الدولة الإسلامية تحقق حلم الغرب في صدام الحضارات وتشويه الإسلام

الأربعاء 2014/11/26
ظاهرة داعش غير مقيدة بمكان واحد بسبب العولمة لذلك يطالب العالم بمقاومتها أينما حلت

العراق - من غير المعقول أن يصل تنظيم لصوصي يواجه حملة دولية ضده إلى إنشاء ما سماه “دولة إسلامية” تذبح وتقتل وتشرد باسم الإسلام دون أن يكون لهذا التنظيم المغمور سند إقليمي أو دولي استخباراتي قريب منه، يقوم بدعمه وإرشاده، خاصة وأن هذا التنظيم الإرهابي قد أعلن صكه لعملة خاصة به من الذهب والفضة والورق، بكل ما يتطلبه هذا العمل من خبرات اقتصادية ومالية دقيقة تكشف عن مكامن هذا التنظيم وجدية خطورته وارتباطه بسياق إقليمي ودولي يدفعه إلى الأمام.

لا تزال الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروفة إعلاميا باسم تنظيم “داعش” تواصل تحدي المجتمع الدولي، وتتعامل مع العالم وفق ما تراه، ووفق ما يتلاءم مع رؤية صانعيها الذين لهم المصلحة في دق إسفين هذا التنظيم في المنطقة.

فحتى مع استمرار ضربات التحالف الدولي الذي تقوده أميركا على المناطق التي يسيطر عليها داعش، بقي هذا التنظيم على قيد الحياة، بل وواصل خطواته الاستفزازية.

فقد أصدر ما يسمى “ديوان بيت المال بعد موافقة مجلس شورى التنظيم على صك عملته الخاصة من الذهب والفضة والنحاس، والتي تشتمل على رموز مثل سيقان القمح والدرع والرمح وخريطة للعالم، وهي إشارة إلى الطموحات العالمية للمجموعة المتطرفة نحو السيطرة على العالم”.

هذا الحدث، وإن بدى خطيرا على مستوى الرسائل السياسية التي بعث بها تنظيم “الدولة الإسلامية” للعالم وخاصة الدول العربية المحيطة بالعراق وسوريا، إلا أنه كشف عن معرفة دقيقة بالأيديولوجيا الإسلامية ومراحل “إقامة الدولة” وخصائصها واحتياجاتها لرقعة جغرافية ما، تتضمن مجموعة بشرية وإدارة سياسية، لتتفاعل مع محيطها الخارجي.

داعش تعرف جيدا ما الذي يعنيه صك عملة من الذهب، ففي الأمر دراية عميقة بالسوق المالية، وهذا غير عفوي

وقد ميّزت هذه الخصائص تنظيم الدولة الإسلامية عن الجماعات الإرهابية المتشددة الأخرى، كتنظيم القاعدة وبوكو حرام والجماعات المقاتلة في دول المغرب العربي، إذ تتطابق شعارات هذا التنظيم المتطرف مع سلوكاته التنظيمية والحربية، وهاهي تتمظهر على شاكلة اقتصادية لتعلن صك عملة مستقلة تحمل الحلم الموهوم بخلافة عالمية، على العكس من التنظيمات الإرهابية الأخرى التي اقتصرت طيلة عشرات السنوات على الهجمات الإرهابية والحملات الإعلامية واستقطاب المقاتلين وتدريبهم، دون أن تشكل دويلات أو حتى إمارات خاصة بها تتكون من سلطة سياسية وإدارة وعملة نقدية و”منظومة قانونية” تنجز عبر إكراه الناس عليها.

وقد أكد عديد الخبراء في المجال الاقتصادي أن داعش يعرف جيدا ما الذي يعنيه صك عملة من الذهب، ففي الأمر دراية عميقة بالسوق المالية العالمية. وفي هذا الإطار يقول عادل المهدي، أستاذ الاقتصاد الدولي بجامعة حلوان، إن “مخطط داعش الاقتصادي يهدف لتعزيز السيطرة على المعادن وعلى رأسها الذهب، لأن التنظيم يدرك أن الذهب هو نظام مالي عالمي لتحديد قيمة العملة في أي دولة حول العالم، بالإضافة إلى أن الأسواق المالية تعمل بشكل متوازن ومنضبط اعتمادا على معدن الذهب، باعتباره معيارا دوليا وكفة ميزان بين السلع والمنتجات وحجم السيولة النقدية”. فالأمر إذن مقصود ومدروس بشكل مسبق، ويكشف خطورة بالغة في قدرات هؤلاء الإرهابيين.

إذ يسعى تنظيم داعش إلى الحصول على عملة نقدية ذات قيمة لتكون ناجحة، ولإجبار دول العالم على تداولها والاعتراف بها وبمشروعية وجود الدولة الإسلامية في العراق والشام، وأن يكون العالم على استعداد لقبول هذه العملة مقابل السلع أو الخدمات التي يصدرها لبعض حلفائه. كما يريد التنظيم استبدال ورواج عملته النقدية مقابل البضائع أو الخدمات، إلى جانب دفع رسوم مرور للأفراد والشاحنات بين مختلف الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الجماعة الإرهابية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن داعش يسيطر على الكثير من آبار البترول في المناطق الحدودية بين العراق والشام، ومن المتوقع أن تكون تركيا أولى الدول التي ستعلن اعترافها بهذه النقود، لاسيما وأن إسطنبول تستورد البترول من داعش، وسيكون بينهما تبادل تجاري للسلع والخدمات والنقود خلال الفترة المقبلة. وبرأي الكثير من الأكاديميين والملاحظين، فإن وصول تنظيم إرهابي متشدد مثل “الدولة الإسلامية” إلى هذه المرحلة المتقدمة من الوجود ككيان، يتطابق إلى درجة بعيدة مع أطروحات فلاسفة “الصدام الحضاري” الذين ظهروا في الولايات المتحدة الأميركية إبان سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار جدار برلين.

الدولة الإسلامية تمثل أداة لتصعيد الصراع في العالم بين غرب متحضر وحضارات أخرى متخلفة بإخراج أميركي

فبعد أن تميّز العالم في الفترة السابقة بالحرب الأيديولوجية بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي، إلا أنه اليوم يقوم على صراع عنيف بين حضارة الغرب “العولمية” القائمة على المعقولية الليبرالية والفردية الاستهلاكية وبين مجموعات الرفض في الحضارات الإنسانية الأخرى. لكن الإخراج الإعلامي الذي تريده أميركا من خلال هذا الصراع هو أن الغرب العقلاني يحارب غول الإسلام المتطرف والإرهابي وأن مصير الإنسانية محتوم بدخول كل حضارات العالم إلى بوابة العولمة الغربية، وإلا ستكون عاقبة الإنسان “الذبح”. وبالتالي، فإن وجود تنظيم مثل الدولة الإسلامية على تلك الشاكلة العنيفة والقذرة والمتوحشة، والهالة الإعلامية المحاطة به والتي صنعت منه وحشا متغولا، يساهم بشكل مباشر في تأجيج الصراع الموهوم بين “الخير الأميركي” و”الشر الإسلامي المتشدد”. وبهذا الشكل يتم المرور إلى المجتمع العالمي الواحد والنمطي الذي تبحث عنه قوى الغرب كشكل جديد من الاستعمار أكثر نعومة وأشد خطرا وفتكا.

ولا تخلو هذه الاستراتيجية التي تنتهجها الولايات المتحدة الأميركية من إيجاد حلفاء في المناطق القريبة من مسرح الصراع، فقد أكد خبراء أن العملة التي أعلن عنها تنظيم داعش لم تكن لتخرج للعلن لو لا تأكد القائمين عليها من أنه سيتم تداولها في بعض الأسواق، رغم الإقرار القطعي بأنها ستفشل بعد ذلك. إذ يوضح إبراهيم العيسوي، أستاذ الاقتصاد المصري، أنه من البديهي أن تفشل عملة داعش النقدية لعِدة أسباب، أبرزها أنها منظمة غير قادرة على بناء ثقة متبادلة مع المجتمع الدولي، بالإضافة إلى أنها جماعة إرهابية، وهناك حملة دولية واسعة النطاق ضدها في المنطقة، وبطبيعة الحال فإن المجتمع الدولي لن يقبل بعملة مدعومة من الدولة الإسلامية. ولكن العيسوي يؤكد أن الفترة القادمة ستكون فرصة لبعض الدول الإقليمية لتبادل هذه العملة بهدف غسل أموالها والاستفادة من البترول الذي تسيطر عليه عناصر داعش في العراق وسوريا.

وفي المحصلة، فإن أي حركة يقوم بها تنظيم “داعش” تكشف مدى ارتباطه بالنظام العالمي الجديد الذي أفصح عنه من منابر الكونغرس في بداية تسعينات القرن الماضي، فهو المعول الجديد لتبرير غطرسة الغرب وجموح رغبته في العيش مترفها على حساب الإنسانية كحضارات وقيم وخصوصيات.

13