الدولة الغائبة والازدهار الطائفي

الخميس 2015/02/26
بروز تعبيرات سياسية طائفية هو المعادل الموضوعي لتراجع الدولة بما ترمز إليه من علاقات

من أفغانستان إلى ليبيا، مرورا بالعراق واليمن والصومال وغيرها كثير، يتبدى وضع سياسي واجتماعي موسوم بعسر التعايش بين المكونات الاجتماعية والإثنية والدينية المختلفة، مع ملاحظة أن تعدد هذه المكونات لم يمثل سابقا عائقا أمام تبلور مجتمع متماسك، لكن التصدع حصل مع ضرب الدولة كمفهوم قانوني حداثي في كل الأمثلة المذكورة وغيرها.

منذ لحظة 2003 المفصلية لا في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية بأسرها، انطلق مسار عارم من الانهيار أودى بالعراق أولا، والمنطقة تاليا، إلى قاع سحيق تُرجمَ تأججا لتيارات الإسلام السياسي وطائفية ماحقة تأتي على الأخضر واليابس، ويجدر هنا التأكيد على أن الإسلام السياسي وعاء أيديولوجي مناسب للطائفية والمذهبية.

الدولة بوصفها مفهوما سياسيا حديثا وحداثيا (باعتبار تماهي المعطى التاريخي الكرونولوجي للكلمة مع البعد الوظيفي) تنهض على جملة مؤسسات وعلاقات تقطع أشكال التنظم التقليدية من قبيل الانتماء لعائلة أو قبيلة أو مذهب أو طائفة أو دين، وتنسج أشكالا حديثة للتنظم أساسها الانتماء للوطن. الملاحظُ هنا أن الدولة تستوعب القبيلة والمذهب والطائفة، لكنها لا تسمح بالقبلية والمذهبية والطائفية، لأن الطائفة (مثلا) هي مكوّن اجتماعي أما الطائفية فهي تعصب في إعلان الانتماء أو الولاء للطائفة. الدولة الحديثة تعترفُ بطوائفها وتتيح تبعا لذلك مساواة بين مكوناتها على أساس معيار القانون، وهذا الأخير هو الذي يسد الأبواب أمام استشراء الطائفية ومثيلاتها.

عند تطبيق هذه المقدمات على الحالة العربية منذ 2003 إلى حد اللحظة الراهنة، نلحظُ أن الغزو الأميركي للعراق، باعتباره حدثا مفصليا، لم يكن مجرد احتلال تقصّد السيطرة على الأرض أو إسقاط النظام القائم، بل إنه ضرب الدولة كمفهوم وعلاقات ومؤسسات، ومن ثمة ظهرت تعبيرات نكوصية جيء بها لسدّ الفراغ المهول الذي أحدثه تحلّل الدولة بكل مؤسساتها ومكوناتها.

عندما أجهز الاحتلال الأميركي على الدولة العراقية وفكك مؤسساتها ومقوماتها (السلطة باعتبارها مقوما رئيسا من مقومات الدولة) والجيش وكل شبكة العلاقات القائمة، كان طبيعيا أن يعود الناس إلى انتماءاتهم التقليدية للاحتماء بها على شاكلة كل المنعرجات المفصلية في التاريخ، لكن حلول “طبقة سياسية” جديدة تتسلح بمفاهيم إسلامية وطائفية وتقدم خطابا سياسيا مكثفا بالمظلومية والانتصار للطائفة والاجتثاث، غيّر وجهة التفاعل الجمعي مع الحدث إلى وجهات أكثر ضبابية.

الدولة تستوعب القبيلة والمذهب والطائفة، لكنها لا تسمح بالقبلية والمذهبية والطائفية

الطبقة السياسية التي جاءت إلى العراق مع الاحتلال الأميركي (لا بعده) كانت مدججة بشبكة من المقولات تنادي باسترداد حقوق الطائفة الشيعية وباجتثاث حزب البعث (سرعان ما تحول في ظل دمج ماكر بين حزب البعث والطائفة السنية) وبحل الجيش العراقي وبإلغاء كل مؤسسات الدولة ودستورها وقوانينها. هنا أصبح المناخ السياسي مهيئا باقتدار لتحويل البلاد من واقع الشعب إلى واقع الطوائف، ومن حالة الانتماء الوطني أو المواطني إلى الانتماء الطائفي والمذهبي.

قد لا يبدو ضروريا التذكير بأن النظام القائم في العراق قبل الاحتلال لم يكن نظاما ديمقراطيا، لكنه كان نظاما يسود دولة بكل ما تقتضيه الكلمة من شروط. النظام العراقي قبل الاحتلال كان عادلا في توزيع استبداده على الشعب العراقي بكل طوائفه، وكانت نخبته السياسية مشكّلة أيضا من كل الطوائف والأديان، لكنه مع ذلك كان يعتبر الفرد العراقي مواطنا ولم يكن يقسم الجغرافيا العراقية إلى مربعات بمعايير طائفية.

أسهبنا في الحالة العراقية لأنها كانت منطلق الانحدار العربي المطرد، ولأنها الحالة الأكثر تعبيرا عن العلاقة بين انهيار الدولة وصعود الطائفية. لكن الحالة العراقية لم تكن يتيمة في المشهد العربي المشوب بتصاعد الطائفية، ولئن تعددت دواعيه الطائفية إلا أن ضرب الدولة بكل ما تعنيه، كان محددا في استشراء ظواهر لا تنتمي للأدبيات السياسية الحديثة.

في لبنان، حيث “يتطاول” حزب الله على الدولة بتعلة المقاومة أولا، وبمسوّغ الذود على المذهب ثانيا، جرت مصادرة لمهام الدولة وأدوارها. حيث نصب الحزب المذكور نفسه بديلا عن الدولة، واستولى على أغلب مهامها بأن أنشأ جيشه ومؤسساته وجامعاته وحتى فرقه الرياضية، لكن البعد الأخطر كان إنتاجه (أو المساهمة بفعالية في ذلك) للطائفية كأسلوب في إدارة العلاقات السياسية، مع ضرورة التلميح إلى أن الطائفية في لبنان هي نتاج مشهد سياسي مركب يعود إلى عقود ماضية. لكن وجود حزب الله أسهم في تضييق نفوذ الدولة في مجالها، وفي ضرب التعايش اللبناني الفريد بين المكونات الاجتماعية المختلفة، وهو نموذج طالما مثل مصدر قوة وإغناء للبلد الصغير.
غزو العراق لم يكن مجرد احتلال للسيطرة على الأرض بل إنه فكك الدولة فظهرت تعبيرات نكوصية لتحل محلها

لم يتوقف الاعتداء على الدولة في المنطقة، ولم يتوقف، تبعا لذلك، شيوع المفردات الطائفية. ففي اليمن، البلد الناهض على تقاليد قبلية عريقة ظلت دائما رقما أساسيا في المعاملات السياسية، توصّلَ الساسة في بعض الفترات إلى صيغ تنتصر للدولة وتأخذ البعد القبلي في الاعتبار، لكن في كل مرة تتقدم الدولة نحو إرساء مؤسساتها، يظهرُ نتوء يعيد الوضع إلى قرون خلت ويعيد العلاقات الاجتماعية والسياسية إلى “مذاقها” الطائفي. الحوثيون وأداتهم “أنصار الله”، يرون الوطن والبلد بعين مذهبية تقسم الشعب إلى شيعة وسنة لينحدر المواطن تبعا لذلك إلى رتبة أقل لا تتجاوز المريد أو العضو في جماعة.

أمثلة العلاقة التلازمية بين ضرب الدولة وشيوع الطائفية عديدة، وتزداد شيوعا في المنطقة العربية، المهيأة تاريخيا وسياسيا لتقبل هذا الشكل من التنظم الاجتماعي، وهي أمثلة تتوسع لتهدد أقطارا عربية عديدة، مع ملاحظة أننا استثينا المثال السوري، لأن الطائفية تمثل أحد أعمدة نظامه السياسي الذي يتكئ بقوة على انتمائه المذهبي. الثابت أن تفكك الدولة، أي دولة، وتصدعها هي مقدمات سياسية لا نعدم سبل بيان نتائجها في عسر التعايش أو استحالته بين المكونات الإثنية والدينية والمذهبية لتلك الدولة.

التعايش بين الأديان والطوائف، مثلما يحتاج وعيا كثيفا بالاختلاف واحترام الآخر، فإنه يتطلبُ أيضا دولة مدنية ترى أفرادها مواطنين متساوين بصرف النظر عن أديانهم ومذاهبهم وإثنياتهم، ولاشك أن العالم يحفل بأمثلة من دول نجحت في أن ترى مواطنيها بعين المواطنة لا بعين الدين أو المذهب.

13