الدولة الوطنية في زمن التحولات

الأربعاء 2013/11/06
كيف سقطت هذه «الدولة» بكل سلطاتها السيادية أمام حناجر شباب أعزل؟

لماذا انهارت دول، كنا نعتقد أنها صلبة قوية؟ ولماذا صمدت أخرى، وتمكنت من اجتياز رياح التغيير الجارفة بأمان أو بأقل الخسائر؟ هل نجحت الدولة الوطنية، كمفهوم وممارسة ومؤسسات في استيعاب رسائل «الربيع العربي»، وبالتالي تكيفت مع الواقع الجديد؟ أم أن ما حدث في الدول التي نجحت إلى حد الآن في الحفاظ على استقرارها، هو مجرد مناورة سياسية نجحت في ربح الوقت والزمن السياسي وأجلت مواجهة الأسئلة الكبرى والحادة إلى مرحلة لاحقة؟

ننطلق من فرضية أن الدولة الوطنية في الوطن العربي واجهت على امتداد السنتين الأخيرتين وبالتحديد منذ اندلاع أحداث وثورات «الربيع العربي»، تحديات تاريخية مست في الجوهر، مشروعية الدولة الوطنية، وهزت المؤسسات الدستورية التي تقوم وتتأسس عليها، ودكت هياكلها وبنياتها، وأخرجت إلى الشوارع المواطنين والمواطنات، للمطالبة بسقوطها والإطاحة برموزها. ما الذي جعل الدول العربية تواجه هذا المصير الأسود والصعب؟ وتسقط رغم الفوارق بين أنظمتها السياسية وأشكال هيكلتها المؤسساتية: الجماهيرية الليبية، مصر، تونس، اليمن، وحاليا سوريا… في مأزق الصدام مع الشعب؟

هل المفاهيم الكلاسيكية للدولة، والقيم والمبادئ التي تقوم عليها الدولة الوطنية لم تعد صالحة للزمن العربي الراهن؟ أم أن الممارسة الميدانية والفعلية في الدول التي سقطت تحت تأثير «الربيع العربي»، رغم كل الشعارات التي كانت ترفعها أنظمة الحكم السياسي التي كانت سائدة فيها، لم تكن في الحقيقة منسجمة ومتجاوبة مع العمق الحقيقي والمحتوى الفلسفي لمفهوم الدولة الوطنية؟

إن التحولات السياسية الاجتماعية وقبلها التغيرات الثورية في المجال الرقمي وتكنولوجيا المعلومات، وفتوحات العولمة المالية واقتصاديات السوق، وتحول العالم اليوم إلى فضاء موحد وصغير «العالم أصبح قرية رقمية» طرح ويطرح على مفهوم الدولة كمصطلح وكمفهوم، وكممارسة «سيادية» لبعض الوظائف والمسؤوليات رهانات حادة وأسئلة مقلقة.

الدولة الوطنية الكلاسيكية الحريصة على سيادتها الترابية وأجوائها الوطنية ومياهها الإقليمية، وسلامة وأمن مواطنيها، وحماية منظومة قيمها الروحية والدينية والثقافية تواجه اليوم اختراقات مباشرة تطرح مفهوم سؤال السيادة اليوم؟ وتضع على المحك كل القيم التي كنا نعتبر قبل زمن يسير أنها من الثوابت والقيم والإشكالات المحسوم فيها بشكل نهائي.

إن العالم اليوم يتغير بسرعة مذهلة يصعب على التشريعات الوطنية مجاراتها، ويتعب الفكر الإنساني في استيعابها وضبطها فبالأحرى تقنينها، وإيجاد مكان مناسب لها ضمن منظومة القيم والمبادئ وشبكة المؤسسات التي بنيت عليها الدولة..

كيف يمكن للدولة الوطنية أن تواجه اكتساح شبكات القنوات الفضائية الدولية وغزوها لعقول مواطنيها؟

إن الدولة الوطنية وجدت وتجد نفسها فوق أراضيها وضمن مجال سيادتها، في مواجهة ممارسات وسلوكات لا قدرة لها على التعاطي معها، إلا بغض البصر أو السلبية أو الزجر الأمني المفرط. والتوقف عند إفرازات الثورات العربية في دول الربيع، يكشف كيف أن «الدولة» بكل أجهزتها «الاستخباراتية» والأمنية والقمعية لم تتمكن من «الاستقواء» بمفهوم السيادة وكل ما يوفره من وسائل ويضمنه من وظائف لمواجهة ما يتسرب وينتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي والفضائيات من دعوات لإسقاط هذه الدولة نفسها؟ كيف أن هذه الدولة الوطنية وهي غنية جدا في حالة ليبيا، وأمنية جدا في حالة تونس، وبيروقراطية وعريقة وقوية في حالة مصر لم تتمكن وهي متشبثة بالمفهوم التقليدي للدولة الوطنية وحريصة على حماية سيادة هذه الدولة من الأداء الإيجابي لوظائف الدولة الوطنية؟

إن التحولات العميقة التي تمر بها المنطقة العربية تفرض على النخب الفكرية أن تقارب أسئلة هذه المرحلة التاريخية بكل جرأة فكرية ونزاهة علمية ومسؤولية وطنية فالدولة العربية، حتى في الدول التي لم يؤثر فيها «الربيع» بشكل دراماتيكي، مدعوة لمواجهة سؤال الحقيقة والشفافية، ومحاولة بناء إجابات عقلانية على هذا السؤال بما يتجاوب ومتطلبات هذه التحولات العميقة ومطالب الإنسان العربي بالكرامة والحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وتوسيع المشاركة السياسية.

6