الدول الدائنة: نساعدكم على مساعدة أنفسكم

الثلاثاء 2017/10/31
الدنيا عسر ويسر

مسوقو “المظلومية الاقتصادية” في البلدان النامية والفقيرة ينتظرون من البلدان المانحة والغنية منحهم الصنارة والسمكة والبحر وطريقة الصيد وموقد الشواء، وكأن الدول الغنية عبارة عن جمعيات خيرية، وكأن هؤلاء المنتقدين -على حد تعبير المثل العامي- يريدون “قطا من خشب” يصيد ولا يأكل.

أمر طبيعي ومشروع أن تستفيد رؤوس الأموال من أموالها، وتستثمر في القروض التي توفر بدورها لأصحاب الفوائض المالية من أفراد وشركات، فرصة لادخار أموالهم والحفاظ عليها من شرور التضخم، وهي أيضا ملاذ جيد للمستثمرين الذين لا يحبون المخاطر ويخشون الخوض في أسواق الأسهم.

الفكر الاقتصادي الحديث ينادي بضرورة تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية للأفراد والمؤسسات، ويرى أن القروض بصفة عامة، سواء كانت خارجية أو داخلية، ذات دور إيجابي في زيادة الإنتاج، ورفع مستوى الدخل والحد من البطالة، كما تعمل على تحقيق التوزيع الشامل للثروة الوطنية عن طريق توجيه الأموال العامة نحو نفقات أكثر أولوية.

الدولة تلجأ إلى هذه القروض الخارجية بسبب نقص المدخرات الوطنية أو عجز في ميزان المدفوعات وهذه القروض تحسّن سعر الصرف وحالة ميزان المدفوعات عند الإصدار، كما لا يمكن أن نتجاهل أن أقوى اقتصادات العالم تلجأ إلى القروض والمديونية لأسباب تكتيكية واستراتيجية، ووفق حسابات مدروسة يضعها خبراء اقتصاديون فـ”صاحب التاج يحتاج ” كما يقول المثل العامي.

ويرى مختصون في الاقتصاد الدولي أن السياسة الأذكى والأقرب إلى الحنكة والنفعية الإيجابية، هي التمكن من إيجاد مصادر للتنمية عبر الاستدانة وتأمين القروض الميسرة وفقا لديناميكية الأخذ والعطاء وليس السلبية والانزواء والابتعاد عن المغامرة المحمودة في عالم يتغير ولا يعترف بالجمود والانطواء.

ويجب ألا ننسى أن المديونية هي الخيار الوحيد أمام الدول التي لا فوائض لديها للتوسع والاستثمار في التنمية وحفز النمو الاقتصادي، بعكس الشركات التي تمتلك أدوات أخرى للتمويل، مثل حقوق المساهمين، الأمر الذي يكسب مديونية الدول أهمية خاصة.

من إيجابيات المديونية أنها تتمثل في الانضباط المالي الناشئ عنها والتزام الدول المدينة بتنفيذ برامجها الإصلاحية والتنموية

ويتفق الاقتصاديون على أن الفائدة الأكبر للمديونية، على مستوى الشركات، هي الوفرة الضريبية التي تحققها من خلال تخفيض الدخل الخاضع للضريبة عبر مصروف الفوائد؛ إذ أن الفوائد التي تدفعها الشركة للدائنين تقلل الدخل قبل الضريبة وبالتالي مصروف ضريبة الدخل، وذلك بخلاف توزيعات الأرباح التي تأخذ من صافي الدخل بعض الضريبة.

ومن إيجابيات المديونية أنها تتمثل في الانضباط المالي الناشئ عنها والتزام الدول المدينة بتنفيذ برامجها الإصلاحية والتنموية. ويؤكد خبراء أن التجربة أثبتت أن الدول الغنية ذات الفوائض المالية دائما ما تكون أقل انضباطا في إنفاقها وتوزيعها لمواردها من الدول المدينة ذات العجوزات المالية. ويضيف اقتصاديون أننا صرنا نرى في الخليج برامج إصلاح مالية واقتصادية لم نكن نتوقع أن نراها قبل أن تنخفض أسعار النفط وتبدأ بعض دول الخليج بالاقتراض.

فائدة أخرى للمديونية هي الالتزام الذي تخلقه والانضباط المالي الذي يترتب على هذا الالتزام؛ فمدير الشركة المديونة يشعر دائما بوجود التزام لديه تجاه الدائنين يتمثل في سداد أصل الدين وفوائده بشكل كامل وفي الوقت المحدد. هذا الالتزام يجعل الشركة المديونة أكثر حرصا في توظيف موارد الشركة وإدارة استثماراتها من شركة لا التزامات لديها تجاه دائنين.

ولكي لا ينساق المراقب العادي نحو تلك الكليشيهات النقدية والسطحية التي تطال المؤسسات المالية القارضة والمانحة في العالم فإن أدوارا عديدة تقع في قلب نشاط الإقراض الذي يقوم به صندوق النقد الدولي في إطار مساعدة البلدان الأعضاء على معالجة أزماتها الاقتصادية، ومنها استعادة النمو الاقتصادي القابل للاستمرار، ومعالجة مشكلات ميزان المدفوعات.

وخلافاً لبنوك التنمية، لا يقدم صندوق النقد الدولي قروضاً لتمويل مشروعات محددة، بل يقدم قروضا إلى البلدان التي قد تواجه نقصاً في النقد الأجنبي لمنحها الوقت اللازم لتصحيح السياسات الاقتصادية واستعادة النمو دون الحاجة إلى اللجوء إلى إجراءات تلحق الضرر بنفسها أو بالاقتصادات الأعضاء الأخرى.

لا وجود لاقتصاد قوي بمنأى عن الديون فلقد كشف صندوق النقد الدولى أن إجمالى الدين العالمي وصل إلى مستوى غير مسبوق ويبلغ حجم الديون الأميركية وحدها أكثر من 19 تريليون دولار.

12