الدولة الإسلامية تبايع نفسها على عرش أعداء سوريا

الأربعاء 2013/10/23

باتت النشاطات الإعلامية في الآونة الأخيرة ضمن الأراضي السورية هي الأكثر خطورةً على ممارسيها من بين مجالات الحياة كافة، والتي أخذت تزداد سوءا وصعوبة يوما بعد آخر، فلم يعد النظام السوري وحده العدو المباشر للصحفيين والناشطين الإعلاميين، بل باتت أطراف أخرى معادية «نظريا» لنظام الأسد توصف بالمتطرفة، أصبحت هي الأخرى عدوا رئيسيا للإعلام وحرية التعبير، لتغدو بعض المناطق الخاضعة لسيطرة الكتائب المتشددة، تصنف كأسوأ بقاع العالم في حرية التحرك والعمل الإعلامي.

ولم يعد الأمر مرهونا بسياسة تحرير المؤسسة الإعلامية فحسب «بأن تخالف التيارات العامة أو أن تنتقد الفئات المسيطرة»، كما يفعله النظام السوري بقمعه لجميع الإعلاميين المناهضين له، بل أصبح العداء في الأشهر الأخيرة للإعلام في سوريا يتخذ صفة العمومية، فيكفي بأن تكون ناشطا إعلاميا أو عاملا بالمجال الإعلامي لتصبح هدفا مباشرا لعمليات القتل والاعتقال أوالخطف، ولم تعد جغرافية المكان تشفع للصحفي، فعندما كانت المناطق الخاضعة للنظام السوري هي وحدها المحرمة على العمل الإعلامي، وبفضل الفصائل الإسلامية الراديكالية، انضمت العديد من المناطق المحررة إلى خارطة تحريم العمل الإعلامي.

صحيفة «نيويورك تايمز» كشفت عبر تقرير لها في شهر آب الماضي، أن جماعات مسلحة متطرفة وشبكات إجرامية قد انخرطت في عمليات اختطاف الصحفيين، في مسعى منها للحصول على فدية مالية أو أسلحة أو كليهما معاً، مشيرة إلى أن الصحفيين الأجانب هم الأهداف الأساسية لعمليات الخطف تلك، بحيث أن معظم من يتم اختطافهم من الأجانب الذين يدخلون سوريا دون الحصول على إذن السلطات في أغلب الأحيان على حد قول الصحيفة.

إلا أن الأمر في سوريا وبالأخص في شمال شرق البلاد، قد تجاوز في الفترات الأخيرة وصف التقرير الوارد في الصحيفة الأميركية، الذي صوّر الأمر على أنه انتهاكات مدرجة ضمن المنفعة المادية «المال والسلاح» لعصابات إجرامية مسلحة، لتدل التقارير الواردة من الداخل السوري عموماً ومن محافظتي الرقة وحلب على وجه الخصوص، إلى أن الممارسات التي تتبعها «الدولة الإسلامية في العراق والشام» تتعدى ذلك، وتتحول في حقيقة الأمر إلى نهج متّبع من «الدولة» للسيطرة على الأراضي السورية ضمن ممارسات قمعية مشابهة لسيناريوهات نظام الأسد لكنها كتبت بلغة أفصح، والتي تهدف بالمحصلة لإسكات الشارع السوري الذي انتفض أصلاً على نظامه القمعي، والأمر الذي بات يبدو جليا بأنه يصب بعكس مصالح الشعب السوري، لما تحمله «الدولة الإسلامية» من أهداف أوسع من إسقاط نظام الأسد وبعيدة كل البعد عن متطلبات الشعب السوري.

نشرت مؤسسة أنا للإعلام الجديد ANA بتاريخ 18 تشرين الأول 2013 بياناً تدين فيه تصرفات «الدولة الإسلامية في العراق والشام» بعد أن قامت مجموعة من عناصرها باقتحام مكتب المؤسسة في مدينة الرقة علناً، ومصادرتهم لجميع محتوياته من أجهزة اتصال وحاسبات وأدوات الكترونية وبيانات خاصة بالمؤسسة وإغلاق المكتب دون أي وجه سبب، وجاء في البيان ذاته أن مسؤول مكتب المؤسسة في الرقة «رامي الرزوك» قد اختفى في ظروف غامضة من أحد نقاط التفتيش بين مدينتي الرقة والطبقة الخاضعة لسيطرة «الدولة الإسلامية في العراق والشام» قبل نحو أسبوعين من تاريخ الاقتحام، ما أثبت ضلوع الدولة في اختطاف «الرزوك».

كما أشارت العديد من التقارير الواردة من مؤسسات ونشطاء إعلاميين سوريين، إلى حوادث كثيرة تعرضت فيها الدولة الإسلامية إلى مواطنين صحفيين تركزت في محافظتي الرقة وحلب، فقد قامت مجموعة من المسلّحين بتاريخ 14 أغسطس 2013 باختطاف الناشطين محمد العمر وسمر صالح من مدينة الأتارب في حلب، أثناء قيام محمد بتصوير تقريرا لإحدى القنوات الإعلامية عن إعادة إعمار المدينة، وتمّ اقتيادهما تحت تهديد السلاح إلى جهة غير معروفة، وقام أحد الأشخاص في مساء ذات اليوم بالدخول إلى حسابات «السكايب» التابعة للناشطين المختطفين معرفا عن نفسه كأحد عناصر «الدولة الإسلاميّة في العراق والشام» مدعيا أن التهم الموجهة لجميع الناشطين هي «الإساءة للدولة الإسلامية في العراق والشام» إعلاميا، باعتبار مهمة الناشطين محصورة فقط بدعم مسار الدولة الإسلامية في وجه خصومها من مكونات الشعب السوري على حد قول الخاطفين، دون الاعتراف بأي شكل من أشكال الحريات المهنية أو الصحفية أو حرية التفكير.

كثيرة هي الحوادث التي تصب في نفس التفاصيل، وجميعها تشير إلى ذات الجاني المتمثل بعناصر الدولة الإسلامية في العراق والشام»، الأمر الذي يتطلب التحرك السريع والجاد، للحد من هذه الانتهاكات التي لا تصب إلا في زيادة معاناة الشعب السوري وتفكك نسيج مجتمعه. ويذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن مدينة الرقة بالذات شهدت في الفترات الأخيرة تظاهرات مدنية عديدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» للمطالبة بإطلاق سراح مئات المحتجزين، من بينهم الراهب الإيطالي «باولو دالوليو» الذي لا يزال مصيره مجهولا منذ يوم ذهابه إلى مقر الدولة الاسلامية الواقع في مبنى محافظة الرقة لمقابلة أمير في الدولة، يوم 29 تموز الماضي.


كاتب سوري



ينشر بالتعاون مع خدمة أنا ANA للإعلام

9