"الدولة الإسلامية" تجبر الغرب على "تحيين" نظرته للإرهاب

الأربعاء 2014/09/03
السلطات في كوسوفو تعتقل أحد الألبان المنتمين إلى تنظيم داعش في سوريا والعراق

لندن - “سحب الجنسية من الهولنديين الذين سافروا إلى سوريا يعني أن هؤلاء غير مرحب بهم في هذا البلد لأنه لن يكون بإمكانهم العودة إليه”. بهذه الكلمات استهل وزير العدل الهولندي فان فايليغايد ندوته الصحفية أخيرا للإعلان عن الإجراءات التي اتخذتها هولندا في حق الذين ثبت سفرهم إلى سوريا والعراق للقتال ضمن التنظيمات الإرهابية هناك. ولم تكن الإجراءات الهولندية هذه بمعزل عن تلك التي اتخذتها دول غربية أخرى لمكافحة ظاهرة تجنيد الشباب ذي الأصول العربية والمسلمة للقتال مع تنظيمات خطيرة مثل القاعدة وداعش، فقد رفعت السلطات البريطانية درجة تحذيرها من هجمات إرهابية محتملة داخل أراضيها، فيما تعتزم الولايات المتحدة إنشاء تحالف دولي لمكافحة “الميليشيات الإرهابية” تحت راية الأمم المتحدة.

ويقول مراقبون في بعض التقارير الإعلامية إن أوروبا اليوم بصدد تحمل مسؤولية مواقفها “المتحمسة لسقوط الأنظمة التي تقلقها”، وذلك عندما أغفلت دوائر الاستخبارات عينها عن تشكل تنظيمات وميليشيات إرهابية متطرفة في سياق الحروب التي تعصف بالمنطقة الآن خاصة في سوريا والعراق. وها هي بريطانيا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وأميركا ودول أخرى غربية، تتخذ إجراءات الوقاية من هجمات محتملة تستهدفها في أراضيها، وهو ما أجبر دوائر القرار الأوروبية على إعادة النظر في سياساتها الخارجية.


لا أمل في العودة


بعد أن حذرت أجهزة الدفاع والاستخبارات الإيطالية في العديد من المناسبات من خطورة تسلل المقاتلين العائدين من بؤر التوتر في سوريا والعراق عبر زوارق الهجرة غير الشرعية (على لسان رئيس أركان الدفاع الإيطالي الأدميرال لويجي بيناللي)، أضحت الإجراءات للدخول إلى الأراضي الإيطالية والأوروبية بشكل عام أكثر بيروقراطية وتشددا من ذي قبل.

فقد صرحت العديد من الوجوه الأمنية والسياسية في إيطاليا عن التوجه إلى السواحل وتشديد الرقابة بشكل كبير على زوارق الهجرة غير الشرعية. وبعد أن فقد المتطرفون المنتمون إلى تنظيمات القاعدة وداعش الأمل في العودة إلى دولهم في أوروبا عبر المداخل الشرعية كالمطارات والموانئ، لم يكن أمام هؤلاء اليوم سوى الدخول “خلسة” إلى أوروبا.

ويؤكد الأدميرال بيناللي في حواره لإحدى الصحف المحلية الإيطالية، أن “هؤلاء ليسوا عائدين إلى دولهم كي يحلقوا لحاهم ويعودوا إلى الحياة الطبيعية في المدارس والمتاجر والشوارع، إنهم قنابل موقوتة يمكن أن تفتك بنا”. وقد وصلت الإشارات الإيطالية هذه إلى العديد من دول أوروبا، وبدأت فعلا بعض الدول في أخذ الاحتياطات اللازمة التي تطورت درجات عن الإجراءات التي اتخذتها في الماضي.

فقد أعلنت الحكومة الهولندية نهاية الأسبوع الماضي عزمها سحب الجنسية من المقاتلين الإسلاميين المتطرفين “حتى في حال عدم إدانتهم المسبقة أمام القضاء”.

ويعتبر مثل هذا القرار الصادر عن وزارة العدل من القرارات الجريئة في بلد يعتبر حق التقاضي “مقدسا”، ولكن في هذه الحالة، لم يكن أمام الهولنديين سوى اختيار أمنهم وسلامة بلادهم، إذ لم يشهد هذا القرار معارضة أو تململا من الشارع حسب تقارير الصحف الهولندية.

العائدون من سوريا والعراق لن يحلقوا لحاهم ويعودوا إلى الاندماج في المجتمع، إنهم قنابل سوف تفتك بالأوروبيين


بريطانيا تفزع


قال رئيس الوزراء البريطاني دايفد كاميرون في ندوته الصحفية الأخيرة أن أجهزة الاستخبارات تعتقد أن ما لا يقل عن 500 مقاتل يحملون الجنسية البريطانية ذهبوا فعلا إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف أخطر التنظيمات الإرهابية المتشددة وهي “الدولة الإسلامية”، وأضاف كاميرون أن هؤلاء “بصدد التجهز للعودة إلى بريطانيا”.

وقد أعقب تصريح كاميرون، تحذير حكومي صادر عن جهاز مكافحة الإرهاب البريطاني يمكن وصفه بالتحذير “الصارم”. فقد احتوى علامة حمراء يقول فيها أن “هجوما ما سوف يحدث في إحدى المدن البريطانية وهذا الاحتمال عال جدا”.

ويرى عدد من الخبراء في الشأن الأوروبي أن نسبة الحساسية من أخطار الإرهاب لدى الأجهزة الأوروبية قد أضحت عالية جدا، وذلك بسبب “حرص السلطات على عدم إغفال أي تفصيل وإن كان صغيرا في المسألة الأمنية لمكافحة الإرهاب”. فالأجهزة البريطانية تعلم جيدا أنها وفي سياق مكافحتها للإرهاب “بصدد التعاطي مع مجموعات ذكية جدا”.

وقال كاميرون في مؤتمره الصحفي أن “ما نواجهه في العراق الآن مع تنظيم الدولة الإسلامية هو أكبر تهديد لأمننا مما شهدناه من قبل”، مشيرا إلى أن الجماعة الإرهابية تشكل خطرا أكبر من تنظيم القاعدة.

وقد استولى تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي على مساحات شاسعة من العراق وسوريا المجاورة في الأشهر الأخيرة مما أثار المخاوف الدولية من ظهور جيب إقليمي متشدد يكون أخطر على مصالح الغرب من الأنظمة التي تحاول الدول الغربية إسقاطها مثل النظام السوري، لذلك تؤكد تقارير أن الأوربيين والغرب بشكل عام بصدد إعادة صياغة رؤيتهم للسياسة الخارجية لبلدانهم، وهو ما ظهر في أميركا في الأيام الأخيرة من تضارب في التصريحات بين إدارة البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية.


الحشد الأميركي


أمام “تعاظم” خطر الميليشيات المسلحة الإرهابية في مساحات واسعة من بعض الأقطار العربية (ليبيا، سوريا، العراق، الحدود مع لبنان)، تندفع الأجهزة الأميركية بكامل ثقلها إلى إيجاد السبل الكفيلة لمكافحة تلك التنظيمات وعلى جميع الجبهات.

فعلى مستوى السياسة الخارجية، أعلن باراك أوباما في العديد من المناسبات في الآونة الأخيرة أن لإدارته “استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط”.

وقد أعقب هذا الإعلان، تصريح لوزير الخارجية جون كيري لتلفزيون أميركي عن اعتزام الولايات المتحدة “إنشاء تحاف دولي لمكافحة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة مثل تنظيم “الدولة الإسلامية” وذلك بمساعدة الأمم المتحدة.

وتأتي هذه الاستراتيجية الدبلوماسية التي تنم عن بداية ماراطون أميركي للحشد الدولي لضربة عسكرية ما في الشرق الأوسط، عقب تدخلات جوية لضرب معاقل تنظيم داعش في شمال العراق وتسليح قوات البيشمركة الكردية للتمكن من حماية نقاط التماس بين المدن الكردية والمدن التي سيطر عليها التنظيم. ليتضح تخطيط الأميركان شيئا فشيئا حول تهيئة الرأي العام الدولي لتدخل تتأهب له أميركا.

يذكر أن كيري ووزير الدفاع تشاك هاغل يعتزمان التشاور مع الحلفاء الأوروبيين حول خطوة إنشاء تحالف دولي لمحاربة تلك التنظيمات الإسلامية المتطرفة وذلك خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المزمع عقدها يومي الرابع والخامس من سبتمبر المقبل في ويلز ببريطانيا.

وأضاف كيري أنه ووزير الدفاع هاغل سيقومان بعد ذلك في منطقة الشرق الأوسط بـ”الترويج لدعم تحالف لمكافحة الإرهاب”.

ورأى أن كل دولة يمكن أن تلعب دورا في ذلك سواء كان ذلك عسكريا أو بتقديم مساعدات إنسانية أو المساعدة في إعادة البناء الاقتصادي أو إعادة الثقة من جديد بين الجيران.

13