الديستوبيا في الأدب والمسرح.. عالم من القمع والرعب

 أعمال فنية تعري الظواهر الوحشية التي تحكم القاع البشري.
الجمعة 2021/03/05
الفن يقتحم عوالم العنف المخبأة في القاع

تُعرف “الديستوبيا” بأنها المدينة الفاسدة، أو المكان الذي يعيش فيه الإنسان مكبل الإرادة؛ مفتقدا إنسانيته وحريته، بسبب القمع الذي تمارسه السلطة الاستبدادية والفاسدة ضده وسيطرتها عليه، منتهكة القيم الأساسية، أو بسبب الأخطار التي تهدد حياته فيه. ونقيض الديستوبيا هي “اليوتوبيا”، المدينة الفاضلة السعيدة، لكن نتساءل لماذا “الديستوبيا” أكثر إلهاما للإبداع والمبدعين؟

تبدو الديستوبيا على صعيد الأدب والسينما والمسرح أكثر جاذبية لإثارة الخيال، يكمن فيها الخوف من المصير المظلم الذي يواجه الإنسان.

وفي رأيي إن تراجيديا “أوديب” لسوفوكليس أقدم عمل درامي نجد فيه مظهرا للديستوبيا، فهي تكشف أن السعادة ستار زائف لا حقيقة له، وأن الإنسان مسيّر في حياته وليس مخيرا، ومجبر على أفعاله، ولا حرية له في فعل أي شيء.

الرواية والمسرح

 يعدّ مؤرخو الأدب رواية الأديب الإنجليزي جوزيف هول “العالم الآخر والعالم ذاته”، التي نُشرت عام 1607، أول رواية ديستوبية يمكن الرجوع إليها، وهي تصف عالما مستقبليا مقسما إلى مقاطعات تعبّر كل منها عن رذيلة من رذائل البشر.

 ومع الثورة الصناعية في أوروبا، بدأ الأدب الديستوبي في الانتشار حين اتسعت الفوارق الاجتماعية بين العمال والطبقة البورجوازية، ما دفع الأدباء وقتها إلى الغرق في التشاؤم. ولعل أشهر ما كُتب في بداية القرن الماضي رواية “العقب الحديدية” للروائي الأميركي جاك لندن، التي  تروي قصة صعود أقلية طاغية (أوليغارشية) في الولايات المتحدة.

وبانتهاء الحرب العالمية الأولى، شعر الأدباء بمدى الانحطاط الذي وصل إليه العالم، وساد تيار تشاؤمي عدمي في إنتاجهم، ويُعدّ الكاتب الروسي يفغيني زامياتين، بروايته “نحن”، الأب الروحي للأدب الديستوبي الحديث، فقد عبّر في هذه الرواية، التي نشرت عام 1926، وتقع أحداثها في المستقبل، عن غضبه من المسار الذي اتخذته الثورة البلشفية في روسيا. وكان لها تأثير في روايات كثيرة تلتها.

روايات ومسرحيات الديستوبيا تضاعفت في القرن الماضي وأصبحت أكثر غزارة في القرن الحالي بعد هجمات 11 سبتمبر

وأصبحت روايات الديستوبيا في القرن الماضي والقرن الحالي أكثر غزارة، وغالبا ما يشير النقاد والدارسون إلى رواية “في – رمز الثأر” للكاتب الإنجليزي آلان مور، التي تدور أحداثها بعد نهاية العالم، في المستقبل القريب لبريطانيا حيث ينتشر الفساد في المجتمع. وتصور التاريخ المستقبلي لهذا البلد في التسعينات، ففي هذا الزمن يظهر حزب فاشي يحكم البلد ويجعل منه دولة بوليسية تلقى المعارضة في معسكرات الاعتقال وتبيدها.

وشهدت روايات الديستوبيا طفرة كبيرة بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، وازداد إقبال القراء عليها، خاصة في الولايات المتحدة، على نحو لا مثيل له سابقا، كونها تسلط الضوء على أفعال وسلوكات يرى الناس من خلالها أخلاقيات السياسة والسلطة.

ومثلما أثارت الديستوبيا خيال مخرجي السينما، فقد أثارت خيال كتاب المسرح ومخرجيه، وتنسب أولى تجارب الديستوبيا في المسرح إلى الكاتب التشيكي كارل تشابيك، من خلال مسرحيته “إنسان روسوم الآلي” التي كتبها عام 1921، وتدور حول رجال آليين يسيطرون على الأرض، أطلق عليهم اسم “روبوت” المأخوذ من كلمة تشيكية تعني العبيد.

 وتوقعت المسرحية أن تثور الروبوتات على صانعيها البشر، ثم تسيطر على العالم. أما في مسرحيته الكوميدية المسماة “ملهاة الحشرات”، التي ألفها عام 1922، فقد استخدم سلوك الحشرات للسخرية من المجتمع البشري. وفي مسرحية “الحرب مع البرمائيات” يصور فيها استغلال رأسماليين جشعين لهذه الكائنات اللطيفة.

وجرى تكييف العديد من الروايات الديستوبية إلى مسرحيات عُرضت في أكثر من مسرح في العالم، لكن أشهرها “1984” المكيفة عن رواية جورج أرويل، ففي عرضها بنيويورك عام 2017 أثارت ضجة كبيرة لما حفلت به من إخراج شبيه بأفلام الرعب، يصور مجتمعا شموليا شريرا وسرياليا. وقد أثارت مشاهد التعذيب في العرض اضطرابا وسط الجمهور الذي شاهدها.

ديستوبيا عربية

لم تغب عوالم الديستوبيا عن المسرح العربي
لم تغب عوالم الديستوبيا عن المسرح العربي

لم تغب عوالم الديستوبيا عن المسرح العربي، سواء بالاعتماد على نصوص محلية أو مترجمة أو معدة. ومن بين التجارب العديدة، التي تنحو منحى ديستوبيا، يمكن أن نشير، تمثيلا لا حصرا، إلى “أوراق الحب” للمخرجة الأردنية مجد القصص، “ديستوبيا” للمخرج اللبناني جاد حكواتي، “مختبر إخفاء السر” للمخرجة اللبنانية رؤى بزيع، “بانجيا” للمخرج عمرو عفيفي و”ديستوبيا” للمخرج محمد الخشاب، وكلاهما من مصر.

كتبت الروائية ليلى الأطرش نص مسرحية “أوراق الحب”، وهو يقوم على ثيمة الحب، المعادل الموضوعي لثيمة الحياة، فغيابه يعني الموت والدمار بأشكالهما العديدة: النزاعات والحروب، الإرهاب الفكري والاجتماعي والديني والسياسي، تدمير الطبيعة والخوف من التسرب الإشعاعي.

عدد من النساء والرجال يرقصون احتفالا بعيد الحب، وفجأة تقطع عليهم صفارة الإنذار فرحتهم إشارة إلى وجود خطر يتهددهم، إنه خطر الغازات السامة، الذي يُحتمل تسربه إلى المدينة، فيُصابون بالهلع ويحتمون بأحد الملاجئ وقد وضعوا الكمامات على وجوههم.

وفي الملجأ خمسة رجال وخمس نساء يركضون داخل العتمة، خوف ورعب وصراخ يبتعد ويخفت، ظلام ثم نور يكشف عن الشخصيات لتبوح بما يعتمل في نفوسها، وتسرد حكاياتها وأحلامها: الزوجة، العاشقة، الزوج، التاجر المستغِل الجشع، العاشقان الشابان المختلفان دينيا. ويوفّر الملجأ لها نوعا من الهناءة والقوقعة الأصلية، ويتيح استرجاع لحظات من أحلام يقظة تضيء ذلك الدمج بين القديم وبين المستعاد من الآمال والذكريات والرؤى، كما يدفعها إلى التأمل ومراجعة مواقفها وتصوراتها وأفكارها.

ويستند عرض “ديستوبيا” اللبناني، الذي أعدت نصه رؤى بزيع، إلى مصادر فنية وأدبية مختلفة، منها جدارية التشكيلية شفى غدار، وتراجيديا “الباخوسيات” للأغريقي يوربيديس، ونصّين هما “خطب الدكتاتور الموزونة” لمحمود درويش وقصائد من ديوان “خراب الدورة الدموية” للشاعر السوري رياض الصالح الحسين، إضافة إلى نصوص مؤلفة من طرف فرقة “منوال” اللبنانية التي قدمته.

الديستوبيا أثارت خيال كتاب المسرح ومخرجيه، وتنسب أولى تجارب الديستوبيا في المسرح إلى الكاتب التشيكي كارل تشابيك، من خلال مسرحيته “إنسان روسوم الآلي” التي كتبها عام 1921

 وتدور أحداث العرض، المتعدد الوسائط، في مكان معلّق بين الحقيقة والخيال، وزمن قائم منذ الأزل وممتد إلى اللاحدود؛ مجسدا التأمل في الإنسان والموت والحياة في مدينة عالقة بانحطاطه (الإنسان)، وعدد الجثث اليومي، والعبثية التي يعجز البشر عن استيعابها، في تاريخهم الفاسد، والفوضى العارمة والهدّامة التي يغرقون فيها.

 وتنطلق ثيمة العرض من إشكالية الفرد الخاضع للعنف، والذي تحول إلى مصدر للعنف، يتذكر، يستحضر ذاكرته بكل ما بني عليها من لوحات، ويغتنم فرصة نسيان اللوحة ليعيد بناء صورة جديدة تتعلق بالماضي وبالحاضر، فلا بد من حلم، حتى في المأساة.

وثمة أيضا عرض مصري يحمل نفس العنوان “ديستوبيا” فكرة وإخراج محمد الخشاب لفرقة جماعة تفرد للفنون والمسرح، وهو يقوم على سؤال “إلى أين يأخذنا عصر الآلة؟” بين التناقضات التى يعيشها الإنسان وسيطرة الآلة وتجميد المشاعر الإنسانية والتعبير عن حقيقته وصورتها، فى حين يخون الإنسان خياله وأفكاره ونفسه من أجل الاستقرار وليس الطموح.

وتجسد مونودراما “مختبر إخفاء السر”، رؤية وإخراج رؤى بزيع، وأداء جاد حكواتي، وتقديم فرقة “منوال” أيضا، ضآلة الإنسان أمام الآلة العملاقة. في العرض رجل وحيد ليلة رأس السنة، وامرأة افتراضية محورها الذكاء الاصطناعي. وثمة إحساس بتاريخ علاقتهما. المرأة الافتراضية غائبة وحاضرة، غائبة عن عيني الرجل، لكنه يشتهي الرقص معها، ولا يتوقّف عن محاولة تخيّلها كامرأة بالشيفون الأسود، وامرأة أخرى تسير على العشب.

ينطلق العرض من حوار واقعي افتراضي، ليُدخل المتلقي إلى رأس الممثل وذكرياته التي تفيض حين يقضي ليلته وحيدا. يرجع إلى الطفولة، إلى علاقته مع أمه، وحبه الأوّل في المدرسة، يحكي عن غراميات لم يُكتب لأي منها النجاح.

 وينتقل العرض من العزلة إلى قضايا أخرى فلا يعود المتلقي يعرف ما الذي يصيب الرجل حقا. عالم يفتح نوافذ كثيرة على الخارج، على العالم السريع، والمدينة المتوحّشة، ودوّامة العمل الخانقة. وليست الآلة التكنولوجيّة وحدها في المسرحية، فكل ما يحيط بالإنسان المعاصر هو آلة أيضا.

وكيّف نص عرض “بانجيا” محمد عادل عن رواية “مزرعة الحيوان” لجورج أورويل، وقدمه فريق كلية هندسة جامعة عين شمس في مصر. وكما يقول الكاتب محمد عبدالرحيم، حاول العرض إعادة سرد حكاية الحيوانات الرمزية، الفانتازية وفق آليات المسرح وتقنياته؛ مصورا مأساة السلطة، وتحول الحلم الثوري وتحقيق العدالة الاجتماعية إلى حكم شمولي واستبدادي يمجد الفرد ويؤلهه.

فالفئة التي ثارت على “السيد” الإنسان مالك المزرعة تتحول إلى فئتين من السادة والعبيد، ولا مجال للمساواة سوى شعارات وهمية يمكن كتابتها وترديدها في بساطة، كما يمكن تحريفها في بساطة أكثر، طالما هناك سلاح القوة والإرهاب من قِبل الحاكم الجديد تجاه رفاق الأمس من الحيوانات.

15