الديمقراطية الشكلانية والدولة الفاشلة

تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس منذ 2011 وإلى الآن نجحت في مراكمة الأزمات والتوترات الداخلية والخارجية، وظلت الحكومات المحسوبة على الثورة تراقب الأزمة العميقة.
الخميس 2020/10/08
عنف متزايد

يبدو أن أصوات المنافحين عن ثورات “الربيع العربي” التي تهاجم كل من ينتقد ديمقراطية “النموذج” التونسي قد بدأت تخفت في ظل مؤشرات كثيرة على أن هذه التجربة قد صنعت ديمقراطية شكلانية مفرغة من أي قيمة اجتماعية، وتحولت إلى ما يشبه لعبة قديمة لأطفال يتقاذفونها في كل اتجاه بالرغم من أنها قد فقدت بريقها.

ومع اقتراب سنتها العاشرة باتت ديمقراطية الثورة التونسية شيئا منفصلا عن حياة الناس ومطالبهم والأحلام التي صنعوها عن تغيير جذري في أوضاعهم، وعلى العكس فقد زادت تلك الأوضاع صعوبة على كل المستويات.

والأرقام والتقييمات المحايدة، التي تطلقها الجهات المالية الدولية، تؤكد أن الاقتصاد التونسي بات في أزمة مركبة يصعب الخروج منها خاصة مع إغراقه بالديون التي لجأت إليها حكومات سياسية “ثورية” تفتقد للخبرة في إدارة مؤسسات الدولة، وللرؤية الناظمة لاقتصاد هش ظل لعقود يبني توازنه على صورة البلاد واستقرارها وانفتاحها لجذب المستثمرين والسياح.

لكن الطبقة السياسية الجديدة لم تستثمر صورة الانتقال الديمقراطي الجذاب في بناء علاقات دولية لاستقطاب الأموال والمستثمرين. ومنذ البداية عملت هذه الطبقة على خطف الأضواء من خلال صراعات سياسية حادة هادفة إلى التغطية على عجزها عن قيادة البلاد وغياب أفكار وبدائل للحكم. وتحول الصراع السياسي إلى واقع دائم وساهم بشكل جلي في إشاعة التشاؤم واليأس من المستقبل، خاصة لدى الشباب وهو ما تعكسه استطلاعات الرأي المتعددة.

وتمثل مؤسسة البرلمان بؤرة لهذا الصراع من خلال خطاب يقوم على العنف اللفظي والمادي. وللمفارقة، فإن التلفزيون الرسمي يوفر قناة خاصة تتولى نقل نقاشات البرلمان، وهو ما ساهم في رفع مستوى الخطاب الحاد، خاصة أن النواب يريدون إظهار “ثوريتهم” وارتفاع أصواتهم في سياق حملات انتخابية سابقة لأوانها.

لكن المهم، هنا، أن المؤسسة التشريعية التي يفترض أن تتولى صياغة القوانين الضرورية للتمكين لخطاب الثورة الراديكالي تحولت إلى فضاء لصراع من نوع جديد، صراع لوبيات الفساد والمال، التي نجحت في استقطاب أعداد وازنة من النواب والسياسيين، وصارت القوانين تمرر وفق مصالح الفئات النافذة بدل أن تكون وفق مصالح الشعب الذي انتخب البرلمان.

وباتت انتقادات كثيرة توجه إلى البرلمان بسبب خروجه عن دوره وسط دعوات إلى حله وإجراء انتخابات جديدة على أمل أن تفضي إلى برلمان يمتلك حدا أدنى من التوازن بدل البرلمان الحالي الذي يعيش حالة من التناقضات سواء في “السياحة” الحزبية والتنقل بين الكتل، أو في مشاريع القوانين التي تطرح أمامه.

وأصدرت، الثلاثاء، مجموعة من الجمعيات المدنية والحقوقية بيانا حثت فيه رئيس الجمهورية قيس سعيد على التدخل لمنع تمرير قانون يهدف إلى منح الحصانة لقوات الأمن والجيش لما يحمله من تهديد للديمقراطية ومناخ الحريات الذي وفرته الثورة، فضلا عن إطلاق يد الأجهزة الأمنية في مراقبة وتتبع ناقديها.

المؤسسة التشريعية التي يفترض أن تتولى صياغة القوانين الضرورية للتمكين لخطاب الثورة الراديكالي تحولت إلى فضاء لصراع من نوع جديد هو صراع لوبيات الفساد والمال

وإذا كان من حق عناصر الشرطة والجنود أن يؤمنوا أنفسهم وعائلاتهم من خلال قوانين واضحة في مواجهة العنف الذي يستهدفهم سواء من عناصر إرهابية أو من مجرمين، فإن البرلمان يفترض أن يكون الضامن لمسار الحريات، وبالذات ما تعلق بالحريات الخاصة وعلى رأسها حرية التعبير والرأي التي زاد منسوبها في وجود مواقع التواصل الاجتماعي، والتشريع للقوانين الملائمة التي تحفظ حقوق الجميع وواجباتهم. لكن المؤسسة التشريعية تحولت في التعاطي مع مشروع قانون “زجر الاعتداءات على الأمنيين” إلى مزاد علني لإظهار الولاء للمؤسسة الأمنية والعسكرية وكسب ود النقابات الأمنية لحسابات شخصية.

وتضغط المنظمات الحقوقية كذلك لأجل منع تمرير مشروع قانون جديد لـ”إصلاح الإعلام” تتهمه نقابة الصحافيين، وهيئة إصلاح الإعلام السمعي والبصري (هايكا) بأنه يهدد بإغراق القطاع بوسائل إعلام جديدة دون ضوابط، وأن هدفه الأساسي هو ضرب الدور التعديلي الرقابي الذي تتولاه الهايكا أو مجلس الصحافة المتشكل حديثا، ما يهدد بأن يفتح البلاد أمام إعلام مشبوه، خاصة أن الضابط الوحيد الذي يطرحه القانون الجديد هو الاستجابة لكراس شروط تهتم بالجانب المادي أكثر من معرفة من يقف وراء المشروع ومن يموله والهدف منه.

ويعيد هذا المشروع، الذي يتبناه ائتلاف الكرامة (إسلامي شعبوي)، المخاوف مما جرى في 2011 و2012 حين تم فتح الباب أمام “أنصار الشريعة” للقيام بأنشطة علنية بزعم سحبهم إلى العلن بدل تركهم يعملون في السر، وكيف تم استثمار تلك الفترة في الاستعراض الميداني والتدريبات قبل أن يرفعوا السلاح بوجه الدولة.

فما الذي يمنع من ظهور إعلام موال لجماعات متشددة طالما أن مشروع القانون الجديد يسمح له بذلك. كذلك ما الذي يمنع من تدفق المال الخارجي على جهة سياسية بعينها بما يمكنها من إغراق البلاد بإعلام موجه.

يشار إلى أن مشروع القانون الجديد يأتي أساسا كردة فعل على نشاط الهايكا التي يتهمها الإسلاميون بالانحياز ضد إعلامهم خاصة برفض الاعتراف بالفضائيات والإذاعات الحزبية، أو التي يمولها ويديرها أشخاص معروفون بانتمائهم.

وانتقل الصراع من البرلمان ليطال مختلف مؤسسات الدولة، وهو ما تؤكده حالة التوتر بين الرئيس قيس سعيد، ورئيس الحكومة هشام المشيشي، وهو ما يهدد بتعطيل عمل الحكومة وإحداث فراغ سياسي جديد. الرئيس سعيد يسعى لوضع يده على الحكومة والإشراف عليها بصفته رئيسا للجمهورية وانتدب لذلك شخصية بدت هادئة ومطيعة، لكن بعد الحصول على ثقة البرلمان بدأ رئيس الحكومة الجديد بالتغير وإظهار استقلاليته بالاستقواء بأطراف حزبية وبرلمانية.

ويتخوف التونسيون من خطورة هذا الصراع، خاصة أن الحكومة الجديدة تواجه أزمات متعددة، وبالحد الأدنى من الإمكانيات، خاصة مواجهة وباء كورونا في غياب التمويلات اللازمة، وتخلي الحكومة السابقة، التي كان يرأسها إلياس الفخفاخ، عن تعهداتها بتوفير كمية اللقاح الكافية وأسرة الإنعاش وأجهزة التنفس وبناء مستشفيات متحركة بعد أن وفرت تمويلات كافية من حملة تبرعات واسعة.

وكانت حكومة الفخفاخ التي تستند إلى “حزام ثوري” داخل البرلمان قد أوقفت الاستعدادات للموجة الثانية من كورونا خلال فترة الصيف بعد أن نجحت البلاد في تطويق الموجة الأولى، وأقدمت على خطوات زادت من تعقيد الوضع الحالي من خلال فتح الحدود أمام العمالة التونسية العائدة إلى البلاد، وخاصة أمام السياح تحت ضغط رجال الأعمال.

وبالنتيجة، فإن تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس منذ 2011 وإلى الآن نجحت في مراكمة الأزمات والتوترات الداخلية والخارجية، وظلت الحكومات المحسوبة على الثورة تراقب الأزمة العميقة التي تعيشها البلاد اقتصاديا واجتماعيا دون أن تبادر إلى حلول بعيدة المدى، ما يهدد بأن تتحول تونس إلى دولة فاشلة بمقاييس الصناديق المالية، أي العاجزة عن الإيفاء بتعهداتها المالية، فضلا عن بناء اقتصاد مستقر قادر على استقطاب الأموال والمستثمرين.

9