الدولة المركزية والفيدرالية الطائفية: حلول الآخرين في العراق

الخميس 2015/05/07

العراق الواحد الموحد، مقولة حديثة بحداثة الدولة العراقية المركزية، التي أُقرّ وجودها في بدايات القرن العشرين، قبل ذلك كان للعراق وجوده بتمظهرات مختلفة، فهو بلاد الرافدين وما نشأ عليها من حضارات قديمة، وبلاد العراق في العهد الإسلامي بموصله وبغداده وكوفته وبصرته.

الإشكالية في العراق كما في سائر الدول العربية الحديثة، تكمن في نشأتها الحداثية المشوهة، والتي لم ترتكز على منتوجات الحراك المجتمعي وأزماته، من تعاقدات اجتماعية تنظم العلاقات بين البنى الاجتماعية المختلفة، وترسم شكل تعايشها في منظومة سياسية واقتصادية فاعلة ومستقرة، إنما فرضت فرضاً. واعتُمد في تكريس وحدتها المركزية واستقرارها، على المؤسسات العسكرية والأمنية، التي شكلت دونا عن المؤسسات المدنية والاقتصادية والسياسية، العمود الفقري الذي ارتكزت عليه الدولة في وجودها واستمراريتها.

يصح القول عن العراق الحديث المركزي، أنه كيان عسكري، نشأ وفقا للضرورات الاستعمارية البريطانية بعد ثورة 1920، عندما ثارت عشائر العراق العربية ضد مشروع تهنيدها، ولم يعد الجيش البريطاني قادرا على حكم البلاد بشكل مباشر، فأنشأت السلطات البريطانية الجيش العراقي، وأقامت له دولة على المساحة التي قررت القوى الاستعمارية أنها ملكا بريطانيا، واستمر الجيش كضامن لوحدة البلاد السياسية، والضابط الأساسي للمنظومة الاجتماعية تحت وصاية الاستعمار، حتى قرر أن يتحرر من تلك الوصاية ويقيم دولة الاستقلال الوطني على نفس حدوده الجغرافية.

مع انقلاب تموز 1958، أصبح الجيش العراقي رمز وجود الدولة، وما الدولة إلا انعكاس لشكل وجود الجيش وبنيته الاجتماعية والفكرية والسياسية، وبات الحراك السياسي يجري داخل أروقته منتجا للصيغ السلطوية المختلفة، أما البرلمان وسائر المؤسسات فقد جُرّدت من أي فاعلية تذكر، وتحكم الجيش في رسم مسارات تطور الدولة، وتصدى لأي تصدعات قد تؤدي لاضمحلال الوحدة السياسية والجغرافية لدولة العراق، وكان ذلك واضحا في الأحداث التي اعقبت حرب 1990، حين أعاد الجيش فرض الوحدة العراقية خلال أيام بعد أن خرجت أكثر من 8 محافظات عن سيطرة السلطة المركزية للدولة.

فلا عجب إذن أن تصبح وحدة العراق في قلب دائرة التشكيك حتى من قبل العراقيين أنفسهم، منذ دخل الاحتلال الأميركي بغداد، وقرر حاكمه المدني حل الجيش والمؤسسة الأمنية. هنا عصفت تداعيات القرار بالاحتلال الأميركي نفسه، الذي غرق في مستنقع خبره من قبل الاحتلال البريطاني في العشرينات، وباتت السيطرة على البلاد مهمة مستحيلة للجيش الأميركي، فكان لابد من صيغة إدارية تضبط الوضع المتأزم وتخرج الاحتلال من مأزقه وتشكل له حلا، فجرى الحديث عن خطة السيناتور جوزيف بايدن التي نصّت على تقسيم العراق إلى ثلاث وحدات إدارية قائمة على أساس طائفي وعرقي تتمتع كل منها بحكم ذاتي، مؤتلفة بصيغة اتحادية لامركزية عاصمتها بغداد. لكن سرعان ما تركت خطة بايدن جانبا بضغط من القوى والأحزاب السياسية التي رأت في ذلك تقسيما مرفوضا.

القوى والأحزاب السياسية التي رفضت خطة بايدن، كانت أول من طرح التقسيم قبل الاحتلال الأميركي، سيما القوى الإسلامية الشيعية الموالية لإيران، وهو ما عبر عنه عبدالعزيز الحكيم رئيس ما يعرف بـ“المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق” قبل الاحتلال بفترة وجيزة، حين تحدث عن فيدرالية للجنوب الشيعي تتمتع بمعظم الثروة النفطية. كما أن الفيدرالية السنية فكرة أصيلة لدى الحزب الإسلامي السني الذي لا يزال يطرحها كحلّ لوضع العرب السنة في العراق، حتى أسفرت الجدالات بين القوى السياسية على طاولة بول بريمر، عن صيغة المحاصصة الطائفية، وجيش مركزي يدربه ويسلحه الأميركيون ليستلم زمام الأمور بعد الانسحاب الأميركي عام 2011.

انقلاب القوى السياسية الشيعية الموالية لإيران، عن طلب التقسيم إلى ممانع له، فسره لاحقا، ما آل إليه واقع الجيش العراقي الجديد، الذي بني على نواة عسكرية قوامها التشكيلات الميليشياوية التي تتبع لها، وهو ما ضمن لإيران الهيمنة على العراق، والتي بلغت أوجها في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي أحكم قبضته على كافة المؤسسات، وعزز هيمنة الميليشيات الإيرانية على الجيش والقوى الأمنية، مما حول الجيش من ضامن تاريخي لوحدة العراق، إلى أداة هيمنة أجنبية إيرانية وعامل تفتيت طائفي، أدى إلى خلق حالة شعبية معادية في مناطق واسعة من البلاد وتمردات عسكرية مهدت لاحتلال تنظيم “داعش” مدناً كبرى في شمال ووسط البلاد وانهيار واسع للجيش.

يعود اليوم بقوة، طرح حل الفدراليات الطائفية، وينفض الأميركيون الغبار عن خطة جو بايدن بعد أن وضعت على الرف لأكثر من عشر سنوات، ويسعون لتمريرها عبر قرار الكونغرس بالتعامل مع العراق على أساس مكوناته الطائفية والعرقية، دون الالتفات للحكومة المركزية. وسط ممانعة من قوى إيران التي ترى في المشروع إزاحة لنفوذها، وتهدد بفرض الوحدة العراقية بقوة ميليشياتها، في الوقت الذي تجاوز فيه العراق مرحلة الدولة العسكرية المركزية، وفقد أدوات إعادة إنتاجها وطنيا.

سيبقى العراق ساحة لتجريب حلول الآخرين على أرضه وذلك منذ عهد الاحتلال البريطاني، ولا يخفى تفاؤل ما في الأجواء العراقية أن يستطيع العراقيون بناء عراقهم الفدرالي المتمايز بعيدا عن التعليب الطائفي بقيادة مافيات الأحزاب الدينية والعشائرية، وبعيدا عن الهيمنة الخارجية.

كاتب عراقي

8