الدولة والثورة في تونس

الثلاثاء 2014/05/20

الأطراف الثوريّة هي من أكبر الغائبين عن الفعل السياسيّ في المشهد التونسيّ لاسيما أنّها لم تتجرّأ للتقدّم نحو السلطة لمّا كانت شاغرة إثر هروب بن علي وترنّح نظامه. فقدان الجرأة هذا هو الذي شجّع ما بقي من نظام زين العابدين بن علي على ترميم نفسه واستعادة السلطة الملقاة على قارعة قرطاج معوّلا على فصول دستور مهترئ.

اتّسمت الأطراف الثوريّة، أحزابا ونقابات وناشطين جهويّين وناشطين مدنيّين ومثقّفين وشعراء، بمدنيّة كبيرة. كانت غايتهم جميعا إسقاط نظام بن علي. ولم يفكّروا أبدا في أخذ مكانه. ولم يكن لديهم برنامج للحكم. وهذا ما يفسّر الذهول الذي تعاطت به القوى الثوريّة مع حدث هروب بن علي من تونس يوم 14 يناير 2011. فبمجرّد إذاعة خبر الفرار وشغور منصب رئيس الجمهوريّة، أقفر شارع بورقيبة الذي كان هادرا. وعاد الجميع إلى بيوتهم منتظرين الحاكم الجديد. وهو ما يسّر على نظام بن علي التقاط السلطة من جديد بتعيين فؤاد المبزّع رئيسا للجمهوريّة ومحمد الغنوشي رئيسا للوزراء.

ومنذ 14 يناير 2011، تداولت على حكم تونس 6 حكومات في ثلاث سنوات لم تكن جميعها في صفّ الثورة والثوريّين. ثلاث حكومات منها كانت قبل انتخابات 23 أكتوبر 2011 وفي عهد الرئيس المؤقّت فؤاد المبزّع وثلاث أخرى بعد الانتخابات نفسها وفي عهد الرئيس المؤقّت أيضا المنصف المرزوقي. وقد كانت اثنتان من الحكومات الثلاث الأخيرة قد تشكّلت في عهد الترويكا (أحزاب النهضة والمؤتمر والتكتّل التي اقتسمت الحكم بينها بقيادة حركة النهضة الإسلاميّة).

أمّا الحكومة الثالثة التي تحكم تونس الآن فقد كانت وليدة الحوار الوطني الذي رعته أربع منظّمات مدنيّة كبرى في تونس وقاده الاتّحاد العام التونسي للشغل. محمد الغنوشي هو آخر وزير أوّل في نظام زين العابدين بن علي. ومع ذلك احتفظ بمنصبه بعد هروب بن علي.

وشكّل حكومتين كانتا مرتعشتي الأيدي وانتهتا بتقديمه استقالته في أواخر مارس 2011 ليخلفه السياسي المخضرم الباجي قايد السبسي بتكليف من فؤاد المبزّع. ومنذ تولّيه، دأب قايد السبسي على ترديد عبارتين؛ الأولى “هيبة الدولة” ويعني بها إنهاء دور الهيئات والتنظيمات الثوريّة التي أطّرت الحراك الثوري، وحاولت تنظيم الحياة أثناء فترة الفراغ التي خلّفها هروب بن علي وأعوانه، والثانية “أنا لا أقتسم صلاحيّاتي مع أحد ومن هو مثلي لا أحد يحكم معه”.

لم يكن اسم الباجي قايد السبسي قد ذكر قبل تولّيه رئاسة الحكومة. ولم يكن التونسيّون يعلمون إن كان على قيد الحياة أم لا باعتبار تقدّمه في السنّ فهو من رجال دولة الاستقلال. وكان آخر منصب تولاّه هو رئاسة مجلس النوّاب في عهد بن علي مطلع تسعينات القرن الماضي. ولكنّه عاد فجأة إلى أعلى سدّة الحكم حاملا معه حركات بورقيبة ودعابته وأقواله ونظريّته في الحكم القائمة على الإمساك بكلّ شيء وعلى الضجر من أصحاب النظريّة الثوريّة.

استقبل قايد السبسي كلّ الفاعلين السياسيّين والاجتماعيّين في تونس كبارا وصغارا، عدا الشهيد شكري بلعيد الأمين العام لحزب الوطنيّين الديمقراطيّين الموحّد حينها، وحمّة الهمّامي الأمين العام لحزب العمّال الشيوعي التونسيّ. وكان قايد السبسي يجاهر حينا ويسرّ أحيانا أخرى بأنّ هذين الحزبين وبقيّة الأحزاب الثوريّة هي التي تقف وراء الاحتجاجات المتكرّرة في مناطق تونسيّة مختلفة. كما تمّ اعتقال بعض مناضلي الموحّد وحزب العمّال والوطد الثوري في بوعرادة بمحافظة سليانة وسط غرب تونس وبجهات داخليّة أخرى وبالعاصمة وبالجامعات على خلفيّة تحرّكاتهم الاحتجاجيّة أو دعمهم للحراك الثوريّ.

ومن أشهر ما أثر عن قايد السبسي أثناء تولّيه الحكم تبديده لحكاية القنّاصة الذين قتلوا شهداء الثورة التونسيّة. وكان يردّد: “من يمسك بقنّاص فليحضره إليّ”. واستمرّت الدولة التونسيّة في منهج التعاطي هذا مع ملفّ القنّاصة. ولم تكشف حقيقتهم بعد.

وبعد تخلّي قايد السبسي عن الحكم وتسليمه السلطة لحكومة الترويكا التي تشكّلت عقب انتخابات 23 أكتوبر 2011، حاولت هذه الحكومة والحكومات المتعاقبة بعدها أن تستمرّ في نمط حكم قايد السبسي القاضي بالاستئثار بالحكم وبملاحقة شباب الحراك الثوريّ من السياسيّين والناشطين المدنيّين والنقابيّين. وهو ما دفع بحكومتي الترويكا إلى مهاجمة شركائهما الاجتماعيّين وأبرزهم الاتّحاد العام التونسيّ للشغل وخصومهما السياسيّين وعلى رأسهم الجبهة الشعبيّة، ثمّ بعد ذلك حركة نداء تونس التي أسّسها الباجي قايد السبسي بعد خروجه من الحكم للتصدّي للإسلاميّين الذين اعتبرهم خطرا على تونس بعد أن كان من أكبر المساندين لهم.

لمّا تسلّم الإسلاميّون الحكم وقبضوا على الدولة بإحكام عبر حكومة الترويكا والمجلس التأسيسي الذي تخنقه الأغلبيّة النهضويّة، دفعوا بعمليّة التنكيل بالثوريّين إلى أقصاها عبر تشجيع خصوم الثورة وتمويلهم واحتضانهم، ونعني بهم رابطات العنف والأصوليّين المتشدّدين الذي اغتصبوا الفضاء العام واحتلّوا المساجد واتّخذوها ديار فتوى وجمعيّات للتجنيد مع وضع اليد على أجهزة الأمن واسترضائها بالزيادات في الأجر والامتيازات والسماح لها بالنشاط النقابي.

عاد القمع إلى تونس بنوعين؛ نوع رسميّ عبر بوليس مشحون ضدّ القوى الثوريّة، ونوع غير رسمي عبر مليشيات التأديب والاغتيال المسرحة في كل الساحات والميادين. فعاشت تونس أيّاما حزينة بإشراف الدولة من أحداث 9 أفريل 2012 حيث عاد البوليس إلى الاعتداء على الناشطين والقيادات الحزبيّة والنقابيّة في الشارع، إلى الاعتداء على اتّحاد الشغل يوم 04 ديسمبر 2012، إلى فقء أعين شباب سليانة بسلاح الرشّ في ديسمبر 2012، إلى اغتيال لطفي نقّض يوم 18 أكتوبر 2012، وشكري بلعيد يوم 6 فبراير 2013، ومحمد براهمي يوم 25 يوليو 2013.

ومع كلّ ذلك، لم تتوقّف الاعتقالات وتلفيق التهم للناشطين والإعلاميّين لاسيما من الذين مازالوا مسكونين بالحلم الثوريّ مثل جابر الماجري وزياد الهاني ونعمان حميدة وعاطف بن سالم وعزيز عمامي ورمزي بن ملوكة وسندس زروقي. وليس سبب الاغتيالات والاعتقالات والاعتداءات على مناضلي الحراك الثوري إلاّ تمسّكهم المستميت بأهداف الثورة وشعاراتها المركزيّة المطالبة بالحريّة والكرامة، وحماية ثروات تونس من النهب والخروج من المديونيّة وتغيير مناويل التنمية. فبأيّ معنى يقول السيّد رئيس الحكومة “للثورة دولة تحميها” وأبناء الثورة في القبور أو في السجون أو في الأحياء القصديريّة؟


كاتب وباحث سياسي تونسي

8