الدولار أكثر الجبهات سخونة بين الصين والولايات المتحدة

نظرة عميقة على موازين القوى تؤكد أن اندلاع حرب تجارية في الوقت الحالي أمر مستبعد بسبب تداخل الاقتصادات العالمية بدرجة يصعب فض الاشتباك فيها.
السبت 2018/03/31
جبهة الدولار الأكبر

رغم حمى التصعيد التجاري بين الولايات المتحدة والصين بشأن رسوم الرئيس دونالد ترامب على بعض الواردات الصينية، إلا أن جبهة الصراع الأكثر سخونة تكمن في مكان آخر وتتمثل في حربها الباردة لتقليص هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي.

تلك المناوشات التجارية ليست سوى القمة الطافية من جبل الجليد. وهي رغم هيمنتها على عناوين الأخبار والتحذيرات الواسعة من اندلاع حرب تجارية، لن تسفر عن شيء، ومن المرجح أن تنتهي بتقديم تنازلات شكلية من الطرفين لحفظ ماء الوجه.

استخدم الطرفان أعنف العبارات في وصف تلك المواجهة. وذهبت الصين المتحفظة عادة إلى القول إنها ممارسات خبيثة تفتح “صندوق الشرور” وقد تطلق موجة من ممارسات الحماية التجارية في أنحاء العالم.

لكن نظرة عميقة على موازين القوى تؤكد أن اندلاع حرب تجارية في الوقت الحالي أمر مستبعد بسبب تداخل الاقتصادات العالمية بدرجة يصعب فض الاشتباك فيها. كان يمكن أن يحدث ذلك قبل عشرين عاما حين كانت الروابط التجارية أقل بمئات المرات من مستوياتها الحالية.

اليوم هناك استثمارات أميركية بتريليونات الدولارات في الصين وأكثر منها من الجانب الصيني في الولايات المتحدة، إذا أضفنا الرصيد السيادي الصيني من السندات الأميركية التي تبلغ نحو 3 تريليونات دولار، وربما مثلها أو أكثر لدى الشركات والمستثمرين الصينيين.

يمكن لبكين إذا توقفت فقط عن شراء السندات الأميركية، أن تشل نشاط الحكومة الاتحادية الأميركية خلال ساعات وتؤدي إلى انهيار الاقتصاد الأميركي. لكنها بالتأكيد لن تفعل ذلك لأنها ستصحو في اليوم التالي على دمار الاقتصاد الصيني وفقدان مئات ملايين الوظائف لأن ربع الصادرات الصينية يذهب إلى الاقتصاد الأميركي.

كل ذلك يكشف أن معركة الرسوم التي يعتزم ترامب فرضها على الواردات الصينية والتي تبلغ قيمتها 60 مليار دولار، مجرد مناوشات استعراضية ستنتهي إلى تسوية ترضي الطرفين.

لا يمكن أن يكون ترامب جادا في فرض تلك الرسوم، وإذا كان جادا فإن المؤسسات الأميركية ستجبره على أن يصحو من أوهامه لأن تأثيرها على الأميركيين أكبر بكثير من تأثيرها على الصين.

ستنعكس آثار تلك الرسوم على المستهلك الأميركي وخاصة مؤيدي ترامب الفقراء من خلال ارتفاع الأسعار. وسوف تنعكس أيضا على الشركات الأميركية من خلال ارتفاع تكاليف الإنتاج.

أما الإجراءات الصينية المضادة التي لا يتجاوز حجمها 3 مليارات دولار، فإنها مجرد إنذار صغير، يبعث رسالة واضحة تؤكد لترامب خطورة اللعب بالنار وتؤكد له أن بكين لا تريد التصعيد.

تأثير الرسوم الصينية قد يكون أكثر قسوة رغم حجمها الضئيل مقارنة برسوم ترامب، لأنها مدروسة بعناية وتستهدف أنصاره في الولايات الذين أوصلوه إلى الرئاسة. ويمكن أن تقوض حظوظ الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه في الانتخابات النصفية المقبلة على مقاعد الكونغرس وحكام الولايات.

تلك الرسوم تستهدف مثلا صادرات السيارات التي تنتج في الولايات المؤيدة لترامب ومنتجات زراعية مثل فول الصويا، الذي يمثل ثلث واردات الصين من هذا المحصول.

تفاصيل حرب الرسوم تؤكد أن ترامب سيكون أكبر الخاسرين من هذه المواجهة. يكفي أن نشير إلى أن 45 اتحادا صناعيا وتجاريا وزراعيا في الولايات المتحدة أعلنت غضبها ورفضها لتلك الرسوم.

أما جبهة الدولار الأكبر والأكثر سخونة فإن مساحتها تفوق مساحة تلك المواجهة التجارية بآلاف المرات. فقوة الولايات المتحدة التي لا منازع لها، تأتي بشكل أساسي من مكانة الدولار كعملة احتياطات عالمية وهي التي تغذي قدراتها العسكرية والاقتصادية.

الصين وجميع الخبراء يدركون أن هيمنة الدولار المطلقة تشكل خطرا كبيرا على النظام المالي العالمي. ولا تخفي بكين منذ الأزمة المالية العالمية قبل 10 سنوات محاولاتها لتقليص وساطة الدولار من تعاملاتها مع دول كثيرة في أفريقيا وأميركا اللاتينية وشرق أوروبا والشرق الأوسط.

أخطر ما صدر عن الصين في المناوشات التجارية الأخيرة هو تسريبها خبرا يؤكد أنها تعتزم استخدام عملتها اليوان في سداد مقابل وارداتها النفطية، وهو ما يمكن أن يضعف مكانة الدولار، لأن الصين أكبر مستورد للنفط في العالم وسيؤدي ذلك لتعزيز دور اليوان في التعاملات العالمية.

كل ذلك يؤكد أن اندلاع حرب تجارية بين واشنطن وبكين أمر مستبعد لأن الولايات المتحدة ستكون أكبر الخاسرين ولن يكون هناك أي رابح من تلك المعركة.

رسائل الصين إذا لم تكن تصل إلى ترامب فإنها تصل حتما إلى المؤسسات الأميركية. وقد قدمت بكين إلى جانبها تنازلات اقتصادية للجانب الأميركي لتهدئة المواجهة. بل استدرجت زعيم كوريا الشمالية إلى بكين لتقديم هدية أخرى في أحد أكثر الملفات السياسية سخونة في العالم.

10