الدولة الإسلامية: الجيل الثالث من الإسلام الحركي المترتب عن الربيع العربي

التغيرات الإقليمية التي تسببت فيها الحركات الإسلامية المتطرفة والمسلحة دفعت العديد من الباحثين إلى محاولة اكتشاف قوانين تطور هذه الحركات وكيفية انتقالها ومواكبتها للسياقات الدولية المتغيرة باستمرار، للتمكن من توقع مسارها في المستقبل. وقد استقر الأمر منهجيا في تتبع هذا التطور عبر مقاربة الأجيال. إذ صنف الباحث المصري طه علي أحمد هذه التنظيمات إلى ثلاثة أجيال بدءا من السبعينات من القرن العشرين إلى حدود اليوم.
الاثنين 2015/10/05
أحدث ما وصلت إليه أجيال الحركات الإسلامية هي داعش والمُنتظر تطورها في شكل آخر

القاهرة - يمثل الجيل الأول من التنظيمات المركزية في مصر تلك التنظيمات التي تبنت أرضية عقائدية شديدة التطرف ومنهج العنف في التعاطي مع الدولة والمجتمع، وقد نشطت أساسا في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، ومن أبرزها تنظيم الجهاد، والتكفير والهجرة، والجماعة الإسلامية المسلحة في مصر، والجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر، وعصبة الأنصار في لبنان، والجماعة الليبية المقاتلة. فضلا عن عدد من التنظيمات خارج العالم العربي، مثل حركة المجاهدين، وتنظيم جيش محمد في باكستان، وجماعة أبي سياف في الفلبين، ثم الجماعات التي نشأت في ظل القتال ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان.

أما عن الجيل الثاني من هذه التنظيمات فهو ما أطلق عليه “جيل الجهاد الأممي” الذي نشأ في العام 1998 في أفغانستان بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، حيث تم تأسيس تنظيم القاعدة.

أما الجيل الثالث والأخير فيتمثل في تنظيم القاعدة، بعد أن انفرط عقده بين الدول المصدرة للمجاهدين، أو جماعات محلية، لكن تحت العباءة الفكرية نفسها للقاعدة وأخواتها، مع تعديلات في بعض الحالات، ومن أبرز تنظيمات الجيل الثالث، تنظيم الدولة الإسلامية في العراق

والشام، الذي تحول لاحقا إلى ما يسمى “الدولة الإسلامية”، وجبهة النصرة في سوريا، وأنصار بيت المقدس في مصر، وأنصار الشريعة في ليبيا وتونس والقاعدة في بلاد المغرب العربي، وأهل السنة للدعوة والجهاد بوكو حرام في نيجريا وغيرها.

ويتسم الجيل الثالث من تلك الجماعات كما يوضح الباحث محمد إسماعيل في دراسة بعنوان “خريطة الجيل الثالث من تنظيمات العنف في مصر” بعدد من القواسم المشتركة يتقاسمها مع الأجيال السابقة من التنظيمات التي مارست العنف في إطار مرجعية دينية يمكن حصرها في جملة من النقاط التي من أهمها أن تلك التنظيمات تحمل دوافع انتقامية نظرا إلى أنها ترى أن التيار الإسلامي تم إقصاؤه عن السلطة بناء على مؤامرة اشتركت فيها أطراف متعددة، فضلا عن اعتقادها بتعرض أنصاره لمذبحة توجب عليهم الانتقام من مؤسسات الدولة التي ساهمت في تلك “المؤامرة”.

كذلك، تستند هذه التنظيمات في نشاطها بشكل مباشر إلى خطاب “المظلومية الكبرى” الذي روجته التيارات الإسلامية عقب عزل محمد مرسي وفض اعتصامي رابعة والنهضة.

وفي الحين الذي كانت فيه الأجيال السابقة تسعى للسلطة، فإن الجيل الثالث قد وصل بالفعل إلى السلطة لأول مرة في تاريخه وتسرب حلم الدولة الإسلامية من بين أيديهم. وعلى الرغم من تخوف الأجيال السابقة من الديمقراطية ومفرداتها (الانتخابات، والمشاركة السياسية …إلخ)، الذي غلب عليه طابع التحريم، إلا أن هذا الجيل يمارس العنف دفاعا عن الأصوات والصناديق الانتخابية التي تم إهدارها بعد عملية ديمقراطية نزيهة.

تستغل الحركات المتطرفة ما يروج له الإخوان من مظلومية لاستمالة قواعد الإسلاميين الشباب

وتؤكد آراء العديد من الباحثين أن الجيل الثالث من التنظيمات الإسلامية يحرص دائما على ربط حركته بحركة الجهاد العالمي، حيث أبدى غالبيتهم التعاطف مع داعش والقاعدة.

ويزداد الخطر في هذا المستوى حين تحظى التنظيمات الإسلامية من هذا الصنف بحاضنة شعبية تتمثل في البسطاء والمرتبطين بمصالح مادية واجتماعية بهذه التنظيمات وبعض الشباب المسيس الذين وثق في ما سمي “التجربة الديمقراطية التي صعدت الإخوان إلى الحكم”، وعلى الرغم من وجود قطاع منهم يدين العنف إلا أنه يبرره بأنه في سياق طبيعي نتيجة للإطاحة بالرئيس المدني المنتخب.

وبالنسبة إلى الداخل المصري، باعتبار أن مصر تمثل المعقل الأيديولوجي للفكر الإسلامي بشكل عام بعد أن نشأت فيها حركة الإخوان المسلمين في بداية القرن العشرين، فإن هذه هي المرة الأولى التي ينتقل فيها مركز ثقل تنظيمات العنف في مصر بشكل واضح من القاهرة والدلتا حيث تتركز الكتلة الكبرى من السكان إلى الأطراف الحدودية ذات الكتل السكانية الأقل كثافة وتحديدا شبه جزيرة سيناء.

وهناك من يربط واقع تحولات الإسلام السياسي بالترتيبات الإقليمية بمنطقة الشرق الأوسط، فما يحدث في منطقة الشرق الأوسط يتعلق بإعادة تشكيل خريطته المنبثقة عن اتفاقية “سايكس – بيكو”.

أما الدولة الإسلامية فإنها عوضت النموذج الهرمي القابل للاختراق بنموذج الشبكة، وهذا النموذج يعد مفتاح الاتصال بين الحركات والخلايا الإسلامية بمختلف أشكالها السياسية والمسلحة، فنموذج الشبكة يقوم على الانتشار غير المرتبط بعضه ببعض بشكل واضح، ويرتكز إلى وسائل الاتصال الحديثة ليمرر الرسائل فيما بينه. ويمكن إعادة انتشار الجماعات الإرهابية بين صفوف الشباب بشكل سريع إلى ضعف التجربة الديمقراطية في دول الربيع العربي وتعرضها إلى الاختراقات الدولية التي

تعمل على تصعيد حالات معينة من التطرف لخدمة أجنداتها.

ومن ناحية أخرى فإن دور الإعلام كان سلبيا بدرجة ما حيث أسس إلى صراع أيديولوجي بين الناس قسم المجتمعات إلى أحزاب ومجموعات متصارعة وغير قابلة بعضها ببعض، الأمر الذي انتهى إلى فقدان الثقة في الدولة والأجهزة والنظام والتطبيع مع واقع التطرف والإرهاب، وهو ما استغلته الحركات الإسلامية للتوسع بشكل أفقي داخل المجتمع.

* خلاصة من بحث طه علي أحمد “اتجاهات تحولات الإسلام السياسي في مصر”، ضمن الكتاب 104 (أغسطس 2015) “تحولات بعيون المتحولين” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13