"الديمقراطية" التركية في ميزان الانتخابات البلدية

بات هناك معنى مختلف للتأسيس لانتخابات حرة ونزيهة في تركيا عبر إرادة أردوغان وسياسته.
السبت 2019/01/19
لا صوت غير صوته

يستعد حزب العدالة والتنمية الذي يقوده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لخوض الانتخابات البلدية، في مارس 2019، وسط حالة من القلق، حيث يبدو الاستحقاق هذه المرة صعبا، وقد يفقد الحزب، المصر على الفوز، السيطرة على مجالس بعض المدن الكبيرة، خاصة إسطنبول وأنقرة، في ظل انحسار طفرة الاقتصاد وتصاعد أزمة الحزب والرئيس واتساع الهوة بين النظام وأغلبية الشعب. وكان أردوغان قد برز على الساحة السياسية التركية وهو في منصب رئيس بلدية إسطنبول. ومعروف عنه أنه يولي أهمية خاصة لانتخابات البلديات ويعتبرها أساسية في موقف الناخبين من الحكومة، لذلك ورغم أن الرئيس سيواصل التمتع بسلطات تنفيذية كاسحة فإن أداء ضعيفا لحزب العدالة والتنمية سيكون بمثابة ضربة له.

عاد السياسيون الأتراك من جديد لفورة نشاطهم في حملات الدعاية للانتخابات العامة التي ستُجرى في شهر مارس المقبل، كما لو كانت تركيا مازالت دولة ديمقراطية تحكمها سيادة القانون وانتخابات حرة ونزيهة. لكن من غير الواضح ما إذا كان هؤلاء يستهوون الناخبين.

في الوقت الراهن، يبدو أن الناخبين لن يهرولوا إلى لجان الاقتراع هذه المرة، إذ تشير جميع المسوح إلى هذا الاتجاه. وليست هذه بالمفاجأة، لأن الناخبين أدركوا أن أصواتهم لم تكن لها أهمية منذ الانتخابات العامة التي أُجريت في يونيو 2015.

وفي هذه الانتخابات، كما في غيرها، يبدو أن الرئيس رجب طيب أردوغان وأركان نظامه عازمون على عدم الخسارة، لأنهم إذا خسروا سيجدون أنفسهم أمام محكمة جنائية.وذكر هذا الواقع ليس من باب الإطناب أو السفسطة؛ بل إنه الحقيقة المجردة لما يحدث في تركيا. كما أن ذكر هذا الواقع لا ينطلق من حالة تشاؤم، فهو واقع يعرفه الجميع ويقر به، أو على الأقل يشعرون به في أعماق قلوبهم؛ ومن ثم فإن التصويت الذي سيجري في 31 مارس 2019، ليس منافسة في انتخابات ولكنه عملية احتيال أخرى نتائجها محددة سلفا.

فمن ناحية، هناك نظام يصرّ على الفوز في جميع الانتخابات التي تُجرى على هذه الأرض، وسيفعل كل ما في وسعه لتحقيق هذا الهدف. ومن ناحية أخرى، هناك المعارضة الرسمية لعَظَمَة السلطان، والتي دورها أن تكون وعاء للنظام، ومن المفترض أن يصوت معارضوه لصالحها. هؤلاء الوجهاء يقدّرون رواتبهم السخية والسلطات المحلية المحدودة التي يظفرون بها، أكثر مما يقدّرون مستقبل البلاد.

النظام قضى على احتمال إيجاد بديل سياسي من خلال الانتخابات التي جرت في يونيو 2015. ومن المرجح أن السنوات الأربع القادمة ستُستغل لتعميق الفاشية في تركيا

المعارضة الحقيقية الوحيدة في البلاد، والمتمثلة في حزب الشعوب الديمقراطي، جرى تحجيمها بشكل كبير. وقد ذكر مسؤولو النظام مرارا أنه إذا فاز مرشحو حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات، فإنهم يحتفظون بالحق في إزاحتهم.

ستخنق الحكومة البلديات التابعة لحزب الشعوب الديمقراطي، إما من خلال رفض تحويل أموال لها، أو عبر الإطاحة بالزعماء المنتخبين. ألم يعلن هذا الكثير من مسؤولي النظام بشكل مباشر؟ ألم يحاول الرئيس في لحن قوله كثيرا بأن يقول “لا تنتخبوا بأي حال من الأحوال عُمَدا من حزب الشعوب الديمقراطي، فسأطيح بهم على الفور؟”، ألم يقل إنه بغض النظر عن المسؤولين المحليين المنتخبين، فإن الإدارة ستحدد ميزانيات البلديات من الآن فصاعدا؟

مجمل الفكرة التي تقف وراء القرار الرئاسي رقم 17 الذي نُشر في شهر أغسطس، والذي ربط جميع ميزانيات البلديات والمحليات بخطة الموازنة العامة التي ينفذها بيرات البيراق، صهر أردوغان، وزير الخزانة والمالية، هي تحقيق لمركزية الوسائل المالية التي تحتاجها الحكومات المحلية. باختصار، فإن البلديات سيكون عليها من الآن فصاعدا أن تطلب إذنا للإنفاق مقدما.

يفرض حزب العدالة والتنمية الحاكم بالفعل مركزية ميزانيات البلديات بصورة غير مباشرة منذ عام 2002 عبر تقليص الحصة المحولة من الميزانية العامة إلى البلديات وإدارات المناطق إلى عشرة بالمئة من 15 بالمئة. بمعنى آخر، فإن البلديات كانت مُجبرة على الاعتماد على الحكومة المركزية بالفعل. والآن جاء هذا الأمر التنفيذي بمثابة ضربة أخيرة.

ويتعين على قادة المعارضة، المنشغلين لسوء الحظ بهندسة الانتخابات، أن يُجيبوا على السؤال الذي يقول: كيف سيكون لمسؤولي البلديات المنتخبين أي استقلال دون السيطرة على ميزانياتهم. وهل من الصعب أن نرى أن هذا يرقى إلى أن يكون لَعِبا وفقا للقواعد التي يُمليها النظام؟ ومتى سيدرك سياسيو المعارضة، المنشغلون بمحاولة انتزاع مقاعد من أجل البقاء، أنهم لا يمكنهم أن يكسبوا أي شيء بالفوز في هذه الانتخابات؟

قضى النظام على احتمال إيجاد بديل سياسي من خلال الانتخابات في يوم الانتخابات في السابع من يونيو 2015. ومن المرجح بشدة أن السنوات الأربع القادمة، التي ستخلو من أي انتخابات مقررة بعد انتخابات 31 مارس 2019، ستُستغل لتعميق الفاشية في هذه البلاد.

بات هناك معنى مختلف للتأسيس لانتخابات حرة ونزيهة في تركيا عبر إرادة أردوغان وسياسته وإداراته. كما أن الانتخابات نفسها باتت تُستغَل لخلق شعور على الساحة الدولية بأن الأمور طبيعية في تركيا؛ أما داخليا، فإن تلك الانتخابات تُستخدم كمصدر للشرعية. إن جميع الأفعال السياسية مبنية على منطق القومية والدين وإرادة جمهور ناخبي النظام ومريديه من دون أي اعتبار للمؤسسات أو لتاريخ البلاد. لهذا السبب تُعدّ الانتخابات ضرورة لأردوغان؛ لكنها ليست على هذا النحو بالنسبة للمعارضة، لأنه منذ عام 2015، تُجرى الانتخابات على نحو يرمي إلى تحقيق الفوز لأردوغان. وحقيقة أنه لا توجد معارضة جادة وقوية للحكومة، جعلت إدارة الرئيس وحلفائه للعبة أمرا أكثر يسرا وسهولة.

Thumbnail

وكما يقال كثيرا، فإن مقاطعة الانتخابات لا تعطي الشرعية لأردوغان على طبق من فضة. ومن الصعب القول إن مثل هذا النوع من الاحتجاج سيكون غير مؤثر؛ فمقاطعة الانتخابات وضعف المشاركة، خاصة إذا جاءت المشاركة دون 50 بالمئة، من الممكن أن تسحب البساط فجأة من تحت قدمي أردوغان في ادّعائه الشرعية.

في شهر مايو الماضي، قاطعت المعارضة الفنزويلية الانتخابات الرئاسية، وهوت نسبة المشاركة إلى 46 بالمئة. وعلى الرغم من أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، رفيق أردوغان، فاز في الانتخابات بالتزوير، فإن العديد من دول أميركا الجنوبية ومن الغرب رفضت الاعتراف به كزعيم منتخب بصورة شرعية. وسنرى إلى أي مدى سيستطيع أن يتحمل الضغوط من بقية العالم.

وبطبيعة الحال فإن هذا لن يحدث هنا؛ فالمعارضة التركية ستشارك في هذه الانتخابات الصورية وستحاول الحصول على تركات صغيرة في إطار مساحات سياسية ضيقة ومحددة، إلى حين يقرر النظام التخلص منها. وليست مصادفة أن المعارضة التركية ما زالت تحاول محاربة هذا النظام عبر الوسائل القانونية في الوقت الذي يتسم فيه النظام السياسي بعدم القانونية، ولا تتعلم أبدا على الرغم من خسارتها المستمرة في الانتخابات؛ فهذا، فضلا عما يمثله من انعكاس لليأس والإحباط، يعد خضوعا للنظام. لكن النتيجة النهائية لن تحسمها المعارضة، وإنما سيحسمها المواطنون الذين يصوتون لهم ويتحملون المعاناة.

7