الدولة والوطن

الثلاثاء 2014/06/10

كثر النقاش في المدة الأخيرة حول مدى وطنية حكومة التكنوقراطيين الذين يحكمون تونس اليوم بعد التوجهات الجديدة المتمثلة في التخلي عن بعض الشركات الوطنية لفائدة الخواص وبعض المواقع التراثية لأصحاب الأموال. كما تعهدت بعض الأحزاب أنها في حالة فوزها في الانتخابات المقبلة ستعمل على إقامة تحالف واسع من أجل تكوين حكومة وطنية.

لابد هنا من التعمق في الظاهرة الجديدة للدولة التي لم تعد تتأسس فقط على معطيات وطنية سنشرحها في ما بعد، بل وأيضا على ركائز العولمة التي تقلل من المعطى الوطني في اتجاه نظام اقتصادي معولم قد يمهد الطريق لاستعمار من نوع جديد. لا محالة، لنا دولة، ودولتنا هذه تستمد مشروعيتها من بقايا البناءات المتعدّدة عبر التاريخ المعاصر لتونس، حتى وإن حاولت بعض المجموعات المختلفة سواء كانت دينية أو اجتماعية أو قبلية أو جهوية أن تسيطر على مكتسباتها أو تطيح بما بقي منها قائما. وعلى سبيل التذكير نؤكد هنا على أن الدولة في صبغتها العامة تقوم على نمطين من المؤسسات:

نوع أول نسمّيه على منوال الفيلسوف الإيطالي غرامشي بالمؤسسات العنيفة للدولة، وهي التي تضم كل المصالح الأمنية كالبوليس والجيش، وهناك من يضيف أيضا المحاكم والقضاء بصفة عامة باعتباره قد يؤدي إلى سلب الحريات، ومهمة هذه المؤسسات العنيفة هي احتواء العنف المجتمعي داخل منظومات قانونية بحيث سيكون المجتمع مجتمعا تسالميا غير عنيف، بما أن العنف قد تمّ احتكاره في هذه المؤسسات.

أما النوع الثاني، فهو ما يسمّيه الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير بالمؤسسات الإيديولوجية للدولة والتي تعتمد التعليم والتربية والثقافة والدّين، بحيث أنها تقدّم للمواطن إمكانات تكوينه وتعليمه حتى يصبح حرّا في اختيار دينه واعتناق مذهبه وتطوير فلسفته ونظرته للحياة لا محالة، ولكنه يخضع في الأخير إلى النمط الذي يريده استراتيجيو الدولة.

فالحياة الديمقراطية تنشأ من خلال تواجد هذين العنصرين في الدولة تواجدا منسقا ومترابطا ومتفاعلا، فلا يمكن لأي ديمقراطية أن تتطور في مجتمع عنيف، إلا أنها ستكون مجدية إذا ما قامت الدولة باحتكار العنف بصفة ديمقراطية مستعملة كل الوسائل التي تسمح بها القوانين. كذلك لا يمكن لديمقراطية معينة أن تبني دولة وطنية ومشاركة فاعلة للمواطن، إذا لم تكن هناك تربية فكرية تعليمية ثقافية حتى يتمكن المواطن من اختيار من يمثله عن وعي ودراية، فدولة القانون هي تلك التي استطاعت أن تضمن تسالما في المجتمع وتربية تحررية في الفرد.

هكذا تكون الدولة هي قبل كل شيء بناء محكم للسلطة بصفتها امتلاك القدرة والقوة على القرار والفعل والهيمنة بحد اللسان والسيف، تحكمه مجموعة من القواعد والقوانين تكونت بإرادة الشعب الذي سيخضع عن طريق تلك الإرادة لأجهزتها ودواليبها. أما إذا اقترنت الدولة بمفهوم الوطن فإنها ستتطلب تجسيدا لهذا البناء في مؤسسات قائمة، بعضها أيديولوجي ثقافي وتعليمي، وبعضها أمني وعسكري يقوم على العنف المقنن والمشروع. فللدولة الوطنية سلطة السيادة داخل حدود جغرافية معترف بها داخليا وخارجيا لا تقوم شرعيتها على ما هو غير دنيوي وإنساني. هذه الدولة الوطنية غير الدينية قد ارتكزت على فكرة المجتمع السياسي المستند بدوره إلى العقد الاجتماعي، الذي من المفروض أن يجعل من مهمة الدولة الأساسية حماية الفرد المواطن من العنف ومن كل مظاهر الغطرسة والاستبداد. هذا التوجه الليبرالي الذي يعتبر الحرية حسب تعبير عبدالله العروي “المبدأ والمنتهى والباعث والهدف والأصل والنتيجة” قد أضاف إلى الدولة صبغة جديدة بجانب صبغتها الوطنية، ونعني الصبغة العلمية التقنية التي تبني أسّا جديدا لها يتمثل في معرفة دقيقة لآليات تدبير شؤون الدولة في كل مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية وغيرها.

هذه التقنيات المتطورة قد بدأت في العالم الليبرالي الغربي تقوم بعملية تحويل الدولة من صبغتها الكلاسيكية المتمثلة في أجهزة العنف والحضور المكثف في المجتمع والاقتصاد، إلى إدارة تصريف لشؤون الناس بحضور غير مكثف يقترب من الدرجة الدنيا حتى يترك أكبر قدر للحرية في الاقتصاد والسياسة، وبما أن رأس المال لا يعترف بالحدود الجغرافية، ولا بالإحساس الوطني، ولا بأولية المصلحة المشتركة فإن دولة التكنوقراطيين لن تقرأ حسابا كبيرا للحس الوطني، باعتبار أنها ترى أن مصلحة الوطن والدولة تتطلب مصلحة الفرد والخاص، وأن المصلحة الخاصة إذا ما تطورت ستطور بالضرورة المصلحة الوطنية.

إن نظرية الدولة الدنيا التي تحاول الدولة التونسية الآن تطبيقها لا يمكن أن تكون فاعلة في مجتمعات لم تتأقلم بعد مع مستحدثات التقنية والعلوم والتفكير بصفة عامة. لأنها ستعرض المصلحة الوطنية إلى خطر الابتزاز والفساد لأن المجتمع لم يطور بعد منظومة التقييم والمراقبة اللازمة في الدولة الحديثة. وبذلك ستؤدي حتما إلى انتشار الفساد. نحن ما زلنا في حاجة إلى الحضور المكثف للدولة لكن حسب ما ينص عليه الدستور وما تضبطه القوانين. فلا يمكننا أن نعطي للدولة دورا سلبيا يتمثل في العنف المقنن والعقاب وإقامة التوازن بين فئات المجتمع والمصالح والتيارات فقط، بل للدولة دور فعال وإيجابي يتمثل في السهر على إعادة إنتاج رأس المال. فالدولة تكوّن الثروة وتخلقها كما تكون واقعا يناسبها وتحوله على أن لا ينتج عن هذا الدور ما سماه المفكر الألماني هوركايمر بـ”الدولة الكاملة” فتعرقل الحريات الفردية لتضفي ممارستها إلى نوع من الاستبداد.

هذه الوضعية الجديدة للدولة الدنيا هي المناسبة أكثر للعمل الديمقراطي الحقيقي بما أنها تقلص من دور الحكومة، وتعطي أهمية قصوى للحرية الاقتصادية والفردية والاجتماعية. والسؤال هل نحن في تونس وفي العالم العربي- لاسيما الذي عاش الثورة- مستعدون ثقافيا وسياسيا لممارسة الحكم الأدنى؟ أو بالأحرى هل اجتمعت الشروط الموضوعية مثل التقدم العلمي والتكنولوجي والازدهار الاقتصادي والتطور الثقافي لهذا النوع من الحكم في بلداننا حتى وإن اتجهت بعد الثورات العربية نحو المزيد من الديمقراطية؟

لذلك لا يمكن لدولة التكنوقراطيين أن تمارس النظريات السياسية للدولة الدنيا في وضع اقتصادي صعب، وفي أمن لم يتوفر بما فيه الكفاية وبثقافة التوكل على الدولة والخوف أن يؤدي هذا التسرع في الخوصصة إلى استفحال الفساد وتفكيك التآزر الاجتماعي.


كاتب ومفكر تونسي

9