الدولة الهشة لا تحتمل كتابا عن ثرائها

أضحوكة بالفعل أن تُخدش هيبة نظام حكم، أو يساء إلى "دولة" عتيقة وعميقة إلا إذا كانت تعاني هشاشة خلف وجه يبدو صلبا، فتخشى أن يدميها حجر وَرقي عنوانه "هل مصر بلد فقير حقا؟".
الثلاثاء 2018/10/30
هل مصر بلد فقير حقا

أصدق مصارحة أعلنها عبدالفتاح السيسي، وهو رئيس، إلى الشعب أن مصر العظيمة- لم يقل العظيمة بالطبع- هي الآن “شبه دولة”. وكان الرجل المتفائل، في يوليو 2013 وهو وزير للدفاع برتبة “فريق أول”، أطلق مقولة إن مصر أم الدنيا ستكون “قدّ الدنيا”. واستهوته المقولة فكررها في مناسبات تالية أهمها الاحتفال بأربعين عاما على نصر أكتوبر 1973، وحذّر الذين قال إنهم وقفوا ضد مصر أن يتقوا يوما تكون فيه مصر “قدّ الدنيا”. كلام مجاني في سكرة الخطوبة، صدّقه باحث اقتصادي بارز وتقصى الأمر بجدية، وأصدر كتابا عن الثراء الاقتصادي لمصر، فكوفئ بالحبس متهما بإذاعة “تقارير ومعلومات كاذبة”.

كتبت أكثر من مرة في صحيفة “العرب”، آخرها مقال «ما بعد السيسي.. أربع سنوات تكفي لتغيير آمن»، في 27 يونيو 2018، أن السيسي لا ينادي الشعب المصري “أيها الشعب”، “أيها المواطنون”، وإنما يردد “يا مصريين”، ولم ينبهه أحد في الدوائر القريبة منه إلى أن هذا نداء لم يسبقه إليه حاكم وطني، وكان لنابليون نداء قريب يستميل به “المصريين”، ويصطنع به شرعية بالتحريض على المماليك والتذكير بمساوئهم. ويبدو أن شبحا ما قال للسيسي إن خطاب السكرة لا محل له الآن، بعد مجيء الفكرة، فأعلن في يناير 2017 أننا “فقراء قوي”، وأكد الكلمتين بتكرار مصحوب بالضغط العنيف على مخارج الحروف.

فما كان من عبدالخالق فاروق إلا أن ألف كتاب “هل مصر بلد فقير حقا؟”، وعاندته البيروقراطية العتيدة في استخراج رقم إيداع بدار الكتب. وقد اختفت الرقابة على الكتب في مصر منذ أكثر من أربعين عاما، وليس رقم الإيداع شرطا للنشر، وإنما هو توثيق للصدور وتعهُّد بإرسال نسخ من الكتاب للإيداع بالدار. رقم الإيداع إذن لا يوازي ترخيص الرقابة على المصنفات الفنية بعرض فيلم مثلا. وبعد العناد الوظيفي في منح المؤلف رقم إيداع لكتابه، اقتحمت قوة من الشرطة المطبعة، 14 أكتوبر 2018، وتحفظت على 185 نسخة.

سجلت ذلك في مقالي “الرقابة الإعلامية تكرّس 30 يونيو بقرة مقدسة”، 22 أكتوبر 2018، مندهشا مع مؤلفه القائل إن “الكتاب لا يشتم أحدا، وإنما يناقش الموضوع بالأرقام والحقائق”. وفوجئت بمصادرة المؤلف نفسه والقبض عليه مع صاحب المطبعة، ووجهت إليهما النيابة تهمة “الاشتراك في حيازة وطباعة مطبوع يتضمن أخبارا وبيانات كاذبة” عن الوضع الاقتصادي لمصر.

حصل عبدالخالق فاروق على جائزة الدولة في مصر في العلوم الاقتصادية والقانونية مرتين، الأولى عام 2003 عن كتابه “النفط والأموال العربية في الخارج”، والثانية عام 2010 عن كتابه “كم ينفق المصريون على التعليم؟”. وصدر له في الإمارات كتابا “الغاز الطبيعي ومستقبل العمل العربي المشترك” و”اقتصاد المعرفة العربي: مشكلاته وأفق تطوره”.

وبعد ثورة 25 يناير 2011 توقعتُ أن يعيّنَ وزيرا للاقتصاد، فنختبر قدرة النظريات على التطبيق والمشي بين الناس في الأسواق، وتفادي أخطاء سياسات سابقة انتقدها في كتبه “اقتصاديات الفساد في مصر: 1974 - 2010”، و”جذور الفساد الإداري في مصر”، و”مأزق الاقتصاد المصري”. ويبدو أنهم ادخروه للبحث، فواصل دراساته ومنها “اقتصاديات الحج والعمرة: كم ينفق المصريون على الحج والعمرة” 2012، و”اقتصاديات جماعة الإخوان المسلمين في مصر والعالم”، الذي فاز بجائزة أفضل كتاب في العلوم الاجتماعية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2015.

أضحوكة بالفعل أن تُخدش هيبة نظام حكم، أو يساء إلى “دولة” عتيقة وعميقة إلا إذا كانت تعاني هشاشة خلف وجه يبدو صلبا، فتخشى أن يدميها حجر وَرقي عنوانه “هل مصر بلد فقير حقا؟”. الكتاب بطبيعة التخصص ليس جماهيريا، وقال المؤلف في التحقيق إن المطبوع من الكتاب 200 نسخة.

وإذا استبعدنا الإهداء والفهرس وسيرة المؤلف، سيتبقى من الكتاب 180 صفحة، متوسط كل منها 35 سطرا يضم 17 كلمة. لا تتيح الصفحات المصورة (ب يدي أف) إمكانية إحصاء عدد كلمات الكتاب، ولكن عملية حسابية تقريبية تقول إن عدد كلماته نحو 107 آلاف، وإذا كانت نسبة الأمية بين 100 مليون مصري نحو 30 في المئة، فإن كل 654 مواطنا من القارئين سيقاسمون كلمة واحدة في كتاب مثقل بالأرقام والإحصائيات.

مسخرة أن تضيع أوقات وجهود فرق من محققي الشرطة والنيابة في هذا الهراء. وقد شهدت مشهدا شبيها بذلك في دار للنشر قادتني إليها مصادفة أثناء نوبة مداهمة. كان رجل لا تخفي ثيابه المدنية مسدسه يمسح بعينيه أرفف المكتبة، ويطمئن شخصا آخر في التليفون بأن لا شيء هنا يثير القلق، “لأ يا باشا، ولا كتاب عن 25 زفت”، يقصد ثورة 25 يناير 2011. وقرأ عينة من العناوين، ثم اتخذ مقعدا فبعدت أغلفة الكتب عن الرؤية الدقيقة، وأضاف ساخرا أن لدى مؤلفي الكتب أمزجة رائقة، فيمنحون كتبهم “عناوين غريبة: شرق.. لأ لأ اسم الكتاب شرف مش شرق، وفرط الرمان، حبة البرتقال، ناقص شاي بالياسمين أو جِدْر البطاطا يا باشا، هأهأ”. وكدت أنبهه إلى أن لصديقي جارالنبي الحلو مجموعة قصصية جميلة عنوانها “طعم القرنفل”، صدرت عام 1986. وخشيت أن ينشغل عن القرنفل، وينشط حسه الأمني بالسؤال عما إذا كان جارالنبي اسما مستعارا لكاتب خفي؟ وليتني فعلت، لأصرفه كما تنصرف الشياطين.

لا يحتمل التصحّر السياسي المصري صوتا مخالفا، لا أقول معارضا، وهذا يجعل التصحر غير سياسي أصلا، فلا تتمتع إدارة سياسية بإرادة ورشد وفاعلية وجدارة بالحكم في غياب تحدّ حقيقي لمعارضين أنداد، بل إن قوة النظام الحاكم تقاس بمدى تفوقه على منافسين يسعون إلى تداول السلطة بانتخاب حر. أي شرف لفريق رياضي ينفرد بكل عناصر القوة حين ينافس فرقا ضعيفة؟

الحظوة بخصم قوي تستفز القدرات على التحدي، وتعصم الفرد والحزب والدولة من قواصم الاسترخاء والتحلل الذاتي الكارثي، وقد استبقت الولايات المتحدة تفكك الاتحاد السوفيتي وزوال خطره بإنعاش الخطر الإسلامي. فلماذا يحاصر بلد “قدّ الدنيا” مخرجا شابا ويرفض التصريح بعرض أول أفلامه “آخر أيام المدينة”، ويصادر كتابا ومؤلفا خوفا على تعرّض مواطن من 388 ألفا نصيبهم مجتمعين صفحة واحدة من كتاب “هل مصر بلد فقير حقا؟”.

في الولايات المتحدة امرأة تتهم الرئيس دونالد ترامب بالتحرش الجنسي بها، ولم تقتل في حادث سير، أو تلفق لها قضية “شرف”. ما فعله الرئيس هو تكليف محام بالدفاع عنه. وحين ينتقده مؤلف بكتاب، ومخرج بفيلم، وممثلون بتصريحات، يرد بتغريدة غاضبة، فالقانون سلطة تحمي الجميع، من الرئيس إلى أي مواطن ولو تهوّر وأصدر كتابا عنوانه “هل أميركا بلد فقير حقا؟”.

8