الديمقراطية والإسلام والدوران في الحلقة المفرغة

الخميس 2014/06/05

إن الثبات على المبدأ ضروري في العمل السياسي، وبالذات في الإطار الديمقراطي؛ فالثبات على المبدأ يظهر إيمان القائد السياسي بأن ما يخرج به على الناس هو الحق والخير، والمحقق للعزة والرفاهية والمساواة. فالديمقراطية التي قبل بها القادة الإسلاميون إطارا للعمل السياسي، في مصر وتونس، والتي ينادي بها السوريون ويحاول التعايش معها الليبيون، تستدعي من هؤلاء جميعا، وبالذات القادة في مصر، لأن مصر هي الخزان البشري والمختبر الأهم، أن يشرحوا بالتفصيل ماذا يريدون تطبيقه، وما هي القواعد التي يريدون الاحتكام إليها في العمل السياسي؛ كما عليهم أن يثبتوا أن ما يقولونه خارج من صميم قناعتهم، وليس مراوغة لتمرير مرحلة صعبة، ما إن يتجاوزوها حتى ينقلبوا على كل ما نادوا به.

القاعدة الأساس في العمل الديمقراطي أن يعرف المواطنون حقيقة نظامهم السياسي، هل هو إسلامي، جمهوري، ملكي، ويعرفوا أن ما يختارونه يحظى بالإجماع، لأنه دون ذلك يتحول العمل السياسي إلى معركة عبثية بلا مضامين، ويصبح الشخص هو المرتجى وليست المؤسسات، وبذلك تدخل البلاد في دوامة لا تنتهي من عدم الاستقرار.

ففي ديمقراطيات العالم الغربي لم تأت الديمقراطية إلا عبر إجماع شعبي وإيمان بمبادئها، وقواعدها وأطرها الدستورية؛ فالديمقراطية الغربية جاءت انقلابا على النظم الملكية التي كانت سائدة، ولم تأت لتعدّل في النظام الملكي وتدخل عليه بعض التغيرات الطفيفة؛ حتى في بريطانيا التي لا تزال فيها الملكية قائمة، تحولت إلى ملكية صورية مجردة من أية صلاحيات سياسية؛ كذلك فإن شعوب الربيع العربي لم تنتفض لتحدث تغييرات طفيفة على الأنظمة التي أطاحت بها، بل أرادت نظاما جديدا، وقواعد مختلفة، لتؤمن لها الحرية والمساواة، والشفافية، والرفاهية. هنا مربط الفرس؛ ولذلك يتوجب على الجميع أن يكونوا صرحاء وبالتحديد فريقا الصراع في العالم العربي: العلمانيون والإسلاميون.

فالعلمانيون رأوا في الديمقراطية بمثالها الغربي حلا شافيا ووحيدا، وامتلك بعضهم، وليس كلهم، الشجاعة ليؤكد أن ما يريدونه هو تطبيق كامل للنظام الديمقراطي؛ يعني أنهم يؤمنون بالمنظومة الثقافية والاقتصادية والفكرية للديمقراطية؛ فهي بالنسبة إليهم نظام متكامل لا يمكن تجزئته، بل لابد من اعتماده كلية؛ هم يرون أن الديمقراطية تقوم على مبدأ المواطنة، والدولة الترابية، وتداول السلطة، والاقتصاد الحر، والحرية الشخصية، وتثبيت المؤسسات.

والإسلاميون من جانبهم، حسب تنظيراتهم، يؤمنون بأن الإسلام يجسد مبادئ العدل والحرية والاستقلال، ويرون ولو متأخرا أن الديمقراطية هي الوسيلة لتحقيق هذه الأهداف. لكن المشكلة تكمن في غياب الثقة بين الطرفين؛ فالعلمانيون يشككون في طروحات الإسلاميين، ويعتقدون جازمين بأنهم ليسوا جادين في اللعبة الديمقراطية، وأنهم يحاولون ربح الوقت ريثما تتاح لهم فرصة الاستيلاء على السلطة وفرض نظامهم الإسلامي. وقد ساعد على تنامي هذا الشك غياب الرؤية الواضحة للفريق الإسلامي، وانبعاث فئات جهادية ترى في الديمقراطية كفرا وزندقة. ويرى الإسلاميون أن العلمانيين يستبعدون الإسلام من الحياة السياسية.

إذن نحن أمام مفارقة واضحة بين فريقين: علماني يرى أن الإسلامي لا يريد الديمقراطية، وإسلامي يُكذِّب العلماني ويتهمه بأنه يؤمن بالديمقراطية ظاهريا. لا مشاحة أن العلمانيين (الفريق الذي ينادي بالديمقراطية ويرفض المشروع الإسلامي) صادقون في طرحهم، وهم يريدون بالفعل ديمقراطية، كما هي مطبقة أو كما هي مستنسخة من تاريخها الغربي الطويل، لكن السؤال المهم هل الإسلاميون يؤمنون فعلا بالديمقراطية؟ وهل هم مؤمنون بالدخول في لعبتها ومنظومتها، ولا يريدون، كما يقول العلمانيون، استخدامها تقية؟

إن الديمقراطية تقوم على فكرة ثقافة ومواطنة ومؤسسات، وعلى تحقيق الخير العام، كما يفهمه الناس، وترك الحرية للفرد، وتقييد الدولة، وعلى فكرة أن المواطن هو محور الحياة السياسية، وأن ما يختاره هو القول الفصل. كما تستدعي الديمقراطية ضرورة أن يكون المواطن مشاركا في الحياة السياسية، وعارفا ومنخرطا في العمل المؤسساتي، وأنه دون تلك المشاركة لا يمكن للديمقراطية أن تستقيم؛ وعليه فإن المواطن عندما ينخرط سياسيا يكون على دراية بما يريد، وما يرغب بتحقيقه. وحسب ذلك فإن العلماني يرى أن الديمقراطية التي تتجسد بمبادئ، تكرست منذ العهد اليوناني وحتى عصرنا الراهن، هي التي يريدها أن تحكم مسار حياته. وعلى عكسه المواطن الإسلامي الذي يرى أن هذه المثل والقيم والمبادئ الديمقراطية تختلف من حيث الجذور والتاريخ والتطور والرؤية والمرجع، عن قيمه ومثله، وهو يريد أن يطبق الرؤية الإسلامية. هذا الاختلاف ليس نظريا، كما يدعي البعض، ولكل من الفريقين شواهد تاريخية عليها: العلمانيون يسترشدون بما وصلت إليه الأمم الديمقراطية، والإسلاميون يسترشدون بعدالة الخلافة الإسلامية في عصرها الأول.

الأزمة الديمقراطية في بلدان الربيع العربي مردها مراوغة الإسلاميين، ونفاق العلمانيين؛ فالإسلاميون لا يزالون يعتقدون أن الديمقراطية ممكن تطبيقها، وبأنها لا تتعارض مع الإسلام، وأنها قد تكون وسيلة للوصول إلى السلطة وعندها يطبقون مشروعهم، وتطبيقه سيؤدي إلى إزاحة العلمانيين. ويعتقد العلمانيون أيضا أن الإسلام هو ثقافة، ودين مقدس يجلّونه ويؤمنون به، ولكنهم، انطلاقا من هذا الإجلال، يريدون تطهيره وإبعاده عن السياسة، وبالتالي إبعاد الإسلاميين عن تطبيق مشروعهم. هذان النمطان من التنظير هما سبب المشكلة التي تعيشها بلدان الربيع العربي، لأن الفريقين عاجزان عن التوصل إلى صيغة يمكن من خلالها إدارة الحكم وتنظيم تداول السلطة والنهوض بالاقتصاد.

فبعد مرور ثلاثة أعوام على ذهاب القذافي لا يزال الليبيون يتصارعون، ولا يزال فرقاء النزاع في مصر عاجزين عن التوصل إلى تسوية بل لا يزال الاتهام هو السائد والإقصاء هو المعيار، ومسارعة كل منهما إلى استخدام آليات الدعاية الحديثة لا لتوضيح مشروعه المطروح، بل للانقضاض على الآخر بالتجريح والتخوين واللعن والسب. هذا التدهور في التعامل السياسي سمح للديمقراطية أن تفلت من أيدي القادة السياسيين، علمانيين وإسلاميين، وتصبح متداولة بيد الشارع غير القادر على فهم تعقيدات الديمقراطية ولا فهم آلياتها؛ ولذلك كان التضارب والسباب بين الجماعات المؤيدة للفريق العلماني، والجماعات المؤيدة للفريق الإسلامي. وقد بلغ هذا التضارب درجة كبرى من الفوضى شلت مؤسسات الدولة، وأرهقت الاقتصاد، وجعلت دول الربيع العربي تقف على شفا أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية خطيرة للغاية، وانتهى الأمر في بعض الدول، بموت العملية الديمقراطية برمتها.

إن التحول الديمقراطي في الغرب لم يكن سلسا وخاليا من الأزمات، ولا أحد يتوقع ألا تقع مشاكل في مصر أو غيرها من دول الربيع العربي. لكن القضية ليست بوقوع المشكلة بل بالمشكلة ذاتها، بمعنى أن الغرب عندما واجه مشاكل لم تكن من النوع الذي تعيشه مصر، وبالتالي فإن الحلول المقترحة للعلاج لا يمكن أن تكون هي ذاتها؛ ولكي نكون أكثر وضوحا فإن مفكري الغرب، عندما حاولوا وضع الأسس والقيم التي تقوم عليها الديمقراطية لم يجدوا اختلافا في هذه القيم ولا في المثل ولا في الرؤية وذلك لأنهم كلهم مسيحيون (مع مراعاة الاختلاف الفقهي)، وكلهم أوروبيون.

وكمثال، فإن رجال أميركا العظام مثل ماديسون ولنكولن، وجيفرسون، انشغلوا لا بإعادة صيغ القيم والمبادئ، بل بكيفية ضم الولايات الأميركية المختلفة على أساس اقتصادي وتوحيد البلاد وإيجاد نظام سياسي يضمن التمثيل لكافة القوى، ويؤمّن إقامة كيان قوي يوفر للجميع العيش الرغيد والمساواة. وجدوا أنفسهم أمام مشكلة مختلفة عن مشكلة بلدان الربيع العربي، ووضعوا لها حلولا، فعدّلوا مفهوم الديمقراطية اليوناني، وعدلوا مفهومها الجمهوري الروماني، وخلقوا ديمقراطية تمثيلية تناسبهم، وتحقق ما يصبون إليه.

إن العالم العربي يعيش أحلك حالاته، وأمام قادته وأبنائه من المفكرين والناشطين فرصة لترميم البيت وبناء الإنسان والمؤسسات والارتقاء بالوطن، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالاتعاظ بتاريخ الأمم وتجاربها، وما تشديد الإسلاميين والديمقراطيين على تطبيق الديمقراطية إلا دليل على فهمهم لهذا الواقع، وما يلزمهما هو وقف التشكيك، والسير في عملية بناء الثقة والابتداء من أماكن الالتقاء وترك مواطن الخلاف للنقاش داخل المؤسسات؛ ولذلك فإن الشرط لنجاح تجربتنا هو بناء المؤسسات الدستورية المستقلة لتكون هي الحكم والفيصل، وبدونها سنبقى ندور في الحلقة المفرغة، وسندفع دائما فاتورة باهظة الأثمان.


كاتب لبناني مقيم في لندن

8