"الديزل".. الحركات تتغلب على السادية 

مؤلفو فيلم "الديزل" نجحوا في تقديم قصة جاذبة تلعب على المرض النفسي من خلال تقديم البطل محمد رمضان في قالب جديد، متمرد على سينما الأكشن الشعبية.
السبت 2018/09/15
أداء نمطي ومتكرر لمحمد رمضان

يحتفظ الفنان المصري محمد رمضان بقاعدة جماهيرية كبيرة بدأها منذ انطلاقته السينمائية القوية مع فيلم “الألماني” منذ ستة أعوام، تلك القاعدة تبقى محدوديتها منحصرة بين أبناء العشوائيات والطبقات الشعبية الفقيرة والمتوسطة، لكن ذكاء الفنان في تجربته العاشرة كبطل منفرد هذه المرة جعله يقرّر الاقتراب من الفئة الاجتماعية الأكثر ثقافة ووعيا بالسينما العالمية.

القاهرة- في فيلم “الديزل” الذي طرح في دور العرض المصرية مؤخرا، قرر النجم المصري محمد رمضان تقديم توليفته السينمائية “الأكشن” في قالب متجدد، حاول من خلاله مؤلفو الفيلم الثلاثة، أمين جمال ومحمود حمدان ومحمد محرز، المزج بين الجانب النفسي والقالب الاعتيادي “الفتى القوي مفتول العضلات” لبطله، الذي ربما تخلى عنه فقط في فيلم “آخر ديك في مصر”، غير أن حماس المؤلفين لم يكف لتحقيق الطموحات ليكون الاهتمام بجانب الأكشن على حساب الجزء النفسي.

“الساديزم” أو السادية أحد الأمراض النفسية الشهيرة التي لربما زاد انتشارها في السنوات الأخيرة، وبدرجات متفاوتة لدى أصحابها، ويبقى التفسير الأبرز لهذا المرض أنه منصب على التلذّذ بتعذيب الآخرين، والشخصية السادية يجسدها الفنان فتحي عبدالوهاب أو راغب في الفيلم، ويقوم بتمثيل دور رجل أعمال لديه عشق لمشاهدة السينما العالمية، يقرّر إضفاء طابع ترفيهي على حياة أصدقائه من صفوة المجتمع الذين سئموا حياة الترف واللهو المعتادة، وقرّروا دفع أموال سخية مقابل “لعبة الموت” التي يرونها تشبع رغباتهم النفسية المريضة.

 فكرة جاذبة

السادية فكرة جاذبة في "الديزل" ضاعت بين نمطية الأداء وتكرار الانتصار للبطل الخارق والاشتغال المفرط على مشاهد الأكشن
السادية فكرة جاذبة في "الديزل" ضاعت بين نمطية الأداء وتكرار الانتصار للبطل الخارق والاشتغال المفرط على مشاهد الأكشن

نجح المؤلفون الثلاثة في تقديم قصة جاذبة تلعب على المرض النفسي الذي يبدو اهتمامهم به بقوة في أعمالهم، ففي مسلسل “عوالم خفية” الذي عرض في رمضان الماضي، بطولة عادل إمام، اتخذوا من المرض النفسي لبطلته التي تروي مذكراتها للطبيب الخاص، حبكة لصياغة سلسلة من الأحداث السياسية والاجتماعية.

وتبدو الفكرة التي صنع منها مؤلفو الفيلم الثلاثة قصتهم طازجة، وكان من الممكن أن تصبح أكثر عمقا ونجاحا، لو اعتمدوا الارتكاز عليها واستغنوا عن فكرة وجود البطل الخارق، لأن الجزء الأول من أحداث الفيلم كان منصبا على وجود جرائم غامضة يجهلها المشاهد ويعتقد من سياق حدوثها أنها تتعلق بجرائم الشرف، لأن مشهد البداية الذي ترفض فيه فتاة الخضوع لرغبة رجل الأعمال راغب يوحي بذلك.

وأقحم المؤلفون فكرة وجود البطل الخارق وتناسوا فكرتهم الأساسية لضمان خروج مشروعهم إلى النور بوجود منتج يموّل من عائلة السبكي المعروفة، ونجم يتمتع بجماهيرية كبيرة مثل محمد رمضان، ودخلت على الخط الدرامي الثاني من الأحداث مجددا شخصية بدر الديزل، الدوبلير الذي يعمل في فيلم مع نجمة سينمائية شهيرة “دنيا الصياد” وتلعب دورها ياسمين صبري، وتجنّده الشرطة لحسابها لمعرفة حقيقة الجرائم التي يرتكبها صديق الفنانة ومنتجها راغب تجاه الممثلات الصاعدات اللاّتي رفضن لعبته القاتلة.

و”الديزل” لفظ مصري يطلق على القطار الذي يمضي من محطة إلى أخرى دون توقف، ويكتسح كل من يقف أمامه، وجرى اختيار هذا العنوان عمدا، للإيحاء بأن محمد رمضان في الحقيقة مستمر فوق القمة ولن يستطيع فنان آخر فرملته، وفي الفيلم كناية عن القوة والفتوّة.

وأطاح الإقحام الذي صنعه المؤلفون بجدّة فكرتهم، واعتقدوا أنهم يقدّمون بطلهم محمد رمضان في قالب جديد، متمرد على سينما الأكشن الشعبية، صحيح أن البطل يظهر في الأحداث أنه ينتمي إلى الطبقة ذاتها ويتحدث بطريقتها، لكنه يتعامل مع ضحاياه بمقاييس الأكشن العالمي.

ويظهر ذلك في عدة مشاهد، منها عندما يرتدي “ماسك” أو قناعا يشبه وجه “فاندتيا”، وهو مصطلح يعني الانتقام، ويستخدم في مشاهد أخرى عصا كرة “البيسبول” الشهيرة للتخلص من أعدائه، وهو إقحام آخر صبغ الأحداث بصبغة لا منطقية.

قد يكون الفيلم أسند هذا الأمر لوجود ملصقات على جدران غرفة البطل الديزل عن لاعبي البيسبول، إلّا أن ذلك مسألة غير منطقية لفتى يهتم فقط بقوته البدنية وثقافته تنتمي إلى طبقة شعبية بسيطة.

كانت الأحداث في فيلم “الديزل” واضحة من الحبكة الثانية التي تساعد فيها الفنانة هنا شيحة (عفاف) حبيبها الديزل على الوصول إلى حقيقة الجرائم التي يرتكبها راغب، ويتعرف المشاهد على اللعبة المجهولة حينما تظهر عفاف وسط ساحة واسعة وأمامها غرف محاطة بأسوار حديدية وخلفها كلاب متوحشة، عندما أعطى راغب إشارة البدء، وقام بإطلاق الكلاب عليها.

تظل الضحية تركض يمينا ويسارا في محاولة لإنقاذ نفسها، وكلما حاولت النجاة يظهر لها عائق آخر إلى أن تنتهي حياتها برصاصة تخترق جسدها. وتكشف التطورات عن انعدام المنطقية، فإذا كانت الشرطة كلفت الديزل بمساعدتها في المهمة، وهي أيضا من وجدت جثة عفاف التي تبيّن الأحداث أنها كانت ستنقذها، فكيف تركتها تسقط قتيلة بحجة واهية؟ وضع مؤلفو الفيلم هذه الحجة ليمنحوا البطل منطقا وفرصة أعظم في الإفراط في مشاهد الضرب واسترجاع حق القتيلة بمنطق القوة وتقديم المزيد من الاستعراضات الحركية.

ثلاث مشكلات

واجه سيناريو الفيلم ثلاث مشكلات رئيسية، الأولى ترك الفكرة الأساسية عن المرض النفسي وتجاهل رسم الشخصيات حتى للبطل الثاني راغب الذي لا يعرف المشاهد خلفيات عن شخصيته، التي جعلته يتلذّذ بآلام الآخر الذي حوّله إلى متعة، وإن لم يكن المرض النفسي هو الباعث لصناعة الأحداث، كان من الضروري رسم شخصية راغب حتى تكتمل الفكرة.

والمشكلة الثانية أن البطل (محمد رمضان) الذي يبدو تخبطه في اختياراته لم ينفصل عنه حتى الآن، لا يزال يعتمد على عضلاته وقوته البدنية في معظم أعماله، وثقته بنفسه جعلته يظهر في بداية الفيلم في مشهد كأنه يسخر من ذاته (وفقا لأغنيته نبر ون)، باعتبار أنه “دوبلير”.

وأصبح رمضان في مأزق التقمص بين محاولة صناعة أكشن عالمي يتشابه مع نجوم أفلام الحركة في الخارج، والتأكيد على كونه بطل الأكشن الأول حاليا بعد تراجع الفنان أحمد السقا.

والمشكلة الثالثة تتعلق بالاستعانة ببطلة الفيلم ياسمين صبري، التي أطاحت بموهبتها بدرجة كبيرة في مجمل الأعمال التي ظهرت فيها مؤخرا، فهي تلعب على جاذبيتها وجمالها كأنثى، لا أكثر. وظهر مأزق صبري في مشاهد عديدة كان من المفترض أن تقدّم فيها أداء معبرا، حتى وإن كان مصطنعا، وبدا ذلك مثلا في مشاهد تذكرها لحبيبها القديم الذي قتل على يد راغب بعد أن خضع للعبته الشرسة وترك كلابه تقطّع جسده.

ويمكن القول إن تجربة مخرج الفيلم كريم السبكي، من أفضل تجاربه بعد فيلمي “قلب الأسد” مع محمد رمضان، و”من ضهر راجل” للفنان آسر يس، وبدا أكثر نضجا في تعامله مع مشروعه الفني.

وتبقى أزمة التمسك بالمقومات العائلية السبكية واضحة بين مشاهد العنف المتكررة ومحاولات إضفاء العالمية التي تبحث عنها العائلة، كما حدث في فيلم “حرب كرموز” حيث تمت الاستعانة بالممثل الإنكليزي سكوت آدكنز.

هذا علاوة على الوقوع في مأزق يتعلق بالإضاءة المستخدمة في الفيلم التي تراوحت بين الأخضر والأحمر في الكثير من مشاهد العمل، ولم تكن تستدعي ذلك، ويزيد عليها التناقض بين اللونين اللذين تم استخدامهما في اللعبة النفسية، فالأخضر درجة مريحة للأعصاب وتميل إلى حب الخير، عكس الأحمر الذي يمثل الصراع وقوى الشر، ما يتناقض مع رؤية المخرج في كادره السينمائي.

16