الدولة الكردية.. لم لا

الثلاثاء 2015/05/05

يكذب سياسيو العراق حين يتحدثون عن وحدة العراق. إنهم ينافقون، فلكل منهم أجندته التي يخفيها من أجل رعاية مصالحه الخاصة، في ظل استمرار وضع إنساني رث ومهترئ وممزق وميؤوس منه.

العراق اليوم ليس دولة واحدة. النازحون وحدهم هم الخيط الأخير الذي يشير إلى تلك الوحدة، ولو انقطع ذلك الخيط لما بقي أثر من ذلك العراق الموحد. النازحون الذين تم التعامل معهم بقسوة في المحافظات ذات الأغلبية الشيعية، هم عنوان وحدة العراق. ولكن الأكراد تعبوا من كل هذا العبث العربي.

في حقيقة الأمر لم يعد هناك عرب في العراق. الواقع يقول إن هناك سنة وشيعة. وهما طائفتان تحولتا بالإكراه إلى شعبين، لا شأن للأكراد بهما، بالرغم من أنهم في شمال العراق يتبعون المذهب السني، ولكن كرديتهم كانت دائما هي الأقوى.

يبدو الأكراد أكثر واقعية من الجميع رغم أن الطابع العشائري هو الغالب هناك. وهو ما يعني أن بناء دولة كردية حديثة سيكون خيارا محل شك، ذلك لأن الاحتكام إلى السلاح بين الأكراد في غياب العرب، كان ممكنا دائما.

الآن وبعد أن تيقّن الأكراد بشكل مطلق من أن العرب، أعداءهم التقليديين في ظل الحكومات الوطنية السابقة، لم يعد لهم وجود على الساحة السياسية، وأن العراق المركزي قد ضاع في عبث الصراع السني الشيعي فقد صار عليهم أن يلتفتوا إلى مصيرهم منفردين، من غير أن يسألوا أحدا عن رأيه. طبعا لا يشمل عدم الاكتراث الدول الراعية لمشروع حق الأكراد في تقرير المصير. ولكن مَن يسأل مَن في بلاد تنتظر قيامتها الطائفية؟

لن يمانع أحد من سياسيي العراق في إقامة دولة كردية. هل هناك من يسألهم رأيهم وهم الذين فشلوا طوال السنوات الماضية في الاهتداء إلى المقومات المشتركة لبناء دولة تسع الجميع دون إقصاء أو تهميش؟

ربما يُخيّل إلى البعض منهم أن بإمكانهم الحيلولة دون قيام تلك الدولة، وهو أمر يمكن توقعه بعد أن هدد أحد زعماء الميليشيات الكونغرس الأميركي، بالويل والثبور إن أقر قانون المساعدات العسكرية للسنّة والأكراد، فيما طالب آخر بطرد السفير الأميركي.

سياسيون منفصلون عن الواقع ومفترون عليه من هذا النوع، هل يمكنهم أن يكونوا جادين في مواجهة قضية مصيرية مثل التي نحن بصددها؟

إن منع قيام دولة كردية لا يحتاج إلى إرادة قوية فحسب، بل وأيضا إلى إعادة النظر في مشروع الدولة الفاشل، وهو ما لا يجرؤ على القيام به أي طرف من الأطراف المشاركة في ما يسمى بالعملية السياسية في العراق. إعادة النظر تلك ستقود، بالضرورة، إلى الكشف عن مسؤولية تلك الأطراف عما انتهى إليه العراق من وضع رث، نجحت الزعامة الكردية في النأي بإقليمها بعيدا عنه. وهو ما وضع الإقليم على طريق الإعمار، وهي الطريق التي عجز العراقيون في باقي أنحاء العراق عن الاهتداء إليها.

كل المعطيات تؤكد أن خيار الأكراد في موقفهم المستقل من الصراع الدائر بين العرب، وقد تحولوا إلى إخوة أعداء، كان سليما. وكان سليما أيضا موقفهم في بناء أسس دولتهم المنشودة، بعد أن تيقنوا من أن النزاع الطائفي لن يؤدي إلى إعادة إنتاج دولة مركزية، يكون بإمكانها التصدي لمشروعهم، على الأقل قانونيا.

الأكراد اليوم هم الأقوى في العراق، لا على المستوى العسكري، بل على مستوى مصداقية الحلول التي اتبعوها وهم يستثمرون أوقاتهم الحرة من أجل إقامة بنية تحتية لدولتهم المستقبلية. ولكن هل هذا يكفي لتحقيق ذلك الأمل المنشود؟

من المعروف أن إقامة دولة كردية شمال العراق لا يعتبر شأنا كرديا أو عراقيا خالصا، بل هو شأن إقليمي، إذا لم يكن دوليا. لذلك فإن الرغبة الكردية حتى وإن جاءت مشفوعة بالأسباب المقنعة التي تستلهم تفاصيل الخراب العراقي، لا بد أن تصطدم بجدار الممانعة الإقليمية الذي يعجز الأكراد عن اختراقه.

كاتب عراقي

9