الدولة الوطنية تقصي الدولة الدينية في مصر

الصعود إلى السلطة والسقوط في اختبار الحكم وفرا ميزة كبيرة لكشف نوايا الإخوان، أوقفت نشر مخطط الجماعة لتكريس الدولة الدينية، على حساب الدولة الوطنية.
الاثنين 2018/07/02
ثورة 30 يونيو في مصر أنهت أسطورة الدولة الدينية لعقود طويلة

من أهم الدروس التي حملتها ثورة 30 يونيو 2013 في مصر، أنها أنهت أسطورة الدولة الدينية لعقود طويلة. كانت المواجهة سياسية وحضارية مع الإخوان وغير خافية على كثيرين، وجاء حماس المواطنين والانخراط فيها للتخلص من حكم الجماعة وحلفائها المتعاطفين مع التيار الإسلامي، كدلالة على لفظ الرمز والمعنى.

لست معنيا بالدخول في تفاصيل الجدل، بشأن هل هي ثورة أم موجة ثانية لثورة 25 يناير 2011؟ وهل حققت كلتاهما الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية للمصريين؟ وهل نجحت يونيو في تصويب أخطاء يناير بعد التخلص من الإخوان؟

أعداؤها ممن وصفوها بـ“الانقلاب”، أعماهم الهوى عن رؤية الملايين من المصريين الذين خرجوا في الشوارع، وأغمضوا أعينهم عن الإمعان في الدور الذي لعبه الجيش في الثورتين، ويكاد يكون متشابها، مع فروق نسبية في الممارسات. بالطبع لم يتوقفوا عند المغزى الحقيقي الذي حملته وأدى إلى نهاية حكم الجماعة في غضون عام.

الذكرى الخامسة التي مرت قبل يومين، غطت عليها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أثرت على حياة قطاع كبير من المواطنين، جعلت كثيرين منهم يربطون بينها وبين ما يواجهونه من ارتفاع في الأسعار وغلاء مستوى المعيشة. مع ذلك هناك فئة لن تنسى فضلها في التخلص من حلم الدولة الدينية الذي راود الإسلاميين فترة طويلة.

من النادر أن تجد ثورة يتم تحديد موعدها علانية للجميع، وقبل انطلاقها بنحو ثلاثة أشهر، ويجري التجهيز والحشد لها على الملأ، ولم تتراجع الجماعة أو تتوقف عن الصلف والغرور

عندما صعدت الجماعة إلى السلطة في مصر وظهرت ممارساتها التعسفية، كان من أهم الأسئلة التي تدور في أذهان النخبة، كيف يمكن التخلص من هذا الكابوس؟ هل هناك إمكانية لذلك أصلا بعد تسارع وتيرة السيطرة على مفاصل الدولة؟ هل يمكن خروج المصريين في ثورتين خلال عامين ونصف؟ بدا التفكير في هذه الأسئلة مخيفا للبعض بسبب صعوبة الحصول على نتيجة إيجابية. كان منطقيا لدى آخرين ممن يملكون وعيا بالتاريخ، وفهما للعقل الجمعي للمصريين.

نتائج الحوارات التي دارت بيني وبين أصدقاء وزملاء كثيرين في المهنة، أشارت إلى وجود اتجاهين. أحدهما رأى صعوبة بالغة في التخلص من حكم الجماعة النهمة للسلطة. والآخر كان يميل إلى أن مسألة سقوط الإخوان بحاجة إلى خطة منظمة، تشارك فيها قوى المجتمع المصري الحية، لأن خلع الإخوان أشد قسوة من وصولهم إلى الحكم.

عادة تنتهي النقاشات مصحوبة بالمزيد من الأسى والندم. لكن لم يتوقف الكتّاب الذين لم يتلونوا بلون الإخوان، عن انتقاداتهم لتوجهات وسياسات الجماعة، وطالت الرئيس الأسبق محمد مرسي مباشرة.

أتذكر عبارة قالها أكاديمي قبطي في جامعة حلوان بجنوب القاهرة، فحواها أنه كلما قرأ وسمع وشاهد انتقادات عارمة للإخوان اطمأن إلى أن الجماعة فشلت في اختطاف مصر، وطالما هناك قوى يقظة في البلاد فلن تتمكن من تحقيق حلمها في التمكين وتثبيت الدولة الدينية.

هذا الكلام سمعته مباشرة وبشكل أكثر تفصيلا من خبيري علم الاجتماع السياسي، السيد يسين (رحل منذ عامين) ونادر فرجاني، وحازم الببلاوي الخبير الاقتصادي المرموق ورئيس وزراء مصر الأسبق. كان لدى كل منهم يقين بأن حكم الإخوان لن يدوم طويلا، لأن طبيعة المجتمع تنحاز بالفطرة إلى الدولة الوطنية. المناقشات تمت مع كل منهم على حدة، والإجابة كانت واحدة. وكلما استبد بي الذهول سألتهم هل لديكم معلومات تؤكد هذه الثقة؟ جاءت الإجابة أيضا متشابهة، جماعة الإخوان تتمتع بغباء سياسي، وتملك جهلا اجتماعيا مفرطا، وتفتقر إلى معرفة الشعب المصري، فقط تعرف القشور عنه، لكنها لم تتعمق في دراسة وعيه الحضاري.علامة الإخفاق في العلم والإمعان في الجهل السياسي كانت ظاهرة في عدم اكتراث الجماعة بالمقدمات التي سبقت يوم 30 يونيو.

من النادر أن تجد ثورة يتم تحديد موعدها علانية للجميع، وقبل انطلاقها بنحو ثلاثة أشهر، ويجري التجهيز والحشد لها على الملأ، ولم تتراجع الجماعة أو تتوقف عن الصلف والغرور، وأصرت على الدخول في مواجهة مفتوحة مع جميع فئات المجتمع، الجيش والشرطة والقضاء والإعلام، أو ما يسمى بمؤسسات الدولة العميقة. لحسن الحظ أنها لم تفطن لتحركات المصريين، وتتصدى لاستعدادهم المبكر في التخلص من حكمها. وبالفعل تم قطع الطريق على التفكير في الحكم الديني مرة أخرى في المنطقة برمتها.

يذكرني الشطط في الجهل بصحفي إخواني، كان يرى في ما أكتبه من انتقادات للجماعة وسقوطها القريب “أضغاث أحلام”. دار بيننا حوار قبل أيام من 30 يونيو، مازحته قائلا “اكتب مقالا تتبرأ فيه من الإخوان، ينجيك من المقصلة السياسية والمهنية”، فرفض وطالبني بكتابة مقال أعلن فيه تأييدي لهم ليكون عربونا ينجيني من الهلاك. حل 30 يونيو 2013 وتبعاته، من سقوط حكم الإخوان وتعرية مخططات الجماعة لنشر العنف والإرهاب، وجاءني الصحفي الإخواني وعليه ملامح انكسار، وقال “عرفت الآن من أين جاءتك الثقة في أن الإخوان راحلون”، وزعم أنني كنت أمتلك معلومات رسمية. كان يريد العودة لثوب المظلومية والتأكيد على نغمة أنهم تعرضوا لمؤامرة لإقصائهم من الحكم، ولم يشك في جهل جماعته.

عندما صعدت الجماعة إلى السلطة في مصر وظهرت ممارساتها التعسفية، كان من أهم الأسئلة التي تدور في أذهان النخبة، كيف يمكن التخلص من هذا الكابوس

وقتها تذكرت حكمة يسين وفرجاني والببلاوي، وأن المصريين ضد الدولة الدينية، ومع أي زعيم يدعم الدولة الوطنية، وأي عاقل لديه قدر من التفكير السليم لم يشك لحظة في رحيل الإخوان، لأن تفكير الجماعة ضد الطبيعة البشرية. ترتدي ثوبا فضفاضا كي يكون منجاة سياسية لها دون دراية بالبيئة التي تعمل فيها. ربما نجحت في خداع الناس بعض الوقت، لكن انكشافها في النهاية كان حتميا، لأنها فكرا وسلوكا ضد حركة التاريخ.

الحوارات والنقاشات وصلت في لحظات الإحباط إلى الندم على سقوط المرشح الرئاسي أحمد شفيق أمام محمد مرسي، باعتبار أن نجاح الأول كان كفيلا بتجنيب المصريين مشاهد العنف التي تلت سقوط الإخوان، والابتعاد عن مأزق وجود رئيس من الجماعة في السلطة ثم عزله.

لكن كان أحدنا يرد أن نجاح شفيق في العبور بالبلاد مشكوك فيه، في ظل التحديات التي تواجهها البلاد، كما أنه في مقدمة المحسوبين على نظام حسني مبارك الذي أسقطته ثورة يناير. لم يكن سقوط شفيق مستبعدا حال وصوله إلى السلطة، لأن الإخوان يمتلكون قوة على الأرض تفوق قوة جميع الأحزاب السياسية، وشبح مبارك وفساد نظام حكمه لن يفارقاه. في هذه الحالة يسهل فشل حكمه، وتقفز الجماعة إلى السلطة على جثة شفيق ورفاقه. وتقدم نفسها على أنها البديل الجاهز. وقتها كان سيتم قبول أخطائها ومنحها فرصة أطول في الحكم.

الصعود إلى السلطة والسقوط في اختبار الحكم وفرا ميزة كبيرة لكشف نوايا الإخوان، أوقفت مخطط الجماعة لتكريس الدولة الدينية على حساب الدولة الوطنية،  لأنها كانت تزعم أن الخلافة الإسلامية كفيلة بتذويب الفوارق بين الدول.

9