الدولة العميقة في مصر

الاثنين 2016/03/07

الدولة العميقة هي عبارة تطلق على أن هناك مراكز قوى ونفوذ في البلاد، لا يستطيع النظام الحاكم السيطرة عليها أو ضبط إيقاعها، لأن جذورها ضاربة في المؤسسات الرسمية.

قد يعرف النظام العناصر الرئيسية التي تتشكل منها هذه الدولة المعنوية، سواء في شكل أفراد أو جماعات، لكنه أيضا يصعب عليه التحكم في تصرفاتهم، بعد أن تحولوا إلى كتل مختلفة تنتشر في الكثير من المفاصل المحورية للدولة.

هؤلاء الأفراد والجماعات، أصبح من الصعوبة تحديد أماكنهم بصورة نهائية، أو التعرف على طبيعة الأدوار التي يقومون بها، لكن من السهولة أن تسند إليهم جملة كبيرة من الممارسات السلبية، لتخفيف الضغوط الواقعة على النظام المصري حاليا، والإيحاء بأن عدم قدرته على تحقيق نجاحات ملموسة ناجم عن وجود فرق بشرية تعرقل جهوده الإيجابية.

البعض يقول إن هؤلاء يعملون ضد النظام الحاكم، ولا يوجد تنسيق معه، ويقومون بوضع العراقيل والمطبات، لزيادة إرباكه، ومعظمهم يدينون بالولاء لنظام حسني مبارك، الذي سقط بفعل ثورة شعبية انطلقت في 25 يناير 2011، ولا يريدون لنظام الرئيس عبدالفتاح السيسي النجاح، خشية أن يتخلص من نفوذهم لاحقا.

تم تفسير الاستعانة بعدد من رموز نظام مبارك في الحكومة، على أنه محاولة لامتصاص غضب العناصر المحركة لماكينات الدولة العميقة، والحد من مخاطرهم، وتوصيل رسائل تطمين إليهم، تشي بحرية الحركة وعدم الاستهداف في المستقبل.

لكن الدولة المعنوية في مصر تتجاوز حدود الجهاز البيروقراطي، وما ينطوي عليه من فساد، يسعى حماته والمدافعون عنه (سرا) إلى تعطيل مصالح الناس ومضايقتهم، وصب غضبهم على النظام الحاكم، فقد أصبح من بينهم رجال أعمال حصلوا على مكاسب كبيرة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، يعملون بكل جهد للحفاظ عليها، وتوسيع دائرة الوسائل التي تمكنهم من عدم اقتراب الأجهزة الرقابية منهم وعرقلة أي خطة للمحاسبة.

هذا الفريق لديه أنياب ومخالب وأظافر متعددة، نافذة في الكثير من أجهزة الدولة، بما فيها البرلمان المصري الذي اعترف رئيسه علي عبدالعال قبل أيام، بأن الدولة العميقة تتحكم أيضا في مجلس النواب.

كما يملك الفريق ذاته وسائل إعلام مختلفة، تساعده في الهجوم على كل من تسول له نفسه المساس بمصالح من يقفون خلفه، أو بتفجير مشكلات جانبية تمثل إزعاجا للرأي العام، حتى يشعر أن يد الحكومة مغلولة في معاقبة البعض، وإن تجرأت وعاقبت يمكن أن تتكبد خسائر فادحة، تظهرها والرئيس كأنهما غير قادرين على الإمساك بزمام الأمور.

النتيجة الطبيعية لهذه الحالة تؤكد أن هناك دولة فوق الدولة، وأن الرئيس الذي يحكم ظاهريا لا يستطيع السيطرة على مقاليدها فعليا، وقد تعززت هذه القناعة لدى قطاع كبير من المتابعين في الآونة الأخيرة، حيث اكتفى الرئيس السيسي بتوصيل رسائل مبطنة في عدد كبير من خطبه، عندما كان يشير إلى التحديات التي تواجهه، ويتعمد الغمز واللمز إلى جهات داخلية، متجنبا الحديث عنها بصورة مباشرة.

في أكثر من مرة، ألمح إلى طبقة رجال الأعمال التي لم تستجب لنداءاته المتكررة بتقديم تبرعات كافية لصندوق “تحيا مصر”، وتوعد بإجراءات صارمة ضد من حصلوا على مكاسب سابقة دون سند قانوني، وعندما اقترب جهاز الأمن بالقانون من أحدهم (رجل الأعمال صلاح دياب) وجرى القبض عليه بطريقة مهينة واتهامه بمقاومة السلطات، قامت الدنيا ولم تقعد إلا بعد الإفراج عنه دون ضمانات.

الحادث ترك غصة عند جهات كثيرة، وأن رجال الأعمال لديهم نفوذ قوي، وصل إلى حد تسيير شؤون ما يسمى بالدولة العميقة، التي حصد أفرادها مكاسب كبيرة، من وراء دعم مصالح رجال الأعمال.

المشكلة أن الحديث عن الدولة العميقة في مصر، بدا واقعا ملموسا عقب ثورة 25 يناير، نجح أصحابه في أول اختبار لهم، حيث ساهموا في إسقاط نظام الإخوان المسلمين، الذي حاول السيطرة على مفاتيح الدولة في مصر، لأنه كان يدرك خطورة الجهاز البيروقراطي، لكنه أخفق، بعد تبني خطوات إقصائية فجائية أزعجت قطاعات كبيرة، كما أن سلوكه طريقا أفقيا في نشر أتباعه، استنفر البقية الباقية.

العداء الأفقي لغالبية مؤسسات الدولة، ضاعف من صعوبة مهمة الإخوان، وعجل بسقوطهم، بعد أن توافقت إراداتهم مع إرادة قوى المعارضة السياسية، وتكتلات شبابية.

من هنا اكتسب مصطلح الدولة العميقة بعدا سياسيا، وهو ما تحاول بعض الدوائر توظيفه في الوقت الراهن، وإعادة الكرة مرة أخرى مع السيسي، لكن بطريقة أقل تنظيما، ولا ترقى إلى مستوى إسقاط نظامه، وتكتفي بمحاولة زعزعته، ووضعه في وضع ارتباك مستمر، كي لا يتفرغ لتنقية مراكز القوى المنتشرة في جنبات كثيرة من الجهاز الإداري للدولة المصرية.

الاكتفاء بهذه الدرجة من المنغصات لا يعني أن أصحابها يتحكمون جيدا في لعبة كسر العظم التي لم تعد خافية، ويملكون أوراقا حاسمة، كما أن الهدوء الذي يبدو عليه نظام الرئيس السيسي، لا يعني أنه بات عاجزا عن الدخول في مواجهة، أو يفتقر إلى الأوراق التي تمكنه من إنهاء ظاهرة الدولة العميقة، التي أصبحت تؤرقه، حتى لو لم يتفوه بذلك مباشرة.

هناك يقين بأن خسارة الفريق الأول لنفوذه، سوف تعرضه لأزمات متنوعة، ويفقد جميع المكاسب التي حصل عليها بالتقادم، لذلك يصمم على عرقلة أي تغيير في هرمية الجهاز الإداري، ويمنع أي محاولة للتنقية أو إدخال تعديلات على مراكز القوة التقليدية.

لذلك لم يتبع النظام الحاكم حاليا أسلوب الصدمة، الذي أودى بالإخوان خارج السلطة، وفضل عليه التغيير التدريجي رأسيا، بمعنى يتم التركيز على مؤسسة أو جهاز، وبعد فترة تنتهي ملامحه التاريخية، وتتقدم وجوه جديدة أكثر حيوية، تتجاوب مع مصطلح الدولة الحديثة.

التحديات التي يواجهها النظام المصري حاليا كبيرة ومتشعبة، ربما يكون قطع شوطا معتبرا في تجاوز بعضها، لكن سوف تظل البقية الباقية من الأزمات، داخليا وخارجيا، مرهونة بمدى نجاحه في القضاء على ظاهرة الدولة العميقة، التي نسجت شبكات معقدة. بالتالي يمثل القضاء عليها، أو على الأقل الحد من نفوذها، أولى علامات تخطي جانب كبير من المشكلات المتراكمة، لأن الفشل سيؤدي إلى تداعيات قد تصعب السيطرة عليها.

كاتب مصري

9