الدولة المغربية والسلفيون.. آلية الحوار والإدماج كفيلة بمحاصرة التطرف

السلطات المغربية حذرة في السماح للسلفيين بالانخراط في العمل السياسي لأسباب عديدة ومقنعة، لكن الكثير منهم قد انضمّ إلى أحزاب بعينها بعد مراجعات لا بدّ منها، وقد عملت هذه الأحزاب على استمالة البعض من الرموز السلفية لأسباب نفعية تتعلق بالانتخابات المقبلة.
الجمعة 2016/09/23
سلفيان مغربيان يؤديان مشهدا تمثيليا كأسلوب احتجاج

شكّل انضمام الجسم السلفي المغربي لأحزاب بعينها ترجمة عملية لما بات يسمى بالمراجعات الفكرية، التي قام بها هؤلاء في السنوات الأخيرة، وكانت بداية عهدهم بالمشاركة السياسية وتآلفهم مع العمل الحزبي مع حزب النهضة والفضيلة الذي يترأسه محمد الخالدي، والذي تعامل مع ملفهم، ووطد صلته مع رموز ما يسمى بـ«السلفية الجهادية»، وعلى رأسهم حسن الكتاني وعبدالوهاب رفيقي «أبوحفص» ومحمد الفيزازي.

وما دامت شروط تأسيس حزب سياسي سلفي بالمغرب لم يحن وقتها بعد، وذلك لحذر الدولة من هكذا اتجاه في الوقت الراهن، رغم أنها تساهم في خلق البيئة الملائمة لإدماجهم في الحياة السياسية بشكل كبير ومباشر، آثر هؤلاء الانخراط في حزب النهضة والفضيلة، كتعبير عن تصالحهم مع العملية السياسية وديمقراطية المشاركة في الانتخابات، الشيء الذي شجع مجموعة من الأحزاب على استقطابهم حتى تستفيد انتخابيا من قواعدهم الشعبية.

ويبقى السؤال لماذا لم يستطع هؤلاء تأسيس حزب يجمعهم من خلال مرجعيتهم وبرنامجهم لخلق بنية تنظيمية تجمع شتاتهم؟ استفسار أجاب عنه عبدالإله السطي، الباحث في العلوم السياسية والجماعات الإسلامية، في حديث لـ”العرب”، قائلا “إن ذلك يرجع لكون أن هذه الرموز لا تزال محط اختبار من قبل السلطة السياسية حول مدى تكيفها مع الخطاب السياسي المتداول، وآليات العمل السياسي داخل المؤسسات الدستورية”.

ولفت محدثنا إلى أن السلطة السياسية بالمغرب لن تغامر بقبول مكوّن سلفي داخل جسم سياسي موحّد غير محسوب النتائج.

وبعدما فشل حزب العدالة والتنمية في استقطاب سلفيين إلى لوائحه الانتخابية عندما رفضت السلطات المحلية ترشيح السلفي حمادي القباج بمراكش، كانت الآلة التنظيمية لحزب الاستقلال أكثر سرعة وفعالية في إدماج عدد من قيادات السلفيين في صفوف الحزب ومنهم محمد عبدالوهاب الرفيقي، الملقب بأبوحفص. بعدما التحق الشيخ السلفي رسميا بحزب الاستقلال، الذي رشحه بدائرة فاس الشمالية.

وسبق لأبوحفص أن راجع في السجن أفكاره التي تمخضت عن ورقة بعنوان “أنصفونا”، أدان فيها هجمات الدار البيضاء العنيفة في 16 مايو 2003، وأعلن أنّه ضد التكفير، وأنه مع ثوابت ومقدسات المغرب في إشارة إلى الملكية.

وأكدت مجموعة من الباحثين أن إعلان عدد من السلفيين عن المراجعات الفكريّة، يدخل في نطاق التطبيع مع مفردات العملية السياسية من ديمقراطية وانتخابات وحرية فردية أو هي محاولة التفافية على الدولة والمجتمع، نفس وجهة النظر عبر عنها الباحث المغربي عبدالإله السطي، مؤكدا أنه لحد الساعة مسار جل الرموز السلفية المفرج عنهم بمقتضى عفو ملكي جراء المراجعات الفكرية التي أقدموا عليها إبان فترة اعتقالهم بالسجون المغربية، يؤشر على محاولات حثيثة للتطبيع مع قواعد الدولة السياسية الرسمية.

واستطرد محدثنا موضحا أن هناك من عبر عن تلك المراجعات صراحة من خلال إقدامه على الاندماج في أحزاب وطنية بمرجعية مدنية وهناك من اختار لغة المنابر المهادنة للخطاب الرسمي للدولة كالشاذلي وهناك من اختار طريق الترويج لخطاب السلطة الرسمي كالفزازي.

وقد غادر كل من محمد عبدالوهاب الرفيقي وحسن العسري وهشام التمسماني، حزب النهضة والفضيلة إلى جانب العضو المؤسس حمزة الكتاني في فبراير الماضي، والذي كان رئيسا للمؤتمر الوطني و”نائبا للأمين العام”، ويعتبر هشام التمسماني،الذي ترشح ضمن لائحة حزب الاستقلال بمدينة طنجة، من بين أبرز الوجوه السلفية سابقا بكل من المغرب وأسبانيا، وقد شغل منصب رئيس المركز الإسلامي بطليطلة الأسبانية. وفي تصريحات صحافية قال محمد عبدالوهاب الرفيقي، إن ترشحه ضمن لائحة حزب الاستقلال باعتباره حزبا عريقا ضمّ في صفوفه خيرة العلماء والمقاومين والزعماء، ويشترك معه في مشاريع إحياء الفكر السلفي الوطني، ومغربة السلفية، بشكل يزيحها عن منهج التزمت والتطرف والانغلاق، صوب منهج تنويري مقاصدي، في تعامله مع النص الشرعي، ومتقدم في فهم الواقع وحاجاته وإكراهاته.

إعلان عدد من السلفيين عن المراجعات الفكرية، يدخل في نطاق التطبيع مع مفردات العملية السياسية

لكن هل يمكن أن تكون الانتخابات المقبلة والعين على المقعد البرلماني هي الهدف من استقالة السلفي أبوحفص من النهضة والفضيلة وانضمامه إلى الاستقلال؟ أجاب عبدالوهاب رفيقي أو أبوحفص كما يلقب، في ذات التصريحات الصحافية، بأن “قراره غير مرتبط بالانتخابات وحدها، بل بانضمام عدد من السلفيين المعتقلين سابقا، بغية الاشتغال على ملفات محاربة التطرف والإرهاب، عبر تعزيز الهوية المغربية، التي كان الحزب أحد المؤسسين لها”.

وعن تدشين شيوخ السلفيين لعملهم السياسي بالمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة من خلال انتساب مجموعة منهم إلى أحزاب قائمة، اعتبر عبدالإله السطي، في حديثه لـ”العرب”، أن إعلان تلك المجموعة السلفية نيتها الترشح يأتي في سياق مسلسل الاندماج السياسي لهذه الأعلام في الحياة السياسية الرسمية، الذي بدأته قبل حصولها على العفو الملكي عبر مجموعة من المراجعات الفكرية والمرجعية.

نستنتج ضرورة أن يكون الداعي الذي بنى عليه رؤساء الأحزاب في استقطاب هؤلاء السلفيين للترشح من خلال لوائحهم الانتخابية موضوعيا، وعلى هذا الافتراض أشار عبدالإله السطي، الباحث المغربي في العلوم السياسية وشؤون الجماعات الإسلامية، بالقول إن خطب ودّ الرموز السلفية من قبل البعض من الأحزاب السياسية لها داع واحد ووحيد هو براغماتية اللحظة الانتخابية التي تدفع الأحزاب إلى البحث عن المرشح الأكثر حظا للفوز بالمقعد الانتخابي.

وأعطى الباحث المغربي مثالا بحالة أبوحفص مع حزب الاستقلال حيث يتوفر على قاعدة من الأتباع تجعل حظوظ التنافس والفوز بالمقاعد الانتخابية وافرة، مما يجعل الأحزاب المستقطبة لها رهان سياسي للفوز بمقاعد إضافية خلال العملية الانتخابية. واعتبر محمد خليدي أمين عام حزب النهضة والفضيلة، في خروج صحافي إثر استقالة هؤلاء الشيوخ من تنظيمه الحزبي، أن حزبه ساهم بشكل كبير في إدماج السلفيين في الحياة السياسية بالمغرب، في وقت كانت فيه الأحزاب متوجسة من الحديث عن الملف، وأن مطلب إدماج السلفية في الحياة السياسية يأتي لتحقيق المصالحة الوطنية والمصالح العليا للوطن.

ويبدو أن الدولة أرادت خنق كل بذرة متطرفة داخل التيار السلفي عبر آليتي الحوار والإدماج في الحياة السياسية، وعلى هذا الأساس رجح عبدالإله السطي أن هناك مؤشرات للتطبيع مع المرجعية والثوابت الرسمية للدولة المغربية من قبل جميع رموز السلفية، التي عبرت أكثر من مرة عن تراجعها عن الخطاب التكفيري.

13