الديمقراطية المزيفة

هذه القوى تعمل راهنا على إقامة أنظمة ثيوقراطية جديدة قد تكون أشد عنفا من تلك التي أسقطتها انتفاضات ما سمي بـ”الربيع العربي”، جاعلة من الديمقراطية المزيفة أداة أساسية لإنجاح واستكمال مشروعها.
الأحد 2019/07/21
مصادرة المطالب الديمقراطية وجعل الدين مرجعا أساسيا في تسيير شؤون الدولة

عند اندلاع الانتفاضات الشعبية التي أطاحت بالأنظمة في تونس وليبيا، ومصر، واليمن، تعددت التحاليل بشأنها واختلفت. بعضها ذهبت إلى القول إن تلك الانتفاضات قد تكون شبيهة بتلك التي حدثت في أوروبا في عام 1848 والتي سميت هي أيضا بـ”ربيع الشعوب”، وكان الهدف منها إرساء الديمقراطية في بلدان كانت شعوبها تعاني من الاستبداد وكبت الحريات وسوء توزيع الثروات واضطهاد الأقليات القومية والدينية.

وشبّهت تحاليل أخرى الانتفاضات العربية بتلك التي أسقطت الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية أواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي. وظني أن مثل هذه التحاليل قد تكون مضللة، وبالتالي قد توقعنا في أخطاء فادحة، لتؤدي بنا إلى استنتاجات لا علاقة لها بالواقع، تحجب عنا العديد من الحقائق الجوهرية، وتخفي الخصوصيّات التاريخية والاجتماعية والثقافية وغيرها، لتجعلنا ننظر إلى تاريخ البلدان الأوروبية، وإلى تاريخ البلدان العربية من زاوية واحدة متوهمين أنهما متشابهان، ومتقاربان في مساريهما. لذا يجوز القفز عليها لنضمن لأنفسنا بلورة تحاليل تُرضي سطحيّتنا وتعجّلنا، وضعفَ رؤيتنا للواقع وللتاريخ.

أولى الحقائق هي أن انتفاضات سنة 1848 في البلدان الأوروبية كانت قد سبقتها ثورات وانتفاضات شعبية كثيرة، أطاحت بأنظمة وبعروش مثلما هو حال الثورة الفرنسية. وكانت النخب الفكرية مشاركة بقوة منذ عصر النهضة في تلك الثورات والانتفاضات، بل إنها كانت قائدة ومرشدة لها، ومساهمة في بلورة برامجها، ورسم أهدافها.

أما الانتفاضات التي أسقطت الأنظمة الشيوعية فقد حدثت في بلدان كانت لها تقاليد عريقة في النضال من أجل الديمقراطية منذ القرن التاسع عشر. كما أن النخب فيها كانت قد مهدت لها من خلال ظاهرة ما كان يسمى في ذلك الوقت بـ”المثقفين المنشقين” الذين لعبوا أدوارا خطيرة في كل من المجر وبولونيا، وفي ما كان يسمى بتشيكوسلوفاكيا، والاتحاد السوفييتي. وعلينا أن نشير أيضا إلى أن الانتفاضتين المذكورتين كانتا خاليتين من المطالب الدينية، بل كانتا معاديتين لمثل هذه المطالب. لذا وجد رجال الدين أنفسهم مهمشين، ولا دور لهم سوى رعاية الطقوس داخل الكنائس لا خارجها.

أما البلدان العربية فكان لها مسار تاريخي آخر، بل يمكن القول إن لكل بلد عربي مساره التاريخي الخاص به وحده بحيث لا يمكن مقارنته بالبلد العربي الذي يجاوره، أو ذاك الذي هو بعيد عنه. وما يسمى بحركة النهضة التي برزت بتأثير من النخب المنفتحة على الحضارة الغربية بمكوناتها السياسية والفكرية والثقافية والصناعية وغيرها لم تشمل جميع البلدان العربية.

وطالب المصلحون الذين أبرزتهم حركة النهضة بالفصل بين الدين والدولة. كما قاموا بالكثير من مظاهر الاستبداد والظلم والتحجر الفكري والديني. لكنهم منيوا بفشل ذريع عكس النخب الغربية التي انتصرت في جل معاركها من أجل الإصلاح والتقدم والرقي وفصل الدين عن الدولة.

من بين أسباب الفشل هو أن القوى الرجعية والسلفية تصدت بعنف وشراسة لكل دعوات الإصلاح والتنوير مستندة في ذلك إلى أن تلك الدعوات هي في الحقيقة صادرة من الغرب الاستعماري والعنصري الذي كان يبسط هيمنته على جلّ البلدان العربية في ذلك الوقت، مُستغلاّ ثرواتها، وساعيا لمحو هويتها، ومسخها لتكون في خدمة مصالحه. لذا كان من الطبيعي أن تجد القوى الرجعية السلفية في المجتمعات العربية التي كانت تعيش التخلف والجهل أنصارا أشداء لها لإبطال المشاريع الإصلاحية والتنويرية.

وبعد حصول البلدان العربية على استقلالها، مارست الأنظمة الوطنية التي صعدت إلى السلطة كل أشكال العنف ضد النخب التي تطالب بالإصلاح والتنوير، تاركة للقوى الرجعية في الخفاء وفي العلن، الطريق مفتوحا للهيمنة على المجتمعات باسم الانتصار للدين.

لذلك، تمكنت هذه القوى من استغلال الانتفاضات الشعبية التي أسقطت الأنظمة لتهيمن في ظرف زمني وجيز على المشهد السياسي في البلدان المذكورة. بل إن هذه القوى المتمثلة بالخصوص في الحركات الإسلامية، تصرفت وكأنها هي المفجرة لتلك الانتفاضات ليحق لها أن تكون مستفيدة من نتائجها وتبعاتها أكثر من القوى السياسية الأخرى.

لذا سارعت بمصادرة المطالب الديمقراطية لصالحها لخدمة أهدافها المتمثلة في جعل الدين مرجعا أساسيا في تسيير شؤون الدولة والمجتمع، مُلغية بذلك عنصرا جوهريا في كل نظام ديمقراطي حقيقي، أعني بذلك فصل الدين عن الدولة. كما أن هذه القوى اعتمدت على الدين للحد من تأثير النخب التنويرية والتحديثية، زاعمة أن هذه النخب هي في الحقيقة عميلة للغرب، وخادمة لمخططاته المعادية للإسلام والمسلمين.

ومعنى هذا أن هذه القوى تعمل راهنا على إقامة أنظمة ثيوقراطية جديدة قد تكون أشد عنفا وبطشا بالمجتمعات من تلك التي أسقطتها انتفاضات ما سمي بـ”الربيع العربي”، جاعلة من الديمقراطية المزيفة والمسمومة أداة أساسية لإنجاح واستكمال مشروعها.

4