الدولة العربية بين التقسيم والمركزية

السبت 2014/08/02

أخفقت البرجوازية العربية في بناء الدولة الحديثة، دولة الكل الاجتماعي، وتشكيل هوية وطنية حديثة لها تقر بتميّز الأفراد القومي والديني والسياسي، وتساوي بينهم أمام القانون. فشلت برجوازية ما قبل الاستقلال، فصعدت قوى بديلة سميت دول الانقلابات والثورات في الخمسينات، ولكن الأخيرة أنشأت أنظمة شمولية، وأكملت النهب الكامل للثروة عبر السلطة هذه المرة وعبر إيديولوجيا قومية و”اشتراكية”، وبتحالف مع البرجوازية القديمة المستبعدة من السلطة، ومن رفض منها غادر البلاد تماما.

هذا الإخفاق في تمثيل كافة الأفراد دفعهم إلى استعادة التصورات القديمة الدينية والعشائرية والطائفية والمناطقية والاثنية كشكل للوعي، ودعمت الشموليات هذه التصورات، فلا يخلوا برلمان عربي من تمثيل سياسي لهذه التصورات، وبذلك وضعت العوائق أمام وعي مواطني واحتجاجات شعبية على مستوى الدول، وهو ما منع تشكل نقابات مستقلة ووطنية أو أحزاب قوية.

في ظل هذه الأجواء ونتيجة النهب المطلق الذي قامت به هذه الشموليات، وتساوي الموت والحياة لدى الناس في تونس ومصر وكافة الدول العربية، وجاء ذلك بعد تعميم سياسات اللبرلة الجديدة منذ الثمانينات، حيث تتخلى الدولة عن أي دور اجتماعي للفقراء وتفتح الأسواق أمام التجارة العالمية ودون أي اعتبار لمستوى التطور العام. هذا الواقع المتأزم، أعطى لأي حادثة اجتماعية حادة بين المواطنين والسلطة أن تصبح ثورة عارمة، فسقط النظام التونسي والمصري واندلعت الثورات في كامل الدول العربية.

مشكلة تلك الثورات الشعبية غياب البديل السياسي عن النظام القديم، فلم توجد خطة لاستلام نظام الحكم، وبنى الشباب والشعب الثائر تصوراتهما على استلام الحكم دون إسقاط عنيف للحكم، وهذا ما سمح للأنظمة وعبر ألاعيب السياسية بالتسلل إلى السلطة مجددا، أو اندفعت قوى سياسية قديمة لتتبوأ السلطة وتستأثر بها كالإخوان المسلمين بالتحديد، ولكنها لا تمتلك مشروعا اقتصاديا مختلفا عن نظام الحكم القديم، ففشلت مصر وتونس وغيرهما في حل المشكلات. إشغال الشعب بقصص صناديق الاقتراع والانتخابات وخطر الإسلام السياسي بنسختيه الإخوانية والجهادية هو تعبير إضافي عن فشل الحكم الجديد ولا سيما بعد استبعاد الإخوان المسلمين في مصر عن السلطة في مواجهة المشكلات ومنها الفقر والتنمية وملايين العاطلين عن العمل وحل مشكلة الأقليات القومية وكيفية النهوض بالزارعة والصناعة وتأمين الطبابة والتعليم والسكن لتلك الملايين.

المشكلة الكبرى أن الشعب لم يستطع تشكيل وعي حديث أسه المواطنة والنقابة والحزب السياسي على مستوى الدولة، النظام السوري أو العراقي أو الجزائري أو اليمني وباستمرار تجاهله للحقوق العامة القومية والمناطقية يدفع الشعب نحو تعميق رؤى الفدرلة، والتي وبغياب وعي حديث ستستند إلى الطوائف والعشائر والمناطق والقومية، وهذا يتجلى في كافة الدول العربية، لتصبح سوريا سوريات والعراق عراقات واليمن يمنات، وبالتالي هناك ميل للاستقلال عن الدولة.

إلا أن هذا الميل هو ابن الأزمة وليس تعبيرا عن حل فعلي لها، ولذلك فشل وسيفشل تباعا، بل إن أكراد العراق لم يجرؤوا على القيام بخطوة استقلالية كاملة! إن تغيرات الخرائط وإقامة دول جديدة، أمر مستبعد وإن كانت الفوضى في العراق واليمن وسوريا تدفع نحو هكذا خيارات، وهنا يتقدم السؤال اللبناني، أي تشكيل دولة الطوائف، فهل هي بديل ممكن عن الدولة الشمولية المركزية، وهل هي تقي من تعميق الانقسام والدفع نحو التقسيم؟

مثال أكراد العراق لا يحتذى به، نظرا للجغرافيا الواسعة وتجذر وعي الاستقلال “القومي” أما بقية المناطق التي تنازع الأنظمة فلا تستطيع تشكيل دولها، ففي ليبيا تراجع الحديث عن ذلك وفي اليمن لا مستقبل لاستقلال الجنوب ولا الحوثيين، وفي سوريا إن فكرة التقسيم، ورغم توسع داعش وخطوات الإدارة الذاتية للاتحاد الديمقراطي الكردي وتعميم النظام بأن بديله دويلة في الساحل ودمشق، فهي أقرب إلى حديث الرغبات بالخلاص من النظام أو خياره حين يوشك على الرحيل.

التقدم نحو مقترح لبنان وتشكيل دولة الجماعات، ليس هو الحل، فلبنان فشل في تشكيل تلك الدولة، فهي دولة زعماء الجماعات، والدولة شبه معطلة وكذلك في العراق، وكذلك الدولة الشمولية ستفشل مجددا ولو عادت ستسقط، فقد نجحت من قبل لأنها قدمت الإصلاح الزراعي والتعليم العام وكان عدد السكان أقل ودعمت من الاتحاد السوفيتي من قبل، وبالتالي فما الممكن فعليا؟

نوسع فكرتنا ونقول: انحدر رأسمال المال ليتوسل الطوائف والعشائر و”القومية”، ولكنه ليس الحل لمشكلات السكان في تلك المناطق كما حال لبنان وتجربة العراق الكارثية بعد 2003، إذا لن تنجح فكرة دولة الجماعات، وبالتالي فالممكن الآن صراعات مستمرة وقد تكون حروبا وفوضى وانفلاتات مجتمعية إلى أن تتشكل رؤية جديدة لا تقوم على فكرة الجماعات بل على فكرة الدولة المركزية ولكن دون شمولية، ربما سيقول البعض إن الدول العربية مصيرها الصومال، والصومال واقعة موضوعية كدولـة فاشلـة بالكـامل وتركت، وهـذا صحيح.

ولكنّ دولة كسوريا والعراق واليمن وهي دول مختلفة بموقعها الجغرافي وثرواتها تحتاجها أميركا وأوروبا وهي عرضة للتدخلات الإقليمية والدولية وفيها حراك شعبي واسع فضلا عن قربها من إسرائيل ووجود رغبة شعبية في إقامة دولة واحدة، وبالتالي لن يكون التقسيم هو الخيار بل الخيار يتمثل في إنشاء دولة مركزية تستند إلى تأمين حاجات الناس الأساسية.

لا خيار بديل عن ذلك، ولكن احتمال دورات للعنف والقتال سيبقى قائما إلى أن تبدأ فكرة الدولة الواحدة مجددا تسيطر على الوعي، وتتحول إلى واقع موضوعي، وتحقق حاجات الشعوب الرئيسية وفي النظام الديمقراطي على أساس مفهوم المواطنة.


كاتب سوري

8