الدولة الإسلامية.. من هدم الأصنام إلى نقاب "السيدة"

الجمعة 2013/08/16
تجربة الدولة الإسلامية التي ناد بها الإخوان فشلت

أعلن راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية في أكثر من مناسبة أن على الدول العربية، وخاصة تلك التي شهدت ثورات الربيع العربي، أن تتيح الفرصة للتيارات الإسلامية على مختلف ميولها لتحكم، وتقود البلاد طالما أن التجارب اليسارية أو العلمانية أو الليبرالية أثبتت فشلها، والحقيقة أنه يمكن اعتبار الغنوشي على حق لو أنه أو حركته قدما تصوراً لنظام حكم قادر على تحقيق نقلة نوعية، أو حتى أن يقدم مثالا ناجحا لكلامه، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاستشهاد بالنموذج التركي، لأن بلاد الأناضول أرست، قبل أن يتبوأ حكمها الإسلاميون، أسس الدولة الحديثة، ووضعت دستورا علمانيا متماسكا، وعلى الإسلاميين الحاكمين أن يقتلوا قرابة ثلاثين مليون مواطن تركي قبل أن يعبثوا بالمفهوم الديمقراطي، ولعل حادثة حديقة جيزي وما نتج عنها من أحداث تقدم مثالا على أن تغيير ما هو راسخ أقرب إلى المستحيل.

إذن فالأزمة ليست في أن يتولى إسلاميون السلطة، ولكن في فكرة الإسلاميين أنفسهم عنها ونظام الحكم، وفي كيفية تعاملهم مع الآخر المختلف، بل والآخر المعارض. فما هو النموذج الذي يريد الإسلاميون تطبيقه؟

التجارب الفاشلة


بعد اندحار السوفييت من أفغانستان بدأت ملامح أول تجربة «إمارة إسلامية» تتشكل في البلد المنهك من الحروب، كانت أفغانستان نموذجا مبالغا فيه للتطرف الإسلامي، لكن مع هذا قبلت بعض الدول التعامل معها على أساس أنها تجربة وليدة ولا ينبغي إطلاق الأحكام جزافا دون رؤية النتائج، وكانت النتائج كارثية بكل المقاييس، فقد انتقلت المملكة السابقة والدولة الشيوعية بشكل مؤقت، إلى عصور ما قبل اختراع الكهرباء، وأثبتت «الإمارة الطالبانية» فشلها على مختلف الصعد، ولم تتمكن من التقدم قيد أنملة، في أي من المجالات، باستثناء قيامها بتحطيم تماثيل بوذا باعتبارها أصناماً، بينما كانت الجارة الحديثة العهد باكستان تشهد نهضة حقيقية بسبب نظامها الديمقراطي الوليد الذي استطاع وخلال سنوات قليلة نقلها إلى دولة تبشر بالكثير، طبعاً سيكون لجوارها الأفغاني الراديكالي المضطرب أثر سلبي عليها بسبب التداخل القبلي بين الدولتين، وتحول المناطق الحدودية إلى مراكز لتصنيع وتصدير التطرف بين الجارتين، وستعرف باكستان الكثير من أحداث العنف التي كان مصدرها أفغانستان.

فشلت الإمارة الإسلامية الأولى، وتحول أمراؤها إلى فارين من العدالة، بعد تحالفهم مع تنظيم القاعدة وتحويلهم الدولة المنهكة إلى قاعدة للجهاد العالمي ضد الكفر العالمي، وانتهت إمارة أفغانستان الإسلامية وحلت بديلا عنها دولة تحاول أن تكتشف طرق التخلص من آثار سنوات القتال، ومن رواسب فكر متطرف يسيطر على الكثير من أبنائها.

قبل ذلك بسنوات كانت قد ظهرت جمهورية إيران الإسلامية، إثر «ثورة» قادها الخميني، والحقيقة أن الجمهورية الإسلامية لا تختلف من حيث تطرفها عن جارتها الأفغانية إلا أنها استطاعت تصنيع عقيدتها الجهادية الخاصة بها، والبدء بإعداد إستراتيجية خاصة لتصدير «الثورة» انطلاقاً من العراق مروراً بباقي دول الخليج العربي، اعتماداً على حدث بكائي يستجلب التعاطف الإسلامي معها، فاستثمرت «مأساة آل البيت» لتحولها إلى هولوكست خاص بها تتباكى وتُبكي عليه، وقد برعت في ذلك واكتسبت مؤيدين لها من خلال شعاراتها الثورية، وإصرارها دون أي مبرر على اعتبار نفسها جزءاً من مأساة فلسطين، دون أن تقدم أي خطوة سياسية لحل هذه المأساة، وبالمقابل فقد سرقت من الحضارة الفارسية العريقة آلاف السنين لتقذف بها إلى حديقة النسيان الخلفية، وتبدأ بنسج ثقافتها الخاصة التي لم تتجاوز حدود «إمبراطوريتها» والتبعيات القليلة التي ربطت نفسها بها في لبنان والعراق، وسوريا فيما بعد.

ويسجل للخميني مؤسس «الدولة الإسلامية» أنه في عام 1989 أهدر دم الكاتب سلمان رشدي بسبب روايته «آيات شيطانية» وهو الموقف الذي سينسحب على أي نتاج ثقافي أو إبداعي صادر عن «الجمهورية الإسلامية» التي يسيطر عليها «المرشد» بوصفه روح الله على الأرض، وصحيح أن إيران استطاعت أن توجد لنفسها «شخصية» مستقلة، إلا أن نموذجها لا يمكن تكراره، أو التأسيس عليه لبناء الدول الحديثة، ولا يمكن اعتبار تطوير البرنامج النووي الإيراني دليلا على تقدم الدولة خاصة وأنها تدفع ثمن هذا البرنامج أضعافا مضاعفة من العقوبات والحصار الاقتصادي، وهي تعيش عزلة دولية، وتصنف من بين الدول المارقة، التي لا تتورع عن مخالفة القانون الدولي.


النموذج المفقود


ظلت المنطقة العربية محصّنة ضد الأسلمة بمفهومها الراديكالي المتعارف عليه، وتمكنت في بعض الجمهوريات من إرساء علمانية شكلية قسرية غير متفق عليها كما حدث في تونس والعراق وسوريا، ثم بشكل أقل في مصر، وإن كانت مصر تعتبر المنبع الرئيس للكثير من الحركات الراديكالية إلا أن الأنظمة العسكرية التي تعاقبت على الحكم منذ 1952 وحتى 2011 استطاعت أن تحد من انطلاقة تلك الحركات وتضع قيوداً مشددة عليها ما جعل بعض قادتها يفرون باتجاه الإمارة الإسلامية في أفغانستان، مثل أيمن الظواهري الذي خلف مؤسس تنظيم القاعدة بعد مقتله في زعامة التنظيم، ويوسف القرضاوي الإخواني الذي وجد في إمارة قطر ملاذاً آمناً منذ سبعينيات القرن الماضي.

اصطدمت تلك الحركات بالأنظمة الحاكمة، وتسببت بعشرات الجرائم التي كان أشهرها اغتيال السادات، وقد عمل خلفه حسني مبارك على محاصرة التطرف، فلم يفلح في مكافحة الظاهرة لكنه أفلح في الحد من انتشارها وتوسعها، وقد عمل في السنوات الأخيرة لحكمه على بناء نوع من الاتفاق غير المعلن مع جماعة الإخوان المسلمين، ليبرز صورة ديمقراطية كان يفتقدها نظامه، ويرى بعض المراقبين أن مبارك كان حريصاً على الإبقاء على بعض الحركات المتطرفة دون استئصال كلي لضمان ورقة يلوح بها في وجه الغرب المتخوف أصلاً من التطرف الإسلامي. وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن مبارك فور اندلاع الثورة الشعبية ضده في 25 يناير 2011 أن تنظيم القاعدة والجهاديين سيعيثون فساداً في مصر بعد رحيله، لكن ذريعته تلك لم تكن كافية لإقناع الشعب بالكفّ عن الثورة ضد نظامه الفاشل، وهكذا تهاوى النظام المصري وقبله بأيام كان النظام التونسي قد تهاوى، فيما بدأت ملامح الثورة تتشكل في سوريا.

الإخوان.. واستئناف الحلم

كان الإخوان المسلمون في مصر هم القوة الأكثر حضوراً على الساحة المصرية بسبب قدرتهم على التنظيم وحشد الأتباع واستثمارهم «مأساتهم» التي تتمثل في سنوات القمع التي عانوها، واستطاعوا بسبب فشل المعارضة المعتدلة والليبرالية أن يصعدوا إلى ظهر المركب ويمسكوا دفة الحكم للمرة الأولى في تاريخهم السياسي، وبالتوازي مع صعودهم في مصر استطاعوا أن يتسيّدوا المشهد التونسي، ممثلين بحركة النهضة، ويبدؤوا الرحلة/الحلم لإنشاء الدولة الإسلامية وفق المفهوم الإخواني، وبرزت شعاراتهم المشفوعة بتطبيق الشريعة، لتعلو فوق كل الشعارات.

وفي محاكاة، للنموذج الأفغاني، بدأ بعض الدعاة المتحالفين مع الإخوان أو المنبثقين عنهم بالتلويح بإمكانية هدم الأهرامات وتمثال أبو الهول، وقد اكتفى بعضهم بوضع نقاب على تمثال أم كلثوم، لأن وجه المرأة عورة وفق مفهومهم، وحقيقة الأمر أن حكام مصر الجدد وبسبب تهاونهم وربما موافقتهم غير المعلنة على هذه التصرفات، أسهموا في زيادة الاحتقان الشعبي ضدهم، وخاصة بعدما ظهروا بمظهر المرتبك غير العارف بكيفية إدارة الدولة، ولعل التقارب الإخواني الإيراني، وإبداء بعض «علماء قم» استعدادهم لنقل التجربة الإيرانية المتمثلة في ولاية الفقيه إلى مصر، كان اللحظة الفاصلة في تفكك المشروع الإخواني قبل نضوجه، وفشله الذريع أفضى إلى ثورة شعبية ثانية في 30 يونيو أطاحت بحكم الإخوان المسلمين.

وبهذا تبقى الدولة الإسلامية معلّقة، غير قادرة على رسم ملامحها، فهي وفقاً لمتطرفيها تتلخص في إراقة الدماء، وتكفير كل من يختلف معها في الرأي أو في العقيدة، وبالتالي إهدار دمه وجعله نهبا لقطاع طرق، يتخذون الدين قناعا. وهي وفقا لمن يدعون الاعتدال فيها لا تقوم على مشروع بناء دولة سليمة معافاة، بل التفكير أبعد من ذلك، أي الاستحواذ على قلب العالم، وترسيخ مبدأ حاكمية العالم، ولا مانع من استخدام النفاق وسيلة لذلك، ما دامت الغاية الوصول إلى حلم طال انتظاره.

13