الدول الصغيرة أقدر على رعاية حقوق سكانها

الثلاثاء 2017/09/26
الانفصال قد يكون نحو الأفضل

قد يكون هذا الرأي صادما للكثيرين. لكنه مجرد رأي متفرج على الحياة على هذا الكوكب. هناك حقيقة بسيطة لا يتأملها البشر بما يكفي، وهي أن جميع سكان العالم يحبون أوطانهم وبضمنهم من نعتقد أنهم خانوا أوطانهم.

سكان العراق وبنغلاديش وجيبوتي وجنوب السودان والولايات المتحدة وألمانيا والصين واليابان يحبون أوطانهم بنفس الدرجة.

وسكان كردستان وفي قمة غضبهم من سياسات بغداد، كانوا يشجعون المنتخب العراقي بدرجة قد تفوق بعض مناطق العراق الأخرى.

الأمر ليس سوى غريزة طبيعة ولو كانت دير الزور تابعة للعراق في خرائط سايكس بيكو لكانوا متحمسين للعراق. وفي المقابل لو كانت الأنبار أو الموصل تابعة لسوريا في تلك الخرائط لكانوا سوريين حد النخاع.

كان سكان يوغسلافيا متحمسين لبلدهم، وهم الآن متحمسون بدرجة مماثلة لأوطانهم الستة بنفس الدرجة. ولو أصبحت البصرة أو الموصل دولة فسوف نجد سكانها متحمسين لدولتهم في مواجهة بقية العراق دون أي تردد.

وينطبق الأمر على ولايات كاليفورنيا وفلوريدا ونيويورك. لو كانت دولا مستقلة فسيكون سكانها مستعدين لمقاتلة الولايات المتحدة إذا حاولت الطغيان على بلدانهم.

دعونا نخرج قليلا من الغريزة المغلقة ونتأمل الأمر كمتفرجين هبطوا من كوكب آخر، وسنجد أن الدولة مجرد إطار قانوني لرعاية حقوق سكانها، وأن العالم كله لا يكفي أن يكون وطنا للإنسان المعاصر.

الاستفتاء وحق تقرير المصير حق بسيط وطبيعي، وأي اعتراض عليه يمثل طغيانا غير مبرر، وهو يشبه إجبار شخص على البقاء في زواج فاشل

المنطق البديهي يقول إن الدول الصغيرة أكثر شفافية وسكانها أكثر قدرة على التأثير في صناعة القرار من سكان الدول الكبيرة، إضافة إلى أنها ستكون حتما أقل اشتباكا في الصراعات الدولية.

هذا منطق بسيط وبديهي وبعيد عن الأمثلة التي قد تعثر على نماذج تخالف هذا المنطق مثل جنوب السودان أو غيرها.

سكان لوكسمبورغ مثلا أكثر رخاء وسعادة وتأثيرا في صناعة قرارات البلد من سكان ألمانيا بدرجة كبيرة. وموارد بلدهم لا تذهب في برامج اتحادية وسياسات خارجية لا تخدم سكان البلاد.

في الولايات المتحدة هناك عشرات الملايين من المسحوقين الذين لا يستطيعون زيارة الطبيب حتى لو أصيبوا بالسرطان، وأوضاعهم أسوأ من معظم سكان الدول النامية والفقيرة، في حين أن بلادهم “العظمى” تنفق مئات المليارات سنويا على سياساتها الخارجية.

قد تكون الدول الكبيرة في الماضي أقدر على حماية سكانها، لكننا اليوم نجد الدول الصغيرة أكثر بعدا عن الصراعات.

هل كان يمكن لسنغافورة أن تكون بهذا النجاح لو بقيت جزءا من ماليزيا. وهل كان سكان سويسرا ليكونوا بهذا الرفاه والاستقرار لو كانت مقسمة بين إيطاليا وألمانيا وفرنسا.

الاستفتاء وحق تقرير المصير حق بسيط وطبيعي، وأي اعتراض عليه يمثل طغيانا غير مبرر، وهو يشبه إجبار شخص على البقاء في زواج فاشل.

الاعتراض على استفتاء إقليم كردستان لا ينبغي أن يكون رفضا لذلك الحق، بل على ما فيه من طغيان على حقوق سكان المناطق المتنازع عليها وكون مسعود البارزاني، المتجاوز على حق بقائه في رئاسة الإقليم ويريد من خلال الاستفتاء البقاء في السلطة إلى الأبد وضرب جميع خصومه.

اعتراضات دول الجوار نابعة من خوفها على تقسيم بلدانها، لأن الاستفتاء سيؤدي حتما إلى تفجير طموحات الأقلية الكردية الكبيرة في تركيا وسيفتح الأبواب أمام انفصالها.

أما نظام الحكم في طهران فسوف يكون أكبر الخاسرين من استقلال كردستان العراق، لأنه سيكون بداية نهاية دولة إيران التي ستنشطر حتما إلى 5 دول على الأقل للأذريين والأكراد والعرب والبلوش وأخرى للفرس.

وسيكون ذلك من مصلحة تلك الشعوب وبضمنها الفرس، لأنهم سيتخلصون من الصراعات الخارجية ويلتفتون إلى حقوقهم وواجباتهم ويتخلصون من عقدة الامبراطورية المرضية.

قد يكون هذا الكلام صادما، ولكن لنفترض أن العراق أو أي بلد آخر تقسم إلى عدة دول أو لنقل إنه أصبح دولة مكوّنة من 18 ولاية كونفدرالية. النتيجة البسيطة والبديهية هي أن سكان تلك الولايات سيكونون أكثر قدرة على محاسبة حكوماتهم المحلية.

سيكونون حتما أكثر تأثيرا في صناعة القرارات المتصلة بتفاصيل حياتهم من قدرتهم الحالية على التأثير على الحكومة المركزية البعيدة والمشتبكة في صراعات إقليمية وعالمية. قد يواجهون مشاكل كثيرة في البداية ولكنهم سيتمكّنون في النهاية من تصحيح الأخطاء وإقالة الفاشلين بسهولة أكبر.

ضعوا الشعارات والحمى الغريزية جانبا وتأملوا مصالح الناس في التمتع بالاستقرار والحقوق والخدمات.

12