الديمقراطية تحتاج صحافة مستقلة تكتب بلا خوف

أخطر تداعيات كورونا تأثيرها المباشر على استقلال الصحافة.
الخميس 2020/10/08
الصحافة المستقلة إحدى ركائز الديمقراطية

لا يختلف الأمر حول أهمية الصحافة المستقلة في أي مكان في العالم، لكنها بالنسبة للدول الديمقراطية مسألة أساسية لا غنى عنها للمساهمة في التنوير، وهي أحد أركان النظام الديمقراطي، بينما تعتبر مصدر إزعاج لا أكثر للدول القمعية، ومع الأزمات المتتالية السياسية والاقتصادية والصحية مؤخرا تبدو استقلاليتها في خطر يهدد وجودها.

برلين - تبرز المخاوف على الصحافة المستقلة في كل مكان من العالم، باعتبارها أول ما يتأثر بالأزمات الجيوسياسية والاقتصادية وحاليا الصحية المرتبطة بوباء كورونا، لكن في مقابل الارتياح الذي تبديه الدول الاستبدادية بشأن تلقي الصحافة المستقلة ضربة قوية، يقرع مسؤولون غربيون ناقوس الخطر باعتبار هذه الضربة تهدد القيم الديمقراطية بالدرجة الأولى.

وأكد الرئيس الألماني فرانك – فالتر شتاينماير أن “الديمقراطية بحاجة إلى صحافة مستقلة سياسيا واقتصاديا، يكون بإمكانها التصرف بلا خوف والحفاظ على التوازن”.

وقال شتاينماير خلال افتتاح المبنى الإداري والتحريري الجديد لمجموعة “أكسل شبرينجر” الألمانية الإعلامية الثلاثاء في برلين إن الديمقراطية تحتاج إلى الصحافة “التي تعد التقارير والتحليلات والتعليقات، ليس لوعظها، بل للمساهمة في التنوير، وتمكين قرائها من النقد”.

ويتفق خبراء الإعلام مع شتاينماير على أهمية الاستقلال الاقتصادي للصحافة من أجل الديمقراطية، لكنها ليست مسألة سهلة وتبدو شديدة التعقيد في المرحلة الراهنة بالنسبة للكثير من وسائل الإعلام والمؤسسات الصحافية التي تكافح للبقاء. فأخطر تداعيات جائحة كورونا تأثيرها المباشر على الصحافة المستقلة بعدما انحسرت إيراداتها الإعلانية مع التدهور الاقتصادي الذي تسببت في إحداثه الجائحة على الشركات المختلفة التي تضخ الإعلانات لوسائل الإعلام، ومع الانتقال الواسع إلى التقنيات الرقمية، والتي أدت بدورها إلى مضاعفة عمليات الابتزاز السياسي الذي تتعرض له بشكل خاص الصحافة الاستقصائية، والصحف الناقدة لممارسات الأحزاب الحاكمة.

وذكرت صحيفة “زيوت دويتشه تشايتونغ” في تقرير سابق أنه على الرغم من ارتفاع منسوب الحريات الصحافية في ألمانيا مقارنة بغيرها من الدول الأوروبية، إلا أنها ليست ضمن العشر الأوليات في تصنيف منظمة “مراسلون بلا حدود”.

وقالت الصحيفة الألمانية “إن انحسار المداخيل بسبب الجائحة والأزمة الاقتصادية الناتجة عنها أديا إلى رفع وتيرة بيع الصحف الصغيرة إلى مؤسسات الإعلام الكبرى”.

ونبهت إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي تزدحم بالمواد التي تشوه وتسيء إلى سمعة الصحافيين الذين يرفضون التخلي عن استقلاليتهم، إذ تنشر أحزاب وتيارات قومية متشددة ونازية قوائم بأسماء الصحافيين وعناوين منازلهم وإقاماتهم وتعتبرهم أعداء للوطن.

فرانك فالتر شتاينماير: نحتاج إلى الصحافة التي تعد التقارير والتحليلات للتنوير
فرانك فالتر شتاينماير: نحتاج إلى الصحافة التي تعد التقارير والتحليلات للتنوير

وتنتمي ألمانيا إلى مجموعة “تحالف حرية الإعلام”، التي دعت في 7 أبريل 2020 جميع دول العالم إلى الاستمرار في حماية السبل نحو حرية الإعلام وتعزيز التبادل الحر للمعلومات.

وقالت المجموعة “نحن قلقون من محاولات وجهود بعض البلدان استغلال هذه الأزمة لوضع حدود وقيود غير مناسبة في وجه حرية الإعلام المستقل”.

وتواجه الصحف والمواقع والقنوات التلفزيونية المستقلة في دول مختلفة من العالم حملات ترهيبية من قبل السلطات التي ترفع شكاوى للقضاء ضد هذه المؤسسات والصحافيين الذين ينتقدون أداء الحكومة وتفشي الفساد في مؤسسات الدولة.

وتم استغلال حالة الطوارئ لتقييد عمل وسائل الإعلام خصوصا المستقلة، ما أدى إلى حرمان المجتمعات من الوصول إلى المعلومات وتسليط الأضواء على عمليات الفساد والانتهاكات التي تمارسها الحكومات وشبكات المصالح المرتبطة بها التي تستغل الفرص المتاحة للمزيد من نهب المال العام.

ووضعت قوانين حالة الطوارئ التي فرضتها حكومات ديمقراطية ودكتاتورية على حد سواء، وخصوصا في بلدان أوروبا الشرقية المنضوية في الاتحاد الأوروبي مثل هنغاريا ورومانيا وبلغاريا، على الصحافيين  قيودا على حق الوصول إلى المعلومات، إلى جانب مراقبة المحتوى الإعلامي، وملاحقة وسائل الإعلام المستقلة، تحت ذريعة ترويج معلومات كاذبة أو أخبار ملفقة للتشكيك في مصداقية مؤسسات الدولة، بما تقدمه من معلومات.

والمشكلة الأهم هي أن من يحدد طبيعة هذه المعلومات وشكلها ومحتواها، ليس المؤسسة القضائية أو جهات حقوقية مستقلة، بل الحكومة وأجهزتها المعنية.

وحاولت بعض الحكومات إخفاء الحقائق عن مدى انتشار الجائحة عبر التلاعب بالتقارير، أو عمدت إلى نشر أخبار زائفة. وبحسب منظمات دولية فقد تمت إعاقة عمل العديد من الصحافيين وتعرضوا للتهجم والتحقيق، وأحيانا كثيرة للاعتقال.

وأكدت منظمة “مراسلون بلا حدود” أن “دولا تفشى فيها الفايروس مثل الصين وإيران لم تتمكن وسائل الإعلام فيها من أداء وظيفتها”، وفي سوريا، تحدث بيان المنظمة عن “ثقب أسود” في المعلومات حول فايروس كورونا في بداية انتشار الجائحة وبقيت المعلومات مشكوكا في صحتها في ما بعد.

أما في العراق، فقد قامت هيئة الإعلام والاتصالات بتعليق رخصة وكالة “رويترز” للأنباء بعد نشر الأخيرة تقريرا عن إخفاء السلطات العراقية الأرقام الحقيقية لعدد المصابين بفايروس كورونا. وقالت الهيئة في بيان لها عبر صفحتها على فيسبوك إنها قررت تغريم وكالة رويترز بمبلغ حوالي 19 ألف يورو وتعليق رخصتها لمدة ثلاثة أشهر متهمة الوكالة بنقل أخبار كاذبة و”تعريض الأمن المجتمعي للخطر”.

ونوهت المنظمة العالمية للصحف وناشري الأنباء “وان ايفرا” إلى خطورة الأزمة على الصحافة المستقلة، وقالت في بيان إن “دور الصحافة في الأزمات يصبح أكثر أهمية وفائدة”.

وأضافت أن “الجائحة وضعت الصحافة المستقلة في الخط الأول على جبهة مكافحتها، بتقديمها المعلومات الخاضعة للتدقيق، والأخبار المؤكدة التي تنقذ الحياة الإنسانية، بخاصة في البلدان التي تتلكأ أو تتأخر سلطاتها في اتخاذ الإجراءات في الوقت المناسب”.

واعتبرت أن “الصحافة المستقلة ذات أهمية حيوية للجميع ولكل فرد، بغض النظر عما إذا كان العالم يواجه الأزمات والكوارث العامة، أو الحديث عن بواعث القلق أو الخوف في أي منطقة في العالم، لأن دورها يتركز في الدفاع عن المصالح الاجتماعية”.

وأشار الرئيس الألماني أيضا إلى مسألة الحقوق الرقمية للنشر التي تتسبب في خسائر للصحافة في وقت هي بأمس الحاجة إلى الإيرادات، وقال شتاينماير إن الصحافة الجيدة يجب أن تتغلب لأجل غير مسمى على “المصادرة الرقمية لحقوق النشر”، وأيضا على التسطيح والتشويه، وربما أيضا على فقدان مصداقية المحتوى، وأضاف “أعتقد أن هذا صراع وجودي بالنسبة للصحافة”، واعتبر أنه لا مفر من ذلك، “لأن رفض التحول الرقمي ليس خيارا”.

18