الدولة والإسلام والحداثة في مصر.. ثالوث يبحث عن خلاص

الاثنين 2017/10/30
أزهريون واقفون في منتصف القرن الماضي

القاهرة – تعود أهمية كتاب "البحث عن خلاص.. أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر" إلى أن مؤلفه شريف يونس يقدم نقدا تاريخيا ومنهجيا جذريا للروايتين الوطنية والإسلامية لتاريخ مصر الحديث، اللتين حكمتا رؤية معظم المصريين لسبعة عقود على الأقل، وكلتاهما أشبه بملحمة شعبية تحكي سيرة بطل واحد بلا شك، وهو البطل الذي يؤكد الكاتب أنه هو الشعب /الأمة المصرية و”ملحقها العربي” أو “الأمة المسلمة”، على حد قول الكاتب.

ويزعم الكاتب أنه لا يقدم رواية تعمل على إثبات خطأ وجهة نظر معينة، بل يحاول تفسير ما يعتبر وجود كل ظاهرة من الظواهر التي يتناول العلاقة في ما بينها، ويؤكد أنه يطرح رواية بديلة لقصة الدولة المصرية والإسلام والحداثة، حيث يقول الكاتب إنه يضع هذه القضية في سياقها العالمي بدلا من سياقها المحلي.

وحول الدين والسلطة في مصر، وصفهما الكاتب بأنهما اثنان من التابوهات أو المحرمات، بينما التابو الثالث هو الجنس، معتبرا أن الكلام حول مثل هذه التابوهات محفوف بالمخاطر.

لكن الكاتب يذهب إلى أن الدين ظاهرة روحية أو معنوية وضميرية، بينما الدولة ظاهرة مادية ومجتمعية، ويعتبر أن الإيمان، بصفة عامة، هو يقين، بينما السلطة لها مصدر مختلف بالرغم من أن هذا المصدر ليس منفصلا دائما عن الدين، وبينما تتم ممارسة الدين عن اقتناع، يمكن أن تمارس السلطة نفوذها على التابعين لها عن طريق القهر وليس عن طريق الإقناع في جميع الأحوال.

الدين ظاهرة روحية، بينما الدولة ظاهرة مادية ومجتمعية، والإيمان يقين، بينما السلطة لها مصدر آخر مختلف

وخصص الكاتب قسما من كتابه يبحث في العلاقة بين الأديان السماوية والدولة، فيشير إلى أن ما يقصده من أديان هي الأديان السماوية الإبراهيمية، وهي الإسلام والمسيحية واليهودية، ويزعم الكاتب في الفصل الخاص بهذا الموضوع الشائك أن كل دين من هذه الأديان يرفض الاعتراف بأي دين غيره، وهو خطأ واضح وضع فيه الكاتب، لأن الدين الإسلامي يعتبر بجميع الأديان السماوية الأخرى، بل يجعل الإيمان بها من شروط الإيمان بالإسلام، بل إن الإسلامأقر أديانا أخرى غير سماوية مثل دين الصابئة.

وحول ما يصفه المؤلف بـغزو الحداثة لمصر، يربط بين وصول الحداثة للمجتمع المصري وبين تأسيس الدولة المصرية الحديثة على يد محمد علي، الوالي العثماني، الذي تمرد على الدولة العثمانية في ما بعد وقرر أن يؤسس لنفسه ولأسرته دولة مستقلة ومستقرة في مصر.

ويوضح الكاتب ما يعتبره الفارق بين الدولة الحديثة والدولة التي تتسم بالحداثة، فكل دولة تقوم في زمانها تصبح حديثة بالنسبة للدولة التي سبقتها زمنيا، لكن ما يقصده الكاتب بالحداثة هنا، هو تبني الأفكار المستحدثة في الإدارة، وفي إعادة تنظيم العلاقات بين طبقات المجتمع.

وفي القسم المعنون بـ”أزمة الإسلام”، يذهب الكاتب إلى اعتبار أن الإسلام يمر بأزمة في البلدان الإسلامية لعدة أسباب منها، أن المؤسسات التي تعبر عنه، مثل الأزهر، على أفضل الأحوال هي مؤسسات في مقتبل الحداثة، وفي نفس الوقت فإن علماء الدين الإسلامي الذين كانوا في طليعة الشعوب في الدول الإسلامية، مثل مصر، فقدوا نفوذهم بالتدريج، وأنهم بالرغم من أنهم كانوا سببا في وصول محمد علي للسلطة، فإن نفس هؤلاء العلماء فقدوا نفوذهم على يد محمد علي نفسه، والذي دفع بهم إلى خارج منطقة النفوذ الاجتماعي والسياسي في مصر من أجل أن يؤسس لدولته الحداثية الجديدة.

أما في القسم الخاص بـ”الإصلاح الديني”، يقدم الكاتب عددا ممن وصفهم بالإصلاحيين في تاريخ مصر الحديثة، ومنهم الإمام محمد عبده والشيخ جمال الدين الأفغاني، اللذان وصفهما بأنهما أخذا على عاتقهما تحديث الإسلام في مصر.

وتناول الكاتب في نفس السياق الخلاف الذي نشأ حول اعتبار مصر دولة أو أمة قائمة بذاتها، في نفس الوقت الذي شهدت فيه فكرة الإصلاح الديني في مصر خلافا بين المنهج التدريجي الذي دعا له الإمام محمد عبده وبين المنهج الثوري المتسرع الذي دعا له الشيخ جمال الدين الأفغاني، وهو خلاف انعكس على التلاميذ الذين اجتمعوا حول الإمام محمد عبده والشيخ جمال الدين الأفغاني، والذين انقسموا في ما بينهم حول نواة الهوية المصرية، هل هي مصرية خالصة أم عربية أم شرق أوسطية؟

ويخصص الكاتب فصلا كاملا عنونه بـ”القطبية” ، وفي هذا الجزء الهام من الكتاب يعرض الكاتب للأفكار التي ارتبطت بشخصية مثيرة للجدل في تاريخ مصر، وفي تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، وهو سيد قطب أحد أبرز المفكرين البارزين في تاريخ هذه الجماعة المثيرة للجدل في تاريخ مصر، حيث كان من بين المفكرين الذين دعوا في وقت مبكر، حتي قبل انضمامه لجماعة الإخوان وقبل سقوط النظام الملكي في مصر، لما يسمى بالاشتراكية الإسلامية.

هو مصطلح حاول أن يطرح مقاربة بين الإسلام وبين الاشتراكية، بل إن سيد قطب نفسه عمل كمساعد شخصي لقائد الضباط الأحرار جمال عبدالناصر الذي أطاح بالملكية في مصر، وكتب للضباط الأحرار وثائقهم الأولى ضمن تنظيم هيئة التحرير، وهو التنظيم الذي أطلقه الضباط الأحرار خلال هذه الفترة، وذلك قبل أن ينقلب سيد قطب على جمال عبدالناصر، وعلى الاشتراكية نفسها، بل وعلى مصر والمصريين أنفسهم، ووصف مصر بالمجتمع الجاهلي، وحكم على الشعب بالكفر البواح وأنه يعيش في مجتمع جاهلي مثل جاهلية قريش.

جدير بالإشارة إلى أن كتاب ”البحث عن خلاص.. أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر”، للكاتب شريف يونس، صدر عن الهيئة العامة المصرية للكتاب، ويقع في نحو 416 صفحة من القطع المتوسط.

13