الديمقراطية نظام معقد لا وصفة جاهزة لها

الباحث علي الدين هلال يجيب عن تساؤل "الانتقال إلى الديمقراطية.. ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين؟"
الجمعة 2020/02/07
بين الفوضى والديمقراطية خيط رفيع

القاهرة - ما الديمقراطية؟ وإلى أي مدى يمكن الاتفاق على تعريف نظري لها؟ وما القيم والإجراءات والترتيبات المؤسسية التي ترتبط بالنظام الديمقراطي؟  كيف تعاملت النخب السياسية الجديدة التي وصلت إلى الحكم بعد سقوط النظام السلطوي مع تحديات مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية؟

شكلت هذه التساؤلات المحور الرئيسي الذي قام عليه كتاب د.علي الدين هلال “الانتقال إلى الديمقراطية.. ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين؟”، معتمدا في الإجابة على تجارب عشرات الدول في مجال الانتقال إلى الديمقراطية، والتي نجح بعضها وفشل بعضها الآخر. وفي غمار السياقات المختلفة لهذه التجارب يعيد تشكيل عناصر النظام الديمقراطي، مؤكدا تنوع خبرات التطبيق في ضوء الظروف الاجتماعية والثقافية المختلفة، وثراء الفكر الديمقراطي من واقع هذه الخبرات العملية.

وأكد هلال على أن أهمية موضوع الديمقراطية تنبع من أنها تتناول قضايا حيوية تشمل طبيعة العلاقات بين الحاكمين والمحكومين، وأساس الطاعة السياسية أو الالتزام السياسي، والتوازن الضروري والمطلوب بين الحرية والسلطة، وبين الحق والواجب، والعلاقة بين الدولة والقوى الاجتماعية، ومدى تعبير الأول باعتبارها شكلا مؤسسيا وقانونيا عن المجتمع. باختصار، إن البحث في موضوع الديمقراطية هو بحث في الشرعية: شرعية الدولة وشرعية النظم السياسية والاجتماعية.

ولفت إلى أن كتابه يصدر بعد ما يزيد على ربع قرن من ثورات الديمقراطية العالمية، والتي تردد صداها وانتقلت تأثيراتها في كل أنحاء المعمورة، ففي كل مكان من قارات العالم ازدادت المطالبة بتحقيق المشاركة والكرامة والمساواة والعدالة، وهي القيم الأثيرة لدى فلاسفة الديمقراطية. ولم تقتصر هذه المطالبات على المجتمعات التي خضعت لنظم سلطوية، بل امتدت إلى قلب عواصم دول الديمقراطيات المستقرة ومدنها الكبرى، ففي أكتوبر 2011، وتحت تأثير شعار “احتلوا وول ستريت” انطلقت المظاهرات في قرابة ألف مدينة في 85 دولة، رفعت شعارات ضرورة كسر احتكار النخب وجماعات المصالح المنظمة للنفوذ السياسي، وإعادة السلطة إلى الشعب. فالدول السلطوية التي سادتها نظم الحزب الواحد أو سيطر عليها العسكريون شهدت الانتقال إلى الديمقراطية، أو الانتقال الديمقراطي، أما الدول الديمقراطية الراسخة فقد شهدت الدعوة إلى مراجعة الممارسات السياسية وأداء مؤسسات الحكم بهدف جعلها أكثر قربا إلى الإنسان العادي وأكثر تعبيرا عن مصالحه، وقد أدى هذان التطوران إلى انتعاش البحث في مفهوم الديمقراطية وما يرتبط بها من قيم وعلاقات وترتيبات مؤسسية.

عن مسألة الديمقراطية
عن مسألة الديمقراطية

وقال هلال إن الاعتقاد السائد بين البعض هو أن الديمقراطية علاج لكل الأمراض والعلل الاجتماعية، وأن النظام الديمقراطي هو البلسم الشافي لحالة التخلف بكل ما فيها من مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية. غير أن الحقيقة خلاف ذلك، فالديمقراطية مجموعة قيم ومؤسسات تتأثر بسياق المجتمع الذي تنشأ فيه، فشتان بين أداء المؤسسات الديمقراطية (أحزاب، برلمان، انتخابات، حكومة…) في دول الديمقراطيات الراسخة ونظائر هذه المؤسسات في الكثير من الدول الأفريقية والآسيوية وفي أميركا اللاتينية. ففي هذه الدول حملت المؤسسات الديمقراطية سمات مجتمعات كالفقر المدقع، وشيوع الأمية، وغلبة الانتماءات الإثنية، وممارسات الزبانية السياسية على قيم المواطنة والانتماء الوطني. ومن ثم يتعين على الباحث في موضوع الانتقال إلى الديمقراطية إدراك أنها عملية طويلة الأجل، ومعقدة، وديناميكية، ومفتوحة النهايات، وأن عليه الأخذ بعين الاعتبار اختلاف البيئة التي تتشكل فيها مضامين القيم الديمقراطية والأشكال التنظيمية التي تتخذها.

ورأى  أن الديمقــــراطـية تنــهض بجناحين، جناح إجرائي يتعلق بالترتيبات والمؤسسات الانتخابية والتمثيلية ونزاهتها، وجناح موضوعي يتصل بنوعية الحكم وجودته ومضمون السياسات العامة وتمكين المجتمع، ظهر هذا المعنى في الأفكار الخاصة بالحق في الديمقراطية، فبرز على سبيل المثال في الإعلان الذي أصدره الاتحاد البرلماني الدولي في العام 1997، تحت اسم “الإعلان العالمي للديمقراطية” والذي أشار في الجزء الخاص بمقومات الحكم الديمقراطي إلى حق كل فرد في المشاركة في إدارة الشؤون العامة في بلده، وتعزيز التعددية السياسية والحزبية، وآليات الرقابة المستقلة والمحايدة والفعالة التي تكفل حكم القانون وتضمن الشفافية والمحاسبية، إضافة إلى دور هيئات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الحرة في تهيئة البيئة المناسبة للممارسة.

وتابع أن الديمقراطية بإيجاز هي أسلوب ومضمون؛ شكل ومحتوى. وهناك أنماط ونماذج متنوعة لها تدور بين أنصارها جدالات فكرية ممتدة، وعند مقارنة الأهداف بما تحقق فعلا يتضح أن الانتقال إلى الديمقراطية في الكثير من البلاد لم يحقق كل النتائج أو الآمال التي دارت بخلد المدافعين عن هذا الانتقال.

تواجه النظم الديمقراطية وخصوصا الديمقراطيات الجديدة أربعة تحديات أساسية: أولها تحدي الحافظ على الإجماع العام بين الفاعلين السياسيين على قواعد العملية الديمقراطية في مواجهة النزاعات العرقية والسلالية، والأصوليات الدينية التي تتعامل مع الآخرين بمنهج الإقصاء والتهميش واستخدامها الأسلوب الديمقراطي لتحقيق أهداف غير ديمقراطية. ويرتبط بذلك تحدي تصاعد الاتجاهات اليمينية والشعبوية، والتي حققت مكاسب انتخابية في عدد من دول الديمقراطية المستقرة في أوروبا.

وثانيها تحدي غياب العدالة وتكافؤ الفرص الناشئة عن ديناميات النظام الرأسمالي، واستمرار تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء في داخل كل دولة، وبين الدول الغنية والدول الفقيرة.

وثالثها تحدي التكيف مع الصعود الاقتصادي الآسيوي -وفي قلبه الصين- وذلك بسبب اختلاف القيم الآسيوية عن بعض الثقافة الديمقراطية في الدول الغربية مثل تركيزها على الجماعة وليس الفرد، واهتمامها بالتوافق والإجماع أكثر من الجدل والاختلاف، وحرصها على التضامن الجماعي أكثر من الحرية الفردية.

ورابعها ازدياد دور القادة الأفراد في العملية السياسية، وظهور نموذج “الرجل القوي” القادر على كسب تأييد أصوات الناخبين في كل من نظم الديمقراطيات الجديدة وتلك الراسخة على حد سواء.

6