوقع أن يهيمن عليك بمجرد سماع الخبر. هل هي صدمة أم سعادة غامرة أم ربما حزن عميق؟ نعم أعني حزنا عميقا.

ثمة من يعتقدون أن الحصول فجأة على أموال بهذا الحجم هو مصدر حتمي للسعادة. لعل ثروة كهذه أحد مصادرها طبعا، لكنها قد تكون كذلك مصدرا للفساد والعزلة والفشل والسجن خلف قضبان من النفاق.

فهم جيرالد غروزفينور دوق ويستمينستر، الذي توفي الأسبوع الماضي، حجم مسؤولية ثروة ضخمة كان على وشك أن يرثها من عائلته. لم يكن الفتى حينها قد تخطى الخامسة عشرة من عمره بعد، لكن عندما علم بحجم الميراث أصابه همّ كبير.

لعله كان خائفا حينها من حقيقة أنه لم يكسب هذه الأموال من عرق جبينه، وأنها ستجبره على دفع ثمن هذا الربح المجاني لاحقا.

عاش جيرالد، كما يقول مقربون منه، طوال حياته مع حبل الهمّ الملفوف حول رقبته. لم يكن سهلا عليه تماما الفكاك منه، حتى عندما فكر جديا في التخلص من هذه الأموال التي كان يدرك أنها ليست ملكه لوحده.

قال جيرالد في أكثر من مناسبة “كنت أفضّل لو لم أولد ثريا، لكنني صرت لا أفكر إطلاقا في التخلص من هذه الثروة. لا أستطيع ذلك لأنها ببساطة ليست ملكي”.

عبء الميراث

أكثر ما يرعب الأثرياء طوال حياتهم هو ظهورهم كحلقة ضعيفة في سلسال العائلة الممتد. لا أحد يرغب في أن تأتي ذكراه فيما بعد بأنه ذلك الشخص الذي بدد ثروة العائلة.

في سبيل ذلك يكافح معظم الأثرياء لنقل هذه الثقافة القاسية إلى أبنائهم. هذا ما فعله جيرالد مع هيو غروزفينور، ابنه الذي لم يتخط الخامسة والعشرين بعد، لكنه صار فجأة أحد أكبر الأثرياء في العالم، بعد وفاة أبيه يوم الاثنين الماضي الرابع عشر من أغسطس 2016.

ورث هيو 9.3 مليار جنيه إسترليني، وورث معها حبل الهمّ الذي امتد من رقبة أبيه إلى عنقه دون أن يدري.

تحول هيو من مدير حسابات مغمور في شركة “بيو بين” البريطانية التي تعمل في إعادة التدوير، إلى هدف مثقل بطموح يراود فتيات حالمات، وأمهات باحثات عن صيد ثمين.

هيو يتحول بين ليلة وضحاها إلى ملياردير بعد أن ورث 9.3 مليار جنيه إسترليني، فتحول من مدير حسابات مغمور في شركة "بيو بين" البريطانية التي تعمل في إعادة التدوير، إلى هدف مثقل بطموح يراود فتيات حالمات، وأمهات باحثات عن صيد ثمين

لورين كيلي، المذيعة والكاتبة في صحيفة “ذا صن” تقول إن نشأة جيرالد الأب في أيرلندا عكست لديه إحساسا برغبته في البقاء هناك والعمل كمزارع.

حتّى عندما تولّى منصبا قياديا لاحقا في قوات حرس الحدود البريطانية، لم يشعر جيرالد بأنه صار أهلا لهذه الثروة الطائلة.

لم ينجح قط في التخلص من إحساس النقص تجاه العصاميين ورجال الأعمال الذين بنوا ثرواتهم بأنفسهم. كان رجلا صادقا حقا مع نفسه.

لكن هيو، الذي ورث نصف لندن، إلى جانب ثروة هائلة معفاة من الضرائب، يبدو على النقيض تماما من والده.

يحب الدوق السابع لويستمينستر ارتياد الحفلات الصاخبة، ويعشق التقاط الصور وسط الحسناوات وهو ممسك بكؤوس المشروبات. هذه هي الحياة الطبيعية لأيّ شاب ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطية اللندنية العريقة. شاب يمرح وسط حلقة ضيقة من الأصدقاء المقربين.

سيكون على هيو، بعدما صار فجأة ثالث أكثر رجل ثراء في البلد، التعايش مع ضيق هذه الحلقة شيئا فشيئا لدرجة قد تصل إلى مرحلة الاختناق من العزلة.

بالطبع ليس سهلا على الكثيرين، خصوصا في العالم العربي، الشعور بالشفقة على أشخاص يمتلكون المليارات. في أي عاصمة عربية قد يصمك الناس بالجنون لو حاولت إقناعهم بأن “شخصا فقيرا ينام في كوخ قد يكون أسعد كثيرا من ملياردير” ليس مجرد كلام إنشائي، بل واقع يعيشه ويؤمن به كثير من الأثرياء.

إحساس التطلع الحاقد لهم من قبل الغالبية العظمى من الناس هو عبء إضافي على كاهل الأثرياء. بعضهم يسمّيه حقدا طبقيا، والبعض الآخر يتفهم دوافعه، لكن في كلتا الحالتين يسدل هذا الشعور ستائر من “الخوف من الجميع” أمام أعين الأثرياء.

تقول ثاير ويليز، مؤلفة كتاب “الإبحار في الجانب المظلم من الثروة” إن الأثرياء “يدركون تماما أنه لا أحد يتعاطف معهم على الإطلاق، ولا أحد مستعدّ أن يتفهم العبء الذي يعانون منه”.

لعل تفهم ويليز لهذا الشعور نابع من أنها واحدة من هذه الطبقة التي تقابل أحد أفرادها كل يوم ضمن عملها في مكتب الاستشارات الذي تملكه، والمهتم بتقديم النصح للأثرياء حتى يكونوا قادرين على التعامل مع التحديات النفسية الناجمة عن الثروة.

جيرالد الدوق الذي فارق الحياة مؤخرا، يقول عنه المقربون إنه عاش طوال حياته مع حبل الهم الملفوف حول رقبته. لم يكن سهلا عليه الفكاك منه، حتى عندما فكر جديا في التخلص من هذه الأموال التي كان يدرك أنها ليست ملكه لوحده.

لكن ويليز تتفهم على وجه الخصوص ماذا يعني أن تكون ثريا في فترة عمرية صغيرة.

ملعقة الذهب

تملك عائلة ويليز شركة “جورجيا باسيفيك”، وهي شركة أخشاب تصل قيمتها إلى العديد من المليارات، ومن ثم فهي واحدة من ممن كانوا محظوظين كي يولدوا “وفي فمهم ملعقة من ذهب”.

لكنها لم تنج كذلك من ضريبة هذه “الملعقة” التي أحيانا ما تضفي الكثير من المرارة في الفم وما وراءه. تضيف ويليز “بالنسبة إلينا جميعا، تمثل العشرينات والثلاثينات من العمر سنوات التكوين والبناء، حين نصبح مستعدين للخروج إلى العالم واكتشاف من نحن، وماذا نحب أن نفعل، ومن نحب أن نرافق؟”.

وتختم بحسرة بالقول إن “التمتع بثروة في مثل هذه السن يتحوّل إلى نقمة على المحفزات الشخصية للإنسان، وحينها يصبح السؤال: ماذا عليّ فعله كي أحافظ على هذه الثروة؟ بدلا من أن يكون: كيف عليّ اكتشاف من أنا حقا؟ تحلق الناس حولك يصبح محل شك: هل هم منجذبون حقا لشخصي أم لهذه الثروة؟ هذه الأسئلة تعبث بالتطور النفسي لهذا الشاب الثري”.

ترس في ماكينة القلق

لا يدور هيو وثاير وحدهما في هذه الحلقة المفرغة من أيّ شيء آخر سوى الفراغ. كثيرون آخرون قرروا التعايش مع عبء الثروة وتكلفتها النفسية الباهظة.

لكن ثمة من لم يعد يحتمل وقرر التوقف من قبل أن يبدأ في السير. هؤلاء هم الأثرياء الجدد. أناس عصاميون أسسوا شركات أو صمموا ابتكارات أدرت عليهم المليارات، لم تنقل إليهم بحكم الدم أو الميراث.

يعتقد هؤلاء العصاميون أنه من الكافي تماما حصول أولادهم على تعليم باهظ التكلفة، ومبلغ يوفر لهم انطلاقة جيدة نحو حياة غنية بالمغامرات.

وارن بافيت، رجل الأعمال الأميركي المعروف، هو أحد ممّن قرروا ترك أموال كافية “كي تمنحهم شعورا بأنهم قادرون على فعل أيّ شيء، لكن ليس أكثر من ذلك بحيث تصبح عائقا أمامهم عن فعل أيّ شيء”.

قبله مباشرة أثار مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس زوبعة كبيرة عندما نقلت عنه تقارير أنه ينوي “اقتطاع 10 ملايين دولار لكل واحد من أبنائه” من ثروته البالغة 76 مليار دولار، وأنه سيخصص الباقي للأعمال الخيرية.

مارك زوكيربيرغ، مؤسس موقع فيسبوك الشهير، قرر مؤخرا ترك 1 بالمئة فقط من أصول تبلغ 45 مليار دولار لابنته، بينما قررت الإعلامية البريطانية نايجيلا لاوسون عدم ترك أي شيء لأبنائها "لأن الثروة تفسد الناس الذين يشعرون بأنهم لم يعودوا بحاجة لكسب المال"

حتى مارك زوكيربيرغ، مؤسس موقع فيسبوك الشهير، قرر مؤخرا ترك 1 بالمئة فقط من أصول تبلغ 45 مليار دولار لابنته، بينما قررت الإعلامية البريطانية نايجيلا لاوسون عدم ترك أيّ شيء لأبنائها “لأن الثروة تفسد الناس الذين يشعرون بأنهم لم يعودوا بحاجة لكسب المال”.

ذكرتني مقولة لاوسون بقصة حكاها لي أحد الأصدقاء البريطانيين الذين ينحدرون من أصول أرستقراطية. قال الرجل إنه بينما كان جالسا يتناول الفطور مع العائلة في شرفة بيتهم في ضاحية خارج لندن، باغتت الجدة ابنه المراهق بسؤال: ماذا تحب أن تفعل عندما تكبر. أمعن الصبي النظر في الأفق طويلا وظهر عليه استغراق في التفكير استهلك بعض الوقت، ثم نظر إلى والده فجأة وقال: أتمنى أن أصبح “وريثا”.

كانت هذه آخر إجابة يتوقّعها الحاضرون، لكنها أطلقت صافرة إنذار مدويّة بأن هذا الطفل قد يصبح الحلقة الأضعف في تاريخ العائلة بأكملها.

أستطيع أن أتخيل حجم القلق الذي ساور جيرالد غروزفينور وهو على فراش الموت من تحول ثروة طائلة كان محظوظا بما يكفي كي يولد ويجدها في حسابه، إلى سلاح مدمر لابنه هيو الذي يبدو غافلا عن تبعاتها.

ليس هناك من حلّ يدفع الأثرياء لعبور جسور عزلتهم إلى ضفاف المجتمع المحيط بهم الآن. سيتطلب الأمر تغييرا جذريا في حجم الفوارق الآخذة في الاتساع بين الأغنياء والفقراء، وفي النظام الطبقي السائد في مجتمعات الشرق والغرب، وفي نظرة المجتمع لهؤلاء الذين يتجوّلون حولنا بسياراتهم المرسيدس والفيراري ويسكنون غرفا فارهة في فنادق يصعب على غالبية الناس ارتيادها.

وكواحد من هؤلاء، سيكون على أحدهم في العائلة الملكية البريطانية رعاية “هذا الشاب الثريّ المسكين” حتى لا يضيّع ذاته وسط زحام البنكنوت.

سيكون على هيو التغلب على ميراث العبء، كي يصبح قادرا على التعايش مع عبء الميراث.

9