الدون جوان الإسلامي

الأحد 2016/08/14
أسبغت الموسيقى الأندلسية على العرض جوا ملهما

نهلت مسرحية ” طوق الحمامة ” من التراث الأندلسي، فقد اِستحضر مؤلفُها عبدالله شقرون الكاتب الأندلسيّ ابن حزم عبر اِستلهام مؤلفه “طوق الحمامة في الألفة والألاّف”. وقدمه في ثلاثة فصول، أخرجها عبدالمجيد فنيش، وعرضت مؤخراً على مسرح محمد الخامس بمدينة الرباط.

وللمؤلف أكثر من أربعين كتاباً عن التراث والفلكلور والتلفزيون والمسرح بالعربية والفرنسية، وله مسرحيات تاريخية أخرى، كمسرحية “الواقعة” (1996)، “المجموعة الحمراء” (2002)، “المجموعة الخضراء” (2002)، و”سفارة أبي القاسم الزياني لدى الدولة العثمانية” (2010).

وتعتبر مسرحية “طوق الحمامة” التي قدمت هذه السنة من أهم مسرحيات الكاتب المنشورة في العام 2001، لما بلغته من نضج فني، وما حملته من مضانّ إنسانية عميقة. وما جاء في النص المسرحي من لغة شعرية عبّرت خير تعبير عن شخوص عاشوا قبل قرون في حضارة ومكان مختلفين.

موليير وشكسبير

التاريخ الذي قدمه شقرون عبر شخصية ابن حزم نقل لنا أجواء حضارة أفلتْ، لكن المسرح بإِمكانيّاته الفنية نقلها لنا كما لو كنا عدنا إلى القرن الخامس الهجري، لنسمع ابن حزم يحكي لنا عن فتى أحبَ جارية حدَّ الكَلِف، وكان لا يصبر عن تقبيلها، حتى وإنْ كانا في مجلس فيه ناس من دون أن يشعر أحد بما يفعل كما جاء في نص “طوق الحمامة” حيث يقول ابن حزم “فكانا يضطجعان إذا حضرهما أحد، وبينهما المسند العظيم من المساند الموضوعة عند ظهور الرؤساء على الفرش، ويلتقي رأساهما وراء المسند. ويقبّل كل واحد منهما صاحبه ولا يُريان”.

تحكي المسرحية الحب المشبوب بين مرجانة وسيدها هشام، وبسبب الاضطرابات في غرناطة والحروب السياسية والتبذير تضيع أموال هشام وأراضيه وتجارته، ويتخلى عنه الجميع إلا جاريته مرجانة

ولابن حزم فلسفته في الحب استلهمها فيما بعد شكسبير في مسرحيته “روميو وجولييت”، وموليير في مسرحيته “دون جوان ” وغيرهما. وقد جعل شكسبير الحب الروحي الخالص بين بطليه روميو وجولييت، بينما نقل موليير الحب الحسي بين دون جوان وعشيقاته، وما تبع ذلك من مفارقات إلى مسرحيته. بينما قامت فلسفة ابن حزم في الحب على جمع الجانب الحسي مع الجانب الروحي. فهو يرى أنَّ الحبَ لا يُبنى على عاطفة جياشة فقط بل على اِندماج روحي بين شخصين يتحولان إلى كائن واحد، ولن يهنئا بعيش إنْ لم يتواصلا تواصلاً كاملاً، مستمراً. ويرى أنَّ الحب “أولهُ هزلٌ وآخرهُ جدٌّ”، أيْ ليس من المستبعد أنْ يبدأ كتواصل حياتيّ، وينتهي بحب حسيّ وروحيّ معاً.

مسرحية طوق الحمامة لشقرون قدمت الدون جوان بطريقة إسلامية. فهي تناولت مغامرة المحبّ هشام الحسيّة، وغلفتها بمفاهيم دينية، كالحرام والحلال والإخلاص والأمانة والتضحية من أجل الحبيب.

ممثلون مميزون

المسرحية أعادت أحداثاً لأحوال محبين مضى عليها أكثر من أحد عشر قرناً، وبذلك جذبت جمهوراً عريضاً. وأسبغت الموسيقى الأندلسية، التي كانت تتردد أصداؤها خلال العرض جواً من السحر والمتعة. وساهم في إثراء الأحداث ما قدمه ممثلون مميزون للعرض من أداء مؤثر، كرشيدة منار، أحمد ولد القايد، سعيد بلكدار، والموسيقيون والمنشدون من زجل وشعر، وغناء، كيحيى المنصوري، عبدالإله أبيفير، أمين البويهي، إدريس خربوش، وعبدالإله حرة أمين.

وعكس الديكور الذي كان ضخماً ومعبراً عن الغنى والترف، الذي كان يعيشه أهل الأندلس، أما السينوغرافيا المستخدمة فقد عكست أنواع الأثاث والملابس وأذواق الناس، الذين عاشوا في ربوع تلك الأرض وجنانها.

المسرحية تحكي الحب المشبوب بين مرجانة وسيدها هشام

وأبدع الممثلون الرئيسيون في تمثيلهم، كلمياء خربوش، التي قامت بدور “الجارية مرجانة”، ومحمد المتوكل، مثّل دور”إسماعيل التاجر الذي اشترى مرجانة” وطارق بقالي، قدم دور”هشام الغني المسرف الذي عشق جاريته مرجانة حدَّ الكَلِف”.

غرناطة وألمرية

تحكي المسرحية الحب المشبوب بين مرجانة وسيدها هشام، وبسبب الاضطرابات في غرناطة والحروب السياسية والتبذير تضيع أموال هشام وأراضيه وتجارته، ويتخلى عنه الجميع إلا جاريته مرجانة. فيضطرّان للرحيل من غرناطة إلى ألمرية، التي كانت تنعم بالسلام والأمان في ظل حاكمها خيران العامري. وبسبب الفقر الشديد الذي يعانيان منه في ألمرية تقترح مرجانة على سيدها أن يبيعها ليتمكن من العيش بثمنها. فيبيعها إلى التاجر إسماعيل الذي ما أن تصير في حيازته حتى يشعر أنه امتلك جوهرة نفيسة.

وسرعان ما عرف هشام أنه لا يستطيع العيش من دون مرجانة، وأنَّ حبه لها لا تعادله أموال الدنيا. فيكافح لكي يستعيدها، ولكن إسماعيل لا يوافق على التفريط بما اشتراه. وتصل قضية الجارية مرجانة والصراع حولها بين المالكين إلى الحاكم، وفي ذات الوقت يكون ابن حزم الشاعر والعالم المعروف أسيراً لدى الحاكم بسبب دسيسة دُبرت له، وهو العارف بقضايا الحب، وما تكنَّه قلوب المحبين.

فيقرر الحاكم أن يكون ابن حزم وسيطاً لحل هذه المشكلة. فإسماعيل لا يقبل أنْ يردّ الجارية بالرغم من الثمن المضاعف الذي قدم له، ولا هشام ينسى حبه لها. فيضعهما ابن حزم في اختبار مشاعر خطير، إذْ يطلب من هشام أنْ يُلقي بنفسه من نافذة القصر إن كان حقاً يحبها. فيفعل ذلك دون أنْ يخشى الموت، وتشاء القدرة الإلهية أنْ تنقذه، فلا يحدث له مكروه بعد السقوط، أما إسماعيل، فيرفض أنْ يغامر بحياته، لكي يحتفظ بالجارية، فلذلك يقرر الحاكم أنَّ مرجانة ستكون من نصيب من ضحى من أجلها بحياته، فتعود لحبيبها هشام. وتنتهي المسرحية نهاية سعيدة، وتعزف الموسيقى ويرقص الراقصون ابتهاجاً بزواجهما، ويعفو الحاكم عن ابن حزم ويتخذه مستشاراً.

كاتب من العراق
15