الدين "تنهيدة مضطهد" في عالم تتلاعب به السياسة

يمكن أن يكون الدين من جانب معاضدته للسياسة عنصر توتر داخل المجتمعات، لأن التداخل بين المجالين في هذه الحالة حاصل، وكلما تداخل الدين في السياسة كلما كان الاستقرار صعب المنال. كما يمكن للدين أن يكون عنصر تهدئة للمجتمع عندما يتمّ تبسيطه في شكل خطاب عقلاني يحضّ الإنسان على العمل والاحترام والتعايش. لكن الواقع اليوم يميل أكثر إلى الكفة الأولى، حيث تتحكم المنظومة العالمية للهيمنة في مناسبات صعود وهبوط الخطاب الديني، وكأن الأمر متعلق بحقن الإنسانية بمهدئات كلما توتر العالم أكثر.
الأربعاء 2016/09/21
طلب للغفران في زمن الحرب

يلتئم برئاسة البابا فرانسيس الأول بابا الفاتيكان بمدينة أسيزي بمقاطعة بيروجا وسط إيطاليا الاجتماع الاختتامي لـ”لقاءات أسيزي” التي تقام سنويا بين الـ18 والـ20 من سبتمبر للقيام بالصلاة من أجل السلام بين الأديان في العالم، وذلك بحضور ممثلي الأديان السماوية لنقاش المستجدات في العالم والتركيز على نقاط الالتقاء بينها وتلاوة رسالة السلام.

وكان أول لقاء بين الديانات من هذا النوع عقد قبل ثلاثين عاما بدعوة من البابا يوحنا بولس الثاني. وقد شكل اللقاء حدثا تاريخيا للكنيسة الكاثوليكية والتقارب بين الديانات التي فصلت بينها في أغلب الأحيان عقود من العداء والمجازر، وسميت هذه اللقاءات بـ”لقاءات فرنسيس الأسيزي” الذي اختار البابا أن يحمل اسمه عند انتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية، لأن الأسيزي عرف بدوره الداعي إلى السلم خلال الحملة الصليبية الخامسة في القرن الثالث عشر عبر تحاوره مع السلطان، وهذا اللقاء خلد في لوحة بكنيسة بنيت له سيلقي البابا كلمته أمامها.

رمزية العلاقة بين البابا الداعي إلى السلام رغم الحملة الصليبية التي كانت على أشدّها في بداية الألفية الثانية وبين السلطان، تعتبر إلى اليوم محور الأزمة التي يعاني منها المجتمع الإنساني. فالدين والسياسة عنصران لا ينفصلان في العملية التي تدار بها المجتمعات منذ الأزل، لكن التساؤلات اليوم تدور حول مبررات تواصل هذه العلاقة الخفية والتي يحتاجها الطرفان؛ الديني والسياسي. وهذا ما يطرح تساؤلات أخرى حول حقيقة دور الدين اليوم في عالم تنهكه الحروب المندلعة كل يوم في العديد من المناطق الواسعة، فهل لا يزال الإنسان فعلا يحتاج إلى اجتماعات من هذا النوع لتأكيد التسامح بين الأديان؟ وما هي نتائج تلك الاجتماعات بين ممثلي الأديان إذا كانت لم تفض إلى عقد سلام دائم بين الناس منذ ما يقرب الألف سنة منذ ظهور دعوات الأب الأسيزي؟ وهل فعلا أن الدين يعدّ حقنة اليوم لتهدئة التوتر الذي تسببه السياسة؟

مؤسسة الأزهر تقوم بمجهودات في سياق تبادل الخبرات مع دول أوروبية في مجال تكوين الأئمة والدعاة والعمل على ترسيخ قيم التسامح والاندماج في المجتمعات الغربية

الدين والحرب

لئن ظهر كل شيء في السطح معبرا عن ردّة فعل تقوم بها عناصر إسلامية متشددة ضد المجتمعات والشعوب في الشرق الأوسط ووسط آسيا وأوروبا وحتى الولايات المتحدة، إلا أن اللمسة الدينية التي تطبع عصر الحروب اليوم لا تعبر عن حقائق الأمور، بل إن العمق الحقيقي الذي تكتسيه الحروب والتفجيرات والعمليات الإرهابية اليوم هو عمق سياسي بامتياز، فهو نتيجة لعاملين أساسيين يتمثلان في الهيمنة الغربية المتواصلة على مقدرات الشعوب وثرواتها (خاصة المنطقة العربية) وأيضا في وجود ثغرات بالتراث الإسلامي (والمسيحي واليهودي أيضا) يمكن التسلل من خلالها وإنشاء خلايا إرهابية ترتكز على النص المقدس في حين أنها لا تمثله. وفي ذلك أمثلة عديدة من بينها جيش الرب المسيحي بأوغندا، والبرق الشرقي الذي تأسس في الصين، وجبهة تحرير تريبورا في الهند وأيضا الحركة الصهيونية التي تعتبر تيارا متطرفا سياسيا في الديانة اليهودية.

هذا الواقع يجعل من وجود الدين داخل المجتمعات خاضعا إلى تقلبات المزاج الإنساني بشكل خطير، ويحتاج الأمر إلى قوة مشروعة للتحكم في الجموح البشري الذي يمكن أن ينتج عن تحمّس لطائفة أو دين أو تيار داخل الدين يحوّل الشحنة العاطفية إلى فعل وسلوك عنيف، وهذه القوة المشروعة لن تكون سوى الدولة. وبهذا المدخل، فإن التعويل على الدين فقط، الذي يعرف على أنه اعتقاد إنساني في إله ومنظومة عقدية وعبادات وطقوس، لا يمكن أن يحل الأزمة المتفاقمة التي تعيشها الإنسانية اليوم. وللاستدراك فإن حالة الحرب والعداء بين البشر تعتبر أمرا “طبيعيا” إذا نظرنا إلى تركيبة الإنسان التي تنزع نحو البطش لكن أن يكون بطشا مشبعا بالرمز المقدس فذلك ليس قدرا، بل ويمكن التحكم في النزعة العدوانية للإنسان عبر آلية تاريخية ناجعة وهي القانون، في مستوييه الداخلي والدولي.

السياسة محرك الدين

لماذا كلما تصاعدت حدة التوترات السياسية يكون الدين مرجعا للتخفيف منها؟ هذا تساؤل طرحه الباحث في علم الاجتماع السياسي الأميركي دافيد إستون في كتاب أصدره سنة 1953 عنوانه “الجهاز السياسي”، وقد لاحظ إستون في بحثه أن العديد من الرسائل السياسية التي كانت تبث أثناء الحرب العالمية تستنجد بالدين كي تخفف من وطأة الحرب أو لتحفيز الناس على الصمود في وجه العدوّ. ويذكر إستون مثالا حول ستالين الشيوعي الذي قال في خطابه بموسكو التي كانت القوات النازية تحاصرها “إخوتي أخواتي فلنستلهم من روح الماضي بكل ما فيه كي نقاوم العدوان النازي على روسيا”، وقد استعاض ستالين في هذا المثال عن مناداة الناس بـ”رفيقاتي رفاقي” كما يقول الشيوعيون عادة.

هذا المثال يمكن أن يعكس مدى قوة التأثير الديني على الجماهير وكيفية تحول الرسالة السياسية بكل بساطة وسهولة إلى رسالة دينية لها أهداف سياسية. وهذا ما يحدث اليوم في زمن التداخل العولمي بين ما هو محلي وما هو عالمي. فالخطاب الديني يرتفع حسب البعض من المراقبين ويكون له شأن في حالة انعدام الحلول العملية السياسية للمجتمعات أو في حالة الحرب، وهذا يكشف الدور الخفي للسياسيين في تحريك ترسانة رجال الدين عند الحاجة وهو ما يفقد المقدس قيمته ومعناه في أن يربط بين العبد وخالقه حتى يحوله “الجهاز السياسي” حسب دافيد إستون إلى مرجع أيديولوجي موظف للتحكم في الجماهير.

ألفونسو أربيب: مشكلة الحوار بين الأديان هي أنه لا يشمل سوى النخب وهناك عدم تسامح ديني

يمكن أن تسقط اجتماعات ممثلي الأديان للتحاور من أجل التسامح في فخ التوظيف السياسي لرمزيتهم ورمزية الأديان التي يمثلونها. لكن في هذه الحالة فإن الجهاز السياسي الذي نجح في توظيفهم ليست حكومة مركزية أو سلطة داخلية بل إن الدافع في ذلك هو المنظومة العالمية التي تتحكم في القوى الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. وفي هذا أمثلة عديدة: فقد سبق أن اجتمع شيخ الأزهر أحمد الطيب بالبابا فرانسيس الأول في مايو الماضي وتم التطرق في اللقاء الذي دام نصف ساعة إلى السلام والقضاء على الإرهاب في العالم وكيفية إنقاذ مسيحيي الشرق من لهيب الحرب التي هجّرتهم، لكن ذلك لم يترجم إلى أفعال ملموسة إلى حدّ الآن.

وقبل ذلك، قامت مؤسسة الأزهر بمجهودات في سياق تبادل الخبرات مع دول أوروبية في مجال تكوين الأئمة والدعاة والعمل على ترسيخ قيم التسامح والاندماج في المجتمعات الغربية بالنسبة إلى المسلمين، لكن الإرهاب كان أقوى وقام بالضرب في نيس الفرنسية وعدد من المدن الألمانية في سلسلة من الاعتداءات الإرهابية المتعاقبة. ومن ناحية أخرى قامت العديد من الدول العربية بالقيام بمؤتمرات تستهدف التسامح بين الأديان والتعايش بينها في الأردن والإمارات العربية المتحدة ومصر وغيرها، لكن الأمر لم ينجح في استئصال العنف بشكل تامّ، ومثل هذه المؤتمرات تلك التي أقيمت في عواصم غربية من بينها باريس وبرلين وروما ولندن ومدريد وغيرها.

يؤكد عدد من المختصين في التحليل السياسي أن هذه الموجة من الحراك المؤسسي الديني هي نتاج لحاجة بعض المجتمعات إلى الحفاظ على أمنها وتوازن مجتمعاتها عبر نشر خطاب التسامح وتأصيله في أديان أغلبيتها الشعبية، ونتاج أيضا لحاجة المنظومة العالمية للهيمنة إلى تهدئة الناس كي تؤهلهم لتقبل واقع صعب يعيشونه، أو مثلما قال كارل ماركس في نقده لفلسفة الحق لهيغل “الدين هو تنهيدة المضطهد، هو قلب عالم لا قلب له، مثلما هو روح وضع شروط بلا روح، إنه أفيون الشعوب”.

سجين النخبة

بدأ لقاء أسيزي الأخير الأحد بحضور نحو 500 مندوب يمثلون مختلف الديانات وكذلك حضور علمانيين، وقد عقدوا سلسلة من الاجتماعات تناولت مواضيع محددة مثل الإرهاب والبيئة والمهاجرين والعراق. وتابعهم حوالي 12 ألف شخص حضروا إلى أسيزي.

وقال حاخام ميلانو الأكبر ألفونسو أربيب خلال طاولة مستديرة إن الحوار بين المسيحيين واليهود “سمح بالخروج من أفكار مسبقة سادت لآلاف السنين من الحقد، ووضع حدا لفكرة شعب يهودي قاتل للأنبياء”. إلا أن الحاخام حذر من أن “مشكلة الحوار بين الأديان هي أنه لا يشمل سوى النخب” مشددا على عودة معاداة السامية وعدم التسامح الديني بقوة. ومن جهته، شدد حاخام تركيا الأكبر إسحق هاليفي على أهمية التعليم.

وبينما أكد محمد السماك المستشار السياسي لمفتي لبنان على أن مقاومة الإرهاب “هي واجب شرعي على كل مسلم”، فإن تصريح حاخام ميلانو أربيب يعدّ ملفتا في مستوى البحث عن تبسيط الخطاب المنفتح الديني لمستوى عامة الناس كي يتمّ فهمه وتحويله إلى سلوك يومي. فمن بين الأزمات الرئيسية التي يعاني منها الخطاب الديني اليوم هو أنه سجين النخبة التي يمكن أن تفهمه سواء كانوا رجال دين أيضا أو مثقفين وأكاديميين أو إعلاميين، وهذا لن يخرج الدين من دائرة البرج العاجي المتعالية ولن يكون عاملا في تصالح الشعوب مع إنسانيتها بل سيبقى محاطا بغموض ربما يزيد الأمور تعقيدا.

صحافي من تونس

6