الدولة.. المونولجست

الأحد 2013/12/01

في العاصمة الأردنية عمّان طقس عربي غريب، تتمازج فيه الفصول السياسية الأربعة، القومية، الإسلامية، الليبرالية، وفصل جديد من نوعه وهو المأزومية.

يضمك الحوار مع أشخاص يعيشون خارج هذا الواقع، فتستمع لهم بكل صبر وتقنع نفسك أن لهم وجهة نظر تستحق الاحترام والتأمل، بل والاستفادة من تجاربهم مهما استغربت من تلك القذائف اللفظية، أو ما يسميه السعوديون "الأرانب" والقصد المبالغات الغريبة والأقرب إلى الأكاذيب، بل قد تكون هي الأكاذيب نفسها.

يستمتع المأزومون بهلامية انتماءاتهم السياسية، فلا تعرف هل من تستمع له إسلاموي، أم قومي، أم ليبرالي. ففي وصلة عزف منفرد له تجد التنقل السريع والمدهش بين النفس القومي للالتزام الإسلاموي، ثم الانفتاح المدهش على العالم والغرب خصوصا، إلى أن تصل إلى ختام الوصلة، حيث يتم تقديم خلاصة مدهشة من الشتائم الموجهة إلى جميع تلك التيارات.

في مثل هذه الجلسات الممتعة، والتي لو طلب أصحابها رسم اشتراك للاستماع إليها لوَقَتْهم غائلة الفقر، ولاحترفوا ما يسمى بكوميديا المونولجست.

حظيت بحفلة ممتعة استمعت خلالها إلى العديد ممن يستحقون العمل كمونولوجست. بدأت الحفلة بوصلة رائعة من أحدهم، وهو قادم للتو من بغداد، فبدأ في الترحم على صدام، ولعن المالكي، ثم انتقد التدخل الإيراني والإهمال السعودي، ثم سرح في استعراض الموقف الاقتصادي في العراق بصفته رجل أعمال، ليعيد نظم سبحة الحكاية بانتقاد صدام على حروبه، والحديث عن انتعاش الاقتصاد في العراق واستتباب الأمن، إلا من تفجيرات متفرقة، ثم قال إن إيران تنعش السياحة الدينية وتبني المطارات وتستثمر الكثير في البصرة، مما سيجعل من البصرة عاصمة الخليج الاقتصادية قريبا. لحسن الحظ كنت بعيدا عن الرجل، لذا لم أسهم في نظم سبحة أفكار صاحبنا، واكتفيت بالتأمل في حكاياته.

عدم انتظام قصة صاحبنا البغدادي ليس أمرا فريدا من نوعه، فقصته بدت لي امتدادا لقصة "العربي الحديث". هي قصة دول وأنظمة سياسية تعشق الغرب وتفتح له أراضيها ليبني قواعده، ثم تتركه يستعملها للهجوم على دول عربية وإسلامية، بينما هي تمارس في الوقت نفسه الحديث عن ضعف الأمة وتهالك أنظمتها على الغرب، وتزيد على ذلك تلك الدولة ترويجها لفكر متشدد إخواني يدّعي أنه ضد من بنى القاعدة وضد التدخل الأجنبي.

البغدادي البسيط في منطقه مارس ما تمارسه دول عديدة تكره أميركا علنا وتعشقها علنا، في الوقت نفسه، وتفتخر بذلك.

حالة نفسية معقده مضطربة انعكست على مواقف سياسية لدولة أشبه بامرأة تبحث عن عشيقها، كي يعاشرها وحين لا تجده راغبا فيها، تشكك في قدراته الجنسية أمام صديقاتها.

حينما عبّر البغدادي عن رأيه السياسي في الوضع العراقي استطاع أن يخفي عن بعض من حضر تضارب موقفه ورؤيته عبر تضمين قصته العديد من الأحداث والمواقف المشتتة، حيث اضطرب البعض ونجا آخرون، لعلي أن أكون منهم.

لم ينتبه البعض إلى فوضى حكمه على الوضع السياسي في العراق. وهي الدولة التي اضطربت قصتها، واختلت موازينها، فلم يكتشف مستمعو قناتها واسعة الانتشار إلى اضطراب العرض ولم يتبينوا تعارض المواقف، وقد تكون حاجتهم لصنم يقيمونه تمجيدا ثم يوسعوه رجما بالحجارة، هو ما جعل من استمرار القصة أمرا حتميا.

الصنم الذي يكرهونه ويحتاجون إليه. يعرفون أنهم يعبدونه عن باطل، لكنهم يحتاجون إليه لتفريغ شحنات اضطرابهم النفسي.

هذه الدولة فيها كل المتناقضات، يعيش الإسلامي بجوار الإسرائيلي، بل يعشقان واحدهما الآخر وينامان على سرير واحد أعمدته الدولارات، ويقال اليوروات.

من قال إن المونولجست مجرد شخص يمارس عمله ليضحك جمهوره وينفّس عنه؟ في المثال الذي نعرض له قد يكون دولة تمارس دورا مونولجستيا وجمهورها كل المنطقة.

24