الدول المديونة: قروضكم أنشوطة في رقابنا

الثلاثاء 2017/10/31
نظرة عتاب من طفل تختصر كل الكلام

ما الذي يجعل دولة غنية تساعد دولة فقيرة إن لم يكن ذلك مفيدا لها؟ يقول المفكر الأميركي نعوم تشومسكي: الأغنياء يحكمون ويتنافسون ويزيحون بلا رحمة أولئك الذين يقفون في طريقهم، ويساعدهم الأغنياء في الدول الجائعة، أما الباقون فيخدمون ويعانون.

العلاقات المديونية بين الدول لا ينبغي أن تقاس على مثيلاتها بين الأفراد الذين تجمعهم إلى جانب المصالح الشخصية، روابط صداقة وقرابة ومودة. ثم إن الاستدانة من شخص لآخر لا تفرض السداد مع نسبة الفائدة كما هي الحال بين الدول.. فلماذا لا نطلق صفة “المرابي” على الدول كما نطلقها على الأشخاص، وبنفس المعيار الأخلاقي؟ أليس استغلال ظروف شخص محتاج أهون بآلاف المرات من امتصاص دماء الشعوب وتفقير الأجيال القادمة؟

إذا كانت الدولة فقيرة وأرادت دولة غنية أن تساعدها حقًا فيجب أن تجعلها تمتلك زمام أمورها، أن تعلمها بالفعل كيف تدير نفسها، كيف تصنع وكيف تقود وكيف تنتج.. أما كان الأجدر أن تعاملها وفق المثل الصيني ” لا تعطني سمكا بل علمني كيف أصطاده”؟

الدول الرأسمالية استمرت في لعب دور الدائن المنقذ دون أن تراعي مدى قدرة هذه البلاد على السداد في المستقبل، ولعبت حكومات هذه الدول دورًا كبيرًا في تشجيع البنوك التجارية الدولية على اللعب بمصائر الشعوب.

وفي عام 1982 بدأت أزمة الديون الخارجية بالظهور عندما بدأت بعض الدول كالمكسيك والأرجنتين بالتوقف عن دفع أعباء ديونها الخارجية، وزاد بعد ذلك عدد الدول التي تطلب إعادة جدولة ديونها الخارجية، وزاد من حدة هذه الأزمة أثر الكساد والركود الاقتصادي على اقتصاديات الدول الرأسمالية الصناعية، ووجدت نفسها غير قادرة على استرداد تلك المبالغ التي أقرضتها للدول الفقيرة.

الدائنون لا شأن لهم ولا فائدة من نمو الشركة وارتفاع قيمتها، كل همهم هو أن تصلهم مستحقاتهم بشكل كامل وفي الوقت المحدد، وأي مخاطر إضافية تقلل من احتمالية حصولهم على مستحقاتهم، هي بنظرهم مصدر خطر يستحسن تفاديه

ومن هذا المنطلق حرصت الدول الدائنة والهيئات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي على البحث عن الحلول التي تمكنها من استعادة أموالها، وبدأت الدول المدينة في البحث عن الطرق التي يمكن أن تخرجها من هذه الأزمة فلم تجد غير منح القروض المهينة والمساعدات المشروطة.

وبلغة الاقتصاد وبعيدا عن البعد الإنساني الذي تتضمنه المواثيق الدولية، فإن المديونية تمثل التزاما يزيد من احتمالية تعثر الشركات (والدول) وإفلاسها فهي تضعف المرونة المالية للشركات أي قدرتها على الاستدانة في أي وقت وبسعر فائدة معقول لمواجهة ما يستجد من ظروف. كما أنها تخلق تضاربا في المصالح بين الدائنين والمساهمين، فالمساهمون معنيون بنمو الشركة وزيادة قيمتها ولو كان ذلك على حساب ضلوع الشركة في مخاطر أكبر.

الدائنون لا شأن لهم ولا فائدة من نمو الشركة وارتفاع قيمتها، كل همهم هو أن تصلهم مستحقاتهم بشكل كامل وفي الوقت المحدد، وأي مخاطر إضافية تقلل من احتمالية حصولهم على مستحقاتهم، هي بنظرهم مصدر خطر يستحسن تفاديه.

ما سبق لا ينطبق على الشركات فحسب، بل ينطبق على الدول أيضا، والأنكى من ذلك كله أن هذه الدول تمارس على شعوبها نفس ما تصنعه فيها الدول الدائنة فمنطق الربح الذي تشتغل وفقه مؤسسات القروض الصغرى في الدول الفقيرة يتعارض مع منطق الحماية الاجتماعية والخدمات العمومية. لقد قامت الكثير من الدول المستدانة -وبإملاءات من جهات قارضة- بهجوم تاريخي نسف مبدأ مجانية الخدمات الصحية والتعليمية التي كان الفقراء يستفيدون منها. وتفاقمت أوضاع الفقراء نتيجة ضعف الحماية الاجتماعية وغيابها بالنسبة لغالبية السكان. ونتج عن إلغاء نظام دعم أسعار المواد الغذائية الأساسية والمواد البترولية، ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرات الشرائية.

سلبيات المديونية تنبثق من كلفها، إن كان على مستوى الفوائد التي تدفعها الدولة المقترضة أو على مستوى الخسارة التي تمنى بها المرونة المالية للدول كلما زادت مديونيتها. ناهيك طبعا عن أثر الدين السلبي على الملاءة المالية للدول وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، حيث يزيد الدين من احتمالية تعثر الدول وإفلاسها. وإن كانت الحالة الأخيرة نادرة الحدوث فإن ذلك يعود إلى كون الدول الدائنة لا تتمنى موت ضحاياها بل تريد بقاءهم على قيد الاستغلال والعبودية خدمة لمصالحها.

الدول المانحة تقرض الدول الفقيرة كي تبقى هذه الأخيرة تابعة لها، وفي خضم هذا الوضع تضطر الدول النـامية للاقتراض من جديد لأجل تغطية الحـاجيات الاستهلاكية المحلية، وهذا ما زاد من حجم الديون خصوصا تلك المسماة بقصيرة الأمد. فوائد الديون أصبحت تتجاوز الديون نفسها حيث صارت تلتهم الجزء الأكبر من موارد الصادرات التي هي في الأصل غير كافية نظرا لمحدوديتها وعدم تنوعها.

12