الديمقراطية التونسية في التصنيفات العالمية

الخميس 2017/02/09

قليلا ما كانت تونس قبل السنوات الستّ الماضية تدرج في التصنيفات العالمية مثل التصنيفات الاقتصادية والسياسية والثقافية، وقليلا ما كانت تُجرى فيها عمليات سبر الآراء وتُقيّم فيها أعمال الأشخاص والجماعات وإنجازات السياسيين، فقد كانت البلاد تعيش بالحزب الواحد والقرار الواحد والمسؤول الأول الواحد، رغم وجود بعض الأحزاب السياسية التي كانت تزيّن الواجهة.

ثم انفلتت الأمور فجأة بعد سنة 2011 وإذا بالبلاد تدخل عالما جديدا، وتدخل -بدعوى أنها أصبحت بلادا “ديمقراطية”- عالم التقييمات التصنيفية الداخلية في عمليات سبر الآراء خاصة، والخارجية في التقييمات العالمية لأداء النظم الديمقراطية في ممارسة السلطة.

ومن شأن هذه التقييمات أن تُظهر مواطن القوة ومواطن الضعف في مختلف الممارسات التي تؤثر في حياة الناس، وأن تكشف لهم حالة مجتمعهم وحالتهم فيه بالتركيز على الكثير من عوراته وعوراتهم.

ومن آخر التصنيفات تصنيف صادر في شهر يناير 2017 نريد أن نقف عنده، هو التصنيف بحسب “مؤشّر الديمقراطية”، وهو تصنيف سنوي تنجزه وحدة الدراسات التابعة لمجلة “إيكونوميست” (The Economist) البريطانية.

فقد صُنّفت تونس في المرتبة التاسعة والستين عالميّا لسنة 2016 من بين 167 بلدا، بمعدل 6.40 نقطة من 10، متراجعةً باثنتي عشرة نقطة عن المرتبة التي كانت لها سنة 2015 وهي السابعة والخمسون.

وقد اعتُمِد في هذا التصنيف على ستّة مؤشرات فرعية هي التعددية، والمسار الانتخابي، واشتغال الحكومة، والثقافة السياسية، والمشاركة السياسية، والحرّيات العامة؛ وصنفت النظم في البلدان إلى أربعة أصناف: (1) نظم ديمقراطية بحقّ؛ (2) نظم ذات ديمقراطية منقوصة؛ (3) نظم هجينة؛ (4) نظم استبدادية لا تمارس الديمقراطية.

ورغم أن مرتبة تونس التاسعة والستين دالة على أن نتائج الممارسة الديمقراطية فيها “مخيّبة للآمال” فهي تنتمي إلى الصنف الثاني من الديمقراطيات وتحتل المرتبة الأولى عربيا باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة في المنطقة”: فهي تتقدّم على لبنان ذي المرتبة 102 وعلى المغرب ذي المرتبة 105.

ولا شك أن للتونسيين أن يفخروا بأن يجدوا بلادهم مدرجة في الصنف نفسه الذي تنتمي إليه بلدان عريقة في الديمقراطية مثل فرنسا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة الأميركية.

ولكن النقائص التي جعلت هذه البلدان ذات ديمقراطيات منقوصة غير النقائص التي تعتري التجربة التونسية. ولعل أهم الفروق بيننا وبينهم هو قيام ديمقراطياتهم على القانون لأنه يعلو على الحاكم والمحكوم معا، وقيام ديمقراطيتنا على “التوافقات” في المقام الأول.

ولو قيّمنا مؤشر “التعددية” عندنا مثلا للاحظنا أمرا غريبا بحق: هو عدد الأحزاب المرخص لها في النشاط، فقد تجاوزت المائتين وإن كان النَّشِطُ منها اليوم نحو 160 حزبا. ولا يعرف الناس بلادا أخرى كبُر حجمها أو صغُر يوجد فيها مثل هذا العدد: فإن عدد الأحزاب الوطنية في فرنسا مثلا 57، وفي إيطاليا 41، وفي إسبانيا 37، وفي المغرب الأقصى 35، وعدد السكان في كل من هذه البلدان يفوق كثيرا عدد سكان البلاد التونسية.

وقد بدأ هذا “الانفجار” الحزبي سنة 2011، فقد حدث في هذه السنة نفسها انفلات عشوائي مُذْهِلٌ في محاربة الوضع السياسي الذي كان قائما قبل 14 يناير، ثم تواصل هذا الانفلات في سنوات حكم الترويكا لكنه كان انفلاتا موجّها.

ولا نعتقد أن الإقبال المبالغ فيه على إنشاء الأحزاب التي حققت “التعددية” المبالغ فيها كان من أجل المصلحة العامة للبلاد، بل كان في الغالب حسب ما بينته التجربة من أجل الوصول إلى السلطة واعتلاء كراسي الحكم.

ولهذا المؤشر صلة بمؤشر “المسار الانتخابي”. فإن من المؤشرات الانتخابية الجيّدة التي عرفتها البلاد شفافية العملية الانتخابية، ولكن هذه الشفافية غير كافية لأن المبالغة في التعددية الحزبية قد أحاطت بها وخاصة في فترة الترويكا غايات لا تخلو من الشبهات وخاصة لدى بعض الأحزاب القوية المنظّمة التي تستفيد من تشرذم الأصوات التي تحصُل عليها الأحزاب الضعيفة، وفي ظل النظام السياسي الهجين الذي حدده “الدستور الصغير” في عهد الترويكا فإن هذا الوضع قد ضمن للحزب القوي ذي المرتبة الأولى في الانتخابات أن يفوز بالرئاسات الثلاث: الجمهورية والحكومة ومجلس النواب.

وقد رأى التونسيون في تلك الفترة فساد هذا التمشّي لأن الحزب الحاكم الفعلي عندئذ -وقد كان “التدافع السياسي” من أهم مقولاته وكانت سخريته من الأحزاب المنافسة له علنية بوصفه لها بـ”أصحاب الصفر فاصل”- كانت له السلطة التنفيذية برئاسة الحكومة، وهو الذي اختار رئيس الجمهورية فكان تابعا له، واختار رئيس المجلس التأسيسي فكان على مقاسه أيضا، إضافة إلى تقلد قادته مناصب الوزارات السيادية في الحكومة، وليس العهد ببعيد عن المصائب والنكسات التي أصابت البلاد عندئذ وما زالت تعاني من تبعاتها الكارثيّة.

وقد أدخل على هذا النظام الانتخابي بعض التعديل بانتخاب رئيس الجمهورية، لكن السلطتين التنفيذية الحقيقية والتشريعية ما زالتا في يد الحزب القوي الحاكم رغم التفتت والانقسام الذي طرأ على الحزب الأغلبي الحاليّ.

ولمؤشر “المسار الانتخابي” هذا صلة بمؤشر “اشتغال الحكومة”. والحكومة عندنا اليوم تسمى “حكومة وحدة وطنية” لاشتراك مجموعة من الأحزاب فيها. والحكومة تبذل ما تستطيع من الجهد لا محالة للخروج بالبلاد من مخلفات الحكومات السابقة.

ولكن هناك أمرين يفسدان الديمقراطية في اشتغالها: الأول هو ما يعرف بـ”المحاصصة الحزبية” التي بدأت مظاهرها الفاسدة تؤثر في المسار الديمقراطي منذ عهد الترويكا. ومن أفسد تلك المظاهر التدخل في اختيار أعضاء المؤسسات الدستورية بتعيين المقربين والأتباع، والتدخل في تعيين المشرفين على السلط الجهوية والمحلية من ولاة ومعتمدين وعمد، مع ما يتبع ذلك من تعسف ومحاباة وعصبية جهوية أو عائلية في الاختيار على حساب الكفاءة.

والأمر الثاني هو ظهور مفهوم غريب للديمقراطية يسمّى “الديمقراطية التوافقية”، وهو مفهوم يسوّقه ويروّج له حزب النهضة الذي كان يتبنى مفهوما آخر مناقضا له في فترة الترويكا هو “التدافع السياسي”. و”الديمقراطية التوافقية” لا تشمل اشتغال الحكومة فقط، بل تشمل اشتغال رئاسة الجمهورية أيضا.

ومن شأن هذا النوع من الديمقراطية أن يُكبّل عمل الحكومة ويقيّد عمل رئاسة الجمهورية لأن غايته أن يحقق للحزب الذي يتبناه ويدعو إليه خاصة جملة من المنافع والمكاسب له ولأتباعه، أهمها (1) مشاركته في الحكم وفي اتخاذ القرار فلا يُتَّخَذ أيّ قرار يخالف مصالحه؛ (2) إعفاؤه من المحاسبة على الأخطاء السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفادحة التي ارتكبت في فترة الترويكا وكانت ذات آثار كارثية؛ (3) الإحجام عن القيام بمراجعة التعيينات العشوائية في الوظائف العمومية التي تمتّع بها أتباعه خاصة؛ (4) التباطؤ الذي قد يكون مقصودا في التعامل مع ملفات ذات علاقة بالإرهاب وبالحريات العامة، وخاصة ملفات الاغتيالات السياسية والفساد المالي، التي ترجّح صلاته بها.

وليس “التوافق” في حد ذاته رديئا إذا طُبّق فيه القانون ولم يُعْتَدَ به على مصالح البلاد والعباد. ولكنه يصبح شرّا على الديمقراطية إذا صار فرْضا واجبا على التونسيين، عليهم أن يختاروا بينه وبين “الحرب الأهلية” حتّى لا يُقْصى الإسلاميّون من الحكم والسلطة.

كاتب وجامعي تونسي

9