الدولة المصرية لا تحتاج أن تكون "مستَفَزة" حيال وسائل الإعلام

دعوة قضائية ضد  صحيفة "المصري اليوم" بسبب تغطيتها الانتخابات الرئاسية، فيما يرى مراقبون أن السلطات المصرية توظف القانون لتقويض حرية الصحافة.
السبت 2018/03/31
التلميح ممنوع

القاهرة – تواجه الحكومة المصرية وسائل الإعلام بمواد قانونية غامضة تسمح بتقويض حرية تغطيتها لأحداث لا تمثل مساسا بشرعية الحكم، كالانتخابات الرئاسية التي كان متوقعا فيها على نطاق واسع فوز الرئيس عبدالفتاح السيسي.

ولم تعد غالبية وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئية تشكل أدنى معارضة للحكم القائم، ومع ذلك تواجه تغطياتها، المقدمة طوال الوقت ضمن توجّه مؤيد للحكومة، باستنفار مبالغ فيه من قبل أجهزة أمنية يبدو أنها حصلت على الضوء الأخضر من مستويات الدولة العليا لعدم السماح بخروج الصحافيين عن مسار منضبط يضعه المسؤولون.

وأصبحت صحيفة “المصري اليوم” إحدى ضحايا هذا النهج الذي يعكس أن أجهزة الدولة “مستَفَزة” دون مبرر يذكر، إذ تواجه الصحيفة بلاغا أحاله النائب العام المستشار نبيل صادق إلى نيابة أمن الدولة العليا (المختصة بالنظر في قضايا الأمن القومي) بتهمة “إهانة المصريين”.

أدى سلوك الحكومة المصرية تجاه وسائل إعلام مؤيدة ومعارضة على حد سواء إلى استنفار الإعلام الإقليمي والدولي، إذ باتت المساحة المسموح بها في حرية التغطية الصحافية منعدمة، وانتهجت أجهزة الأمن المصرية سياسة أكثر تشددا تجاه وسائل إعلام داعمة لها، كصحيفة “المصري اليوم” واسعة الانتشار، التي تواجه دعوة قضائية أمام نيابة أمن الدولة العليا بسبب مانشيت صحافي قالت فيه إن الدولة “حشدت الناس” للتصويت في الانتخابات الرئاسية.

واتهم البلاغ المقدم من المحامي سمير صبري، الذي اعتاد تقديم بلاغات ضد معارضين للنظام، الصحيفة بـ”إهانة الشعب المصري ومؤسسات وأجهزة الدولة”، في ضوء ما نشرته بصفحتها الأولى، في عدد الخميس، حول الانتخابات الرئاسية.

ونشرت “المصري اليوم”، في صدر صفحتها الرئيسية، عنوانًا يقول “الدولة تحشد الناخبين في آخر أيام الانتخابات”، في إشارة إلى مساع رسمية من أجل حشد الناخبين لصناديق الاقتراع الرئاسي، الذي اختتم الأربعاء ، وأظهرت نتائجه الأولية فوز السيسي بنسبة تفوق 92 بالمئة.

ورصدت الصحيفة “تلويح الهيئة الوطنية للانتخابات بالغرامة المالية، ومسؤولون يعدون بمكافآت مالية للمشاركين، وتوزيع هدايا أمام لجان الاقتراع″.
وتقول الصحيفة إن صياغة المانشيت ربما تكون قد خرجت عن السياق المقصود. وأضافت في بيان، تضمن اعتذار الصحيفة، ونشر على موقعها الإلكتروني “نحترم الرئيس ونقف إلى جانبه وندعمه بطريقتنا الخاصة المميزة. من أرضية ليبرالية. نفهم مفردات الاختلاف ونحترم مكانة الرئيس″.

وقال عبداللطيف المناوي، العضو المنتدب في “المصري اليوم”، لـ”العرب” إن “كل من يعمل (في الصحافة) معرض للحسابات الخطأ، وعندما يكتشف هذا الطرف الخطأ في الحسابات ويعدلها، بل ويعتذر عنها، فأتصور، كما أتمنى، أن يقف الموضوع عند هذا الحد”.
وأكد أن “الدولة لديها الكثير من التحديات في المرحلة المقبلة كي تواجهها، وهي ليست في حاجة إلى أمور تسيء للمشهد العام وتشتت الانتباه إلى هذه التحديات”.

وسمحت أجهزة الأمن بصدور الطبعة الأولى للصحيفة بنفس المانشيت. وبعدها مباشرة ذاعت الأنباء عن البلاغ المقدم من صبري، المعروف بعلاقاته مع أجهزة أمنية تتحكم في المشهد السياسي والإعلامي في مصر.
وعلى الفور سارعت الصحيفة إلى تعديل المانشيت في طبعتها الثانية، كما نشرت بيانا وتصريحات نسبتها إلى مسؤولين كبار في مجلس إدارة “المصري اليوم”، تؤكد أن هناك من تعمد “الوشاية” بها.

وقال المناوي لـ”العرب” “أيا كان الاتفاق أو الاختلاف مع ‘المصري اليوم’ فإنها تبقى مؤسسة وطنية، واعتقد أن اتهامها بأنها تهدد الأمن القومي قد جانبه الصواب”.
لكنه أكد أيضا أن “على ‘المصري اليوم’ في المرحلة المقبلة أن تراجع وضعها الداخلي وسياساتها، وتتخذ من الإجراءات ما تحافظ به على حضورها وقوة تأثيرها”.

عبداللطيف المناوي: نحن بحاجة إلى مساحات أكبر للحوار والاختلاف، على أرضية دعم الدولة المصرية
عبداللطيف المناوي: نحن بحاجة إلى مساحات أكبر للحوار والاختلاف، على أرضية دعم الدولة المصرية

و”المصري اليوم” صحيفة مستقلة كبرى، لطالما حظيت باحترام واسع في مصر منذ إطلاقها في 2004، وشهدت ذروة مراحل الصعود في عصر سمح فيه الرئيس الأسبق حسني مبارك بانفتاح وسائل الإعلام، قبيل ثورة 25 يناير 2011 التي أطاحت بنظام حكمه.
واليوم تحظى “المصري اليوم” بنسبة متابعة عالية، إذ وصل عدد المتابعين لصفحتها على فيسبوك ولحسابها على تويتر إلى قرابة 11 مليون قارئ.

واعترف مصدر إعلامي مسؤول أن “ما تفعله بعض أجهزة الدولة بحجة الدفاع عن صورة مصر يسيء إليها تماما، لأنهم يفتون في ما لا يفهمون، وهذا يصدر للخارج صورة سلبية بتقييد حرية الرأي والتعبير.”

وأضاف “مانشيت الجريدة لا ضرر فيه، لكن الضرر هو ما حدث بعد ذلك، وكان من المفترض تقديم البلاغ للمجلس الأعلى للإعلام لدراسة الأمر واتخاذ ما يلزم من اجراءات في حالة الخطأ.”

واستنكر المصدر في تصريح لـ “العرب” “تدخل الحكومة ووضع أنفها في الآداء الإعلامي، وتساءل ماذا تركت للمجلس؟”، ملمحا إلى “وجود تضارب في أدوار كثير من المؤسسات، وكل جهة تحاول تأكيد نفوذها بطريقتها، وفي النهاية الدولة هي الخاسر الأكبر.”

وقال يحيى قلاش نقيب الصحافيين المصريين السابق لـ”العرب” إن “تدخل الحكومة قضائيا للنيل من ‘المصري اليوم’ بسبب مانشيت، بداية غير مبشرة لولاية الرئيس السيسي الثانية في الحكم، لأنه عندما تنزعج حكومة وتمارس ضغوطها على صحيفة لتغيير سياستها بهذه الطريقة، فإن المستقبل ينذر بالمزيد من التضييق على حرية الإعلام في مصر”.
وأضاف أن “الخطر الأكبر من فكرة البلاغات القضائية، يكمن في تحول الجهات المسؤولة عن حماية الصحافة والإعلام إلى أدوات رقابية تزيد من قمع الحريات وتقضي على هامش الاستقلالية الضعيفة”.

ولم تشكل نتيجة الانتخابات قلقا للسيسي، الذي كان يواجه مرشحا غير معروف ولا يملك دعما شعبيا، لكن التركيز الأكبر ظل على نسبة المشاركة، التي تراجعت عن آخر انتخابات رئاسية أقيمت عام 2014، وشارك فيها نحو 47 بالمئة ممن لهم حق التصويت.
وحشدت وسائل الإعلام بكل طاقتها المصريين للذهاب إلى مراكز التصويت، ومن بينها “المصري اليوم” التي أرسلت رسائل نصية على هواتف المصوتين لدعوتهم إلى المشاركة.
وقال المناوي “مساحات التعبير أحد أهم عناصر استقرار المجتمع، و’المصري اليوم’ هي مؤسسة للتعبير، واعتقد أننا بحاجة إلى مساحات أكبر للحوار والاختلاف، على أرضية دعم الدولة”.

وأكدت تقارير ومعارضون على منصات التواصل الاجتماعي أن نسب التصويت منخفضة، مشيرين إلى “لجان خاوية”، و”إجبار” لموظفين على التصويت، وتوزيع “رشاوى وهدايا” لحشد الناخبين أمام لجان الاقتراع.
ولم يتسن التأكد من صحة تلك الاتهامات على الفور، غير أن الهيئة الوطنية للانتخابات أكدت في أوقات سابقة أنها “شائعات وأكاذيب يروجها كارهو الوطن”.

يحيى قلاش: النيل من"المصري اليوم" قضائيا، بداية غير مبشرة لولاية الرئيس السيسي الثانية في الحكم
يحيى قلاش: النيل من"المصري اليوم" قضائيا، بداية غير مبشرة لولاية الرئيس السيسي الثانية في الحكم

ومساء الأربعاء أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات بمصر (مستقلة) أنها ستفعّل الغرامة المالية على المتخلفين عن الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية، والتي تقدر بـ500 جنيه مصري (حوالي 28 دولارًا أميركيًا).
وحجبت السلطات مساء الخميس موقع “المنصة”، لينضم إلى 500 موقع مهتم بالأخبار، وصار يصعب تصفحه من داخل مصر.

وقال الموقع في بيان نشره على حسابه على تويتر إن الحجب “يأتي بعد تغطية متواصلة للانتخابات الرئاسية التي شهدتها مصر هذا الأسبوع، ووثقت خلالها عدة انتهاكات وتجاوزات، تضمنت رشى انتخابية وإجبار موظفين حكوميين على المشاركة في الانتخابات”.
لكن تقارير أولية نشرتها وسائل إعلام حكومية وخاصة قالت إن نسبة المشاركة قد تصل إلى 42 بالمئة.

وبداية الشهر الجاري، ألقي القبض على الإعلامي خيري رمضان، المؤيد للحكومة، بتهمة إهانة ضباط الشرطة والتأثير على معنوياتهم.
وقال يحيى قلاش إن “صمت باقي الجهات المعنية بالحفاظ على حقوق الإعلاميين، مثل نقابة الصحافيين والهيئة الوطنية للصحافة كارثة” تعطي مؤشرا على أنهما أصبحا أداة في يد الدولة تحركهما كما تشاء ومتى شاءت.

18