الدولة عاجزة في تونس

الجمعة 2016/09/23

الدولة ليست السلطة القائمة ولا الحزب الحكام. الدولة مواطنون وقوانين ومؤسسات ونظام وسلطة ومعارضة وأحزاب ومنظمات. في تونس وقعت ثورة منذ خمس سنوات ونصف السنة أسقطت النظام والسلطة القائمين وبقيت الدولة بلا سلطة تديرها طيلة سنة كاملة حتى انتخابات 23 أكتوبر 2011 أين اختار المواطنون التونسيون أن يسلموا الدولة لأحد أعدائها ليديرها.

لكن انتخابات 23 أكتوبر 2011 أفرزت إشكالا جدليا عطّل مسيرة تونس وأربكها وبعثر نضالات الثوريين ورماها في العدم، تمثل الإشكال في تعارض الثورة مع الدولة تعارضا تاما. ولم تحدث المصالحة بينهما إلى اليوم إذ أن كل من أمسكوا الدولة بعد 14 يناير 2011 لم يكونوا من أبناء الثورة.

والنتيجة كانت قاسية على تونس وشعبها فلا الثورة نجحت ولا الدولة نجحت. الشيء الوحيد الذي تقاسمته الدولة والثورة بالعدل هو الفشل. ونتيجة هذا الفشل هو التقدّم المستمر للدولة في الغرق في الأزمات المتناسلة وهي عاجزة عن أن توقف سيلها أو حتى تحد منه.

من علامات ذلك أن الدولة لم تعد تخجل من كشف أزمتها الأخلاقية الفظيعة المتمظهرة في كل شيء كأن تقول ما لا تفعل وتخلف ما تعد به وتنسى برامجها التي أعلنت عنها بإرادتها والتزمت بها. الدولة اليوم في تونس في وضع من يكتفي بترديد الحوقلة “لا حول ولا قوة إلا بالله” اختصارا لكل شيء وتعبيرا عن كل ما يتبادر إلى الذهن من إحساس بالعجز وفقدان للقدرة على الفعل وإقرار بما هو كائن وموجود رغم كل مساوئه ومخاطره.

الدولة في تونس اليوم ترى الجميع أمامها من مواطنيها وإطاراتها ومناضليها وكفاءاتها ولكنها تختار بإرادة كاملة الشخص غير المناسب للمكان غير المناسب. الدولة تعجز عن تسمية مسؤول لا لقلّة المسؤولين بل لخضوع الاختيار لكل شيء غير الكفاءة ونظافة اليد والمسؤولية.

ولهذا تتفاجأ الدولة في كل مرة بمسؤول سام وضعته في غير مكانه مثل مندوب الطفولة في قفصة الذي يبرر زواج القاصرات كاشفا عن عداء لمنظومة التشريعات التي وضعتها الدولة لحماية الطفولة التي يؤتمن عليها. تتخذ الدولة قرارا بإعفاء هذا المسؤول الأول عن الطفولة التي كان أول من انتهكها فيتحول المسؤول نفسه إلى قاطع طريق وتحتل عشيرته مؤسسات الدولة للضغط من أجل التراجع عن قرار إعفائه. ثم يمتد الفعل المعادي لقرار الدولة الصائب بإعفائه إلى أن يبلغ حد تعطيل إنتاج الفوسفات.

وتعجز الدولة عن التصدي لحزب التحرير المارق المعادي لها والمجاهر بعدائه لها وللجمهورية والمدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان والذي أعلن تبنّيه مشروعا معارضا لها ومخالفا لإرادة الشعب. الدولة تنظر إلى هذا الحزب الذي يتجوّل براياته السود في شوارع تونس ويرفع شعارات القتل والاستعباد ويدعو إلى الجهاد بل الإرهاب. الدولة تعجز عن حماية أرضها من الداخل فما بالك بالخارج.

هذا الحزب تسبب في أزمة اجتماعية خانقة في جزيرة قرقنة المفقرة امتدت فصولها على أكثر من سنة والدولة تكتفي بالفرجة. هذه الأزمة اختُبرت فيها حكومتان سليلتا انتخابات 2014 هما حكومة الصيد وحكومة الشاهد، وتشاركتا الفشل الذريع لا في إنقاذ الموقف وضمان نشاط الشركة فقط بل في إظهار قدرة الدولة على إدارة الشأن العام وجاهزيتها للتعاطي مع الملفات الجارية منها والطارئة.

فشل ملف شركة بتروفاك التي تعمل في مجال الغاز في جزيرة قرقنة وقررت مغادرة تونس وتسريح المئات من العمال هو فشل للدولة بكل مكوناتها سلطة ومعارضة ومنظمات ونظاما وقوانين استثمار. لقد تدخّل الجميع في الملف ولكنه انتهى إلى الفشل. وربح حزب التحرير الذي كان ولا يزال يدعو إلى استعادة الثروة من الفرنجة.

ومن السخرية المرّة أن يتكلّم قيادي في حزب نداء تونس الحاكم ووزير سابق في حكومة السبسي الانتقالية لسنة 2011 وحكومة الصيد الأولى لسنة 2015 داعيا الدولة إلى التفاوض مع حزب التحرير بشأن أزمة بتروفاك! وهذا يعني إقرار الحزب الحاكم الذي منحه الشعب التونسي ثقته ليحكمه بوجود حزب لم يشارك في الانتخابات، لأنه لا يؤمن بها، له وزن يضاهي وزن الدولة.

الدولة تتفاوض فيها السلطة مع المعارضة والحكومة مع شركائها الاجتماعيين ومع الدول التي تتقاطع معها مصالحها. أما أن يدعو رجل بهذه المكانة الدولة التي يمثلها إلى أن تتفاوض مع حزب مارق معاد لها مجاهر بمساندته للإرهاب فهذا إقرار بهشاشة الدولة بل بتلاشيها وتخليها عن مسؤوليتها في الإدارة العادلة والحكيمة للشأن العام.

لو سمعت الدولة كلام الوزير السابق والقيادي الدائم في الحزب الحاكم ودخلت نفق التفاوض مع حزب التحرير فإنها قد وضعت بذلك اللبنة الأولى لدولة المذاهب والملل والنحل وربما العصابات والمافيات. فما الذي سيمنع عصابة أو حزب أو ملّة أو حتى حزيب من العمل على السيطرة على جهة أو مصدر من مصادر الثروة حتى يجبر الدولة على التفاوض معه ومنحه سلطة محلية يقيمها كما يريد؟

وما الذي سيمنع هذه الأجسام الجديدة عن العمل على التسلح لحماية مصالحها التي منحتها لها الدولة؟ أي وعي لهذا الوزير القيادي في الحزب الحاكم وأي علاقة له بدستور تونس الجديد؟ إنه يضع اللبنة الأولى للقضاء على الدولة بل للقضاء على الوطن ومثال ليبيا على بعد طرفة من عينه.

كيف يمكن أن يستقيم حال الدولة في تونس والعداء هو سمة العلاقة القائمة بين كل مكوناتها؛ فالأحزاب المتحالفة في الحكم تتبادل العداء ويتربص بعضها ببعض. وأسوأ علاقة هي تلك القائمة بين حزبي النداء والنهضة. وكل حزب منهما يعيش حالة عداء داخلية فما يحدث داخل حزب نداء تونس من سباب وانحطاط أخلاقي محبط للشعب التونسي. فهذا الحزب لا يتوقف عن التأكيد على كونه خطأ في تاريخ تونس سيدفع ثمنه التونسيون لعقود طويلة.

والعلاقة بين المنظمات الوطنية في ما بينها لم تتغير. وعلاقة هذه المنظمات بالسلطة لم تتغير أيضا رغم إمضائها معا على اتفاق قرطاج رغم الشعارات والصور البروتوكولية والابتسامات الصفراء. وعلاقة السلطة بالمعارضة لا وصف لها غير العداء وترصد الأخطاء ونشر الفضائح والتشهير بالأشخاص والإساءة لهم.

التعادي والاستعداد للتصادم هما السمة الغالبة على مكونات الدولة في تونس. ولهذا تفشل الدولة في إدارة الملفات وفي التعاطي مع المشكلات فتغرق فيها وتنتظر المدد من الخارج. إنها الدولة العاجزة التي تقود تونس إلى قادم رمادي ينذر بكل شيء ولا يعد بشيء.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

8